الإسلام > الجنايات والحدود > أحكام الإمامة العظمى
مسائلُ فقهيةٌ في أحكام الإمامة العظمى على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 20 دقيقة قراءةفصل في أحكامِ الإمامةِ العُظمى
تَعريفُ الإمامةِ:
الخِلافةُ والإمامةُ العُظمَى وإمارةُ المُؤمنينَ ثَلاثُ كَلماتٍ مَعناها واحِدُ، وهو: رِئاسةُ الحُكومةِ الإسلامِيةِ الجامِعةِ لمَصالحِ الدِّينِ والدُّنيا.
والإمامَةُ: رِياسةٌ عامَّةٌ في أمرِ الدِّينِ والدُّنيا خِلافةً عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام.
وقالَ الإمامُ الرَّازيُّ رحمة الله عليه: هي رِياسةٌ عامَّةٌ في الدِّينِ والدنيا لشَخصٍ واحِدٍ مِنْ الأشخاصِ (١).
وقالَ الرَّمليُّ رحمة الله عليه: الإمامُ الأعظَمُ القائمُ بخِلافِة النبوَّةِ في حِراسةِ الدِّينِ وسِياسةِ الدُّنيا (٢).
حُكمُ نَصبِ الإمامِ:
مما لا خِلافَ بينَ فُقهاءِ الأمَّةِ فيهِ أنه لا بُدَّ للأمَّةِ مِنْ إمامٍ يُقيمُ الدِّينَ
(١) «شرح المقاصد» للتفتازاني (٢/ ٢٧٢)، و «حاشية ابن عابدين» (١/ ٥٤٨)، و «الخلافة» لمحمد رشيد رضا (١٧).
(٢) «نهاية المحتاج» (٧/ ٤٧١).
ويَنصرُ السُّنةَ ويَنتصفُ للمَظلومينَ ويَستوفي الحُقوقَ ويَضعُها مَوضِعَها؛ لأنَّ الإمامةَ رِياسةٌ تامَّةٌ وزَعامةٌ عامَّةٌ تَتعلَّقُ بالخاصَّةِ والعامَّةِ في مُهمَّاتِ الدِّينِ والدُّنيا، مُتضَمَّنُها حِفظُ الحَوزةِ ورِعايةُ الرعيَّةِ وإقامةُ الدَّعوةِ بالحُجَّةِ والسَّيفِ وكَفُّ الجنَفِ والحَيفِ والانتِصافُ للمَظلومينَ مِنْ الظالِمينَ واستِيفاءُ الحُقوقِ مِنْ المُمتنِعينَ وإيفاؤُها على المُستحِقِّينَ (١).
وقد أجمَعَ العُلماءُ على وُجوبِ نَصبِ الإمامِ عندَ الإمكانِ.
قالَ الإمامُ الجُوَينيُّ رحمة الله عليه: فنَصبُ الإمامِ عندَ الإمكانِ واجِبٌ، وذهَبَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ كَيسانَ إلى أنه لا يَجبُ ويَجوزُ تَركُ الناسِ أخيافًا يَلتطِمونَ ائِتلافًا واختِلافًا لا يَجمعُهم ضابِطٌ ولا يَربطُ شتَاتَ رأيِهم رابِطٌ، وهذا الرَّجلُ هَجومٌ على شَقِّ العَصا ومُقابَلةِ الحُقوقِ بالعُقوقِ، لا يَهابُ حِجابَ الإنصافِ، ولا يَستوعِرُ أصوابَ الاعتِسافِ، ولا يُسمَّى إلا عندَ الانسلالِ عن ربقَةِ الإجماعِ والحَيدِ عن سُننِ الاتِّباعِ، وهو مَسبوقٌ بإجماعِ مَنْ أشرَقتْ عليهِ الشمسُ شارِقةً وغارِبةً واتِّفاقِ مَذاهبِ العُلماءِ قاطِبةً.
أما أصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ رَأوا البَدارَ إلى نَصبِ الإمامِ حقًّا، فتَرَكوا بسَببِ التشاغُلِ به تَجهيزَ رَسولِ اللهِ ﷺ ودفْنَه مَخافةَ أنْ تَتغشاهُم هاجِمةُ مِحنةٍ.
ولا يَرتابُ مَنْ معَه مِسكةٌ مِنْ عَقلٍ أنَّ الذبَّ عن الحَوزةِ والنِّضالَ دونَ حِفظِ البَيعةِ مَحتومٌ شَرعًا، ولو تُركَ الناسُ فوضَى لا يَجمعُهم على الحقِّ
(١) «غياث الأمم» (٢١٧).
جامعٌ ولا يَزَعُهم وازِعٌ ولا يَردَعُهم عن اتباعِ خُطواتِ الشَّيطانِ رادِعٌ مع تَفنُّنِ الآراءِ وتَفرُّقِ الأهواءِ لَتبتَّرَ النظامُ وهلَكَ الأنامُ وتَوثَّبَ الطُّغامُ والعَوامُّ وتَحزَّبتِ الآراءُ المتناقِضةُ وتَفرَّقتِ الإراداتُ المُتعارِضةُ وملَكَ الأرذَلونَ سَراةَ الناسِ وفُضَّتِ المَجامِعُ واتَّسعَ الخَرقُ على الراقِعِ ونَشبَتِ الخُصوماتُ واستَحوذَ على أهلِ الدِّينِ ذَوُو العَراماتِ وتَبدَّدتِ الجَماعاتُ، ولا حاجةَ إلى الإطنابِ بعدَ حُصولِ البَيانِ، وما يَزعُ اللهُ بالسُّلطانِ أكثَرُ ممَّا يَزعُ بالقُرآنِ.
فإذا تَقرَّرَ وُجوبُ نَصبِ الإمامِ فالذي صارَ إليه جَماهيرُ الأئمَّةِ أنَّ وُجوبَ النَّصبِ مُستفادٌ مِنْ الشَّرعِ المَنقولِ غيرُ مُتلقًّى مِنْ قَضايا العُقولِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: اتَّفقَ جَميعُ أهلِ السُّنةِ وجَميعُ المُرجِئةِ وجَميعُ الشِّيعةِ وجَميعُ الخَوارجِ على وُجوبِ الإمامةِ وأنَّ الأمَّةَ واجِبٌ عليها الانقِيادُ لإمامٍ عادلٍ يُقيمُ فيهم أحكامَ اللهِ ويَسوسُهم بأحكامِ الشَّريعةِ التي أتَى بها رَسولُ اللهِ ﷺ، حاشَا النَّجداتِ مِنْ الخَوارجِ فإنهُم قالوا: «لا يَلزمُ الناسَ فَرضُ الإمامةِ، وإنما عليهِم أنْ يُشاطوا الحقَّ بينَهُم»، وهذه فِرقةٌ ما نَرى بَقيَ منهُم أحَدٌ، وهُم المَنسوبونَ إلى نَجدةِ بنِ عُميرٍ الحَنفيِّ القائمِ باليَمامةِ.
وقَولُ هذه الفِرقةِ ساقطٌ، يَكفي مِنْ الردِّ عليهِ وإبطالِه إجماعُ كلِّ مَنْ ذكَرْنا على بُطلانِه، والقُرآنُ والسُّنةُ قد ورَدَ بإيجابِ الإمامِ، مِنْ ذلكَ قولُ
(١) «غياث الأمم» (٢١٧، ٢١٩).
اللهِ تعالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، مع أحادِيثَ كَثيرةٍ صِحاحٍ في طاعةِ الأئمَّةِ وإيجابِ الإمامةِ.
وأيضًا فإنَّ اللهَ ﷿ يَقولُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فوجَبَ اليقينُ بأنَّ اللهَ تعالَى لا يُكلِّفُ الناسَ ما ليسَ في بِنيَتِهم واحتِمالِهم، وقد عَلِمْنا بضَرورةِ العَقلِ وبَديهَتِه أنَّ قيامَ الناسِ بما أوجَبَه اللهُ تعالَى مِنْ الأحكامِ عليهِم في الأموالِ والجِناياتِ والدِّماءِ والنكاحِ والطَّلاقِ وسائرِ الأحكامِ كلِّها ومَنعِ الظالمِ وإنصافِ المَظلومِ وأخذِ القِصاصِ على تَباعُدِ أقطارِهم وشَواغلِهم واختلافِ آرائِهم، وامتِناعُ مَنْ تَحرَّى في كلِّ ذلكَ مُمتنِعٌ غيرُ ممكِنٍ؛ إذ قد يُريدُ واحدٌ أو جَماعةٌ أنْ يَحكمَ عليهِم إنسانٌ ويُريدُ آخَرُ أو جَماعةٌ أخرى أنْ لا يَحكمَ عليهِم، إما لأنها تَرى في اجتِهادِها خِلافَ ما رَأى هؤلاءِ، وإما خِلافًا مُجرَّدًا عليهِم، وهذا الذي لا بُدَّ منه ضَرورةً، وهذا مُشاهَدٌ في البِلادِ التي لا رَئيسَ لها؛ فإنه لا يُقامُ هناكَ حُكمُ حقٍّ ولا حَدٌّ، حتى قد ذهَبَ الدِّينُ في أكثرِها، فلا تَصحُّ إقامةُ الدِّينِ إلا بالإسنادِ إلى واحِدٍ أو إلى أكثرَ مِنْ واحدٍ، فإذْ لا بُدَّ مِنْ أحَدِ هذَينِ الوَجهينِ؛ فإنَّ الاثنينِ فصَاعدًا بينَهُما ما ذكَرْنا، فلا يَتمُّ أمرٌ البتَّةَ، فلَم يَبْقَ وَجهٌ تَتمُّ به الأمورُ إلا الإسنادُ إلى واحدٍ فاضلٍ عالمٍ حسَنِ السياسةِ قَويٍّ على الإنفاذِ، إلا أنه وإنْ كانَ بخِلافِ ما ذكَرْنا فالظلمُ والإهمالُ معَه أقلُّ منه مع الاثنينِ فصاعدًا، وإذ ذلكَ كذلكَ ففَرضٌ لازِمٌ لكلِّ الناسِ أنْ يَكفُّوا مِنْ الظُّلمِ ما أمكَنَهم، إنْ قَدَروا على كفِّ كلِّه لَزمَهم ذلكَ (١).
(١) «الفصل في الملل والنحل» (٤/ ٧٢).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: الإمامةُ مَوضوعةٌ لخِلافةِ النُّبوةِ في حِراسةِ الدِّينِ وسِياسةِ الدُّنيا، وعَقدُها لمَن يَقومُ بها في الأمَّةِ واجِبٌ بالإجماعِ (١).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: نَصبُ الإمامِ الأعظَمِ فَرضٌ بلا خِلافٍ بينَ أهلِ الحَقِّ، ولا عِبرةَ بخِلافِ بعضِ القدَريةِ؛ لإجماعِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم على ذلكَ، ولمَساسِ الحاجةِ إليه لتقيُّدِ الأحكامِ وإنصافِ المَظلومِ مِنْ الظالمِ وقَطعِ المُنازَعاتِ التي هي مادَّةُ الفسادِ وغيرِ ذلكَ مِنْ المَصالحِ التي لا تَقومُ إلا بإمامٍ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: ولا اختِلافَ بينَ الأمَّةِ في وُجوبِ الإمامةِ ولُزومِ طاعةِ الإمامِ (٣).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: قولُه تعالَى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، هذهِ الآيةُ أصلٌ في نَصبِ إمامٍ وخَليفةٍ يُسمَعُ له ويُطاعُ لتَجتمعَ به الكَلمةُ وتُنفَّذَ به أحكامُ الخَليفةِ، ولا خِلافَ في وُجوبِ ذلكَ بينَ الأمَّةِ ولا بينَ الأئمَّةِ، إلا ما رُويَ عن الأصَمِّ حيثُ كانَ عن الشَّريعةِ أصَمَّ، وكذلكَ كلُّ مَنْ قالَ بقَولِه واتَّبعَه على رأيِه ومَذهبِه قالَ: إنها غيرُ واجِبةٍ في الدِّينِ، بل يَسوغُ ذلكَ، وأنَّ الأمَّةَ متى أقاموا حَجَّهم وجِهادَهم وتَناصَفوا فيما بينَهُم وبَذَلوا الحَقَّ مِنْ أنفُسِهم وقَسمُوا الغِنائمَ والفَيءَ والصَّدقاتِ على أهلِها
(١) «الأحكام السلطانية» ص (٥).
(٢) «بدائع الصنائع» (٧/ ٢).
(٣) «البيان والتحصيل» (١٧/ ٥٩).
وأقاموا الحدودَ على مَنْ وَجبَتْ عليهِ أجزَأَهم ذلكَ، ولا يَجبُ عليهِم أنْ يَنصِبوا إمامًا يَتولَّى ذلكَ.
ودليلُنا: قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، وقولُه تعالَى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦]، وقالَ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥] أي: يَجعلُ منهُم خُلفاءَ، إلى غيرِ ذلكَ مِنْ الآيِ، وأجمَعَتِ الصحابةُ على تَقديمِ الصِّدِّيقِ بعدَ اختِلافٍ وقَعَ بينَ المُهاجِرينَ والأنصارِ في سَقيفةِ بَني ساعِدةَ في التَّعيينِ، حتى قالَتِ الأنصارُ: منَّا أميرٌ ومنكُم أميرٌ، فدفَعَهم أبو بَكرٍ وعُمرُ والمُهاجِرونَ عن ذلكَ وقالُوا لهم: إنَّ العرَبَ لا تَدِينُ إلا لهذا الحيِّ مِنْ قُريشٍ، ورَوَوا لهُم الخبَرَ في ذلكَ، فرَجَعوا وأطاعُوا لقُريشٍ، فلو كانَ فَرضُ الإمامةِ غيرَ واجِبٍ لا في قُريشٍ ولا في غَيرِهم لَمَا ساغَتْ هذه المُناظَرةُ والمُحاوَرةُ عليها، ولَقالَ قائِلٌ: إنها ليسَتْ بواجِبةٍ لا في قُريشٍ ولا في غيرِهم، فما لِتَنازُعِكم وَجهٌ ولا فائِدةٌ في أمرٍ ليسَ بواجِبٍ؟! ثُم إنَّ الصدِّيقَ رضي الله عنه لمَّا حضَرَتْه الوَفاةُ عَهِدَ إلى عُمرَ في الإمامةِ، ولم يَقلْ له أحَدٌ: «هذا أمرٌ غيرُ واجِبٍ عَلينا ولا عَليكَ»، فدَلَّ على وجوبِها وأنها رُكنٌ مِنْ أركانِ الدِّينِ الذي به قِوامُ المُسلمينَ، والحَمدُ للهِ ربِّ العالَمينَ (١).
وقالَ الإمامُ القَرافِيُّ رحمة الله عليه: نَصبُ الإمامِ للأمَّةِ واجِبٌ مع القُدرةِ، وأنه مَوكولٌ إلى أهلِ الحَلِّ والعَقدِ دونَ النصِّ، وأنه مِنْ فُروضِ الكِفايةِ، ويَجبُ
(١) «تفسير القرطبي» (١/ ٢٦٤، ٢٦٥).
طاعةُ الأئمَّةِ وإجلالُهم، وكذلكَ نُوَّابُهم، فإنْ عَصَوا بظُلمٍ أو تَعطيلِ حَدٍّ وجَبَ الوعظُ وحَرُمتْ طاعتُه في المَعصيةِ وإعانتُه عليهَا؛ لقَولِه ﷺ: «لا طاعَةَ لمَخلوقٍ في مَعصيةِ الخالقِ» (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ خَلدونَ رحمة الله عليه: نَصبُ الإمامِ واجِبٌ قد عُرفَ وُجوبُه في الشَّرعِ بإجماعِ الصَّحابةِ والتابِعينَ؛ لأنَّ أصحابَ رَسولِ اللهِ ﷺ عندَ وَفاتِه بادَرُوا إلى بَيعةِ أبي بَكرٍ رضي الله عنه وتَسليمِ النظَرِ إليه في أمُورِهم، وكذا في كلِّ عَصرٍ مِنْ بعدِ ذلكَ، ولم تُتْرَكِ الناسُ فَوضَى في عَصرٍ مِنْ الأعصارِ، واستَقرَّ ذلكَ إجماعًا دالًّا على وُجوبِ نَصبِ الإمامِ (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: لا بُدَّ للأمَّةِ مِنْ إمامٍ يُقيمُ الدِّينَ ويَنصرُ السُّنةَ ويَنتصفُ للمَظلومينَ ويَستوفِي الحُقوقَ ويَضعُها مَواضِعَها.
قلتُ: تَولِّي الإمامةِ فَرضُ كِفايةٍ، فإنْ لم يَكنْ مَنْ يَصلحُ إلا واحدًا تعيَّنَ عليهِ ولَزمَه طَلبُها إنْ لم يَبتدِئوهُ (٣).
وقالَ الإمامُ البُهوتيُّ رحمة الله عليه: نَصبُ الإمامِ الأعظَمِ على المُسلمينَ فَرضُ كِفايةٍ؛ لأنَّ بالناسِ حاجَةً إلى ذلكَ لحِمايةِ البَيضةِ والذبِّ عن الحَوزةِ وإقامةِ الحُدودِ واستيفاءِ الحُقوقِ والأمرِ بالمَعروفِ والنهيِ عن المُنكَرِ، ويُخاطَبُ بذلكَ طائِفتانِ: إحداهُما: أهلُ الاجتِهادِ
(١) «الذخيرة» (١٣/ ٢٣٤).
(٢) «مقدمة ابن خلدون» ص (١٩١).
(٣) «روضة الطالبين» (٦/ ٤٦٣).
حتى يَختاروا، والثانيةُ: مَنْ تُوجَدُ فيهم شَرائطُ الإمامةِ حتَّى يَنتصِبَ أحَدُهم لها (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: يَجبُ أنْ يُعرَفَ أنَّ وِلايةَ أمرِ الناسِ مِنْ أعظَمِ واجِباتِ الدِّينِ، بل لا قِيامَ للدِّينِ ولا للدُّنيا إلا بها، فإنَّ بَني آدَمَ لا تَتمُّ مَصلحتُهم إلا بالاجتِماعِ؛ لحاجةِ بعضِهم إلى بعضٍ، ولا بُدَّ لهم عندَ الاجتماعِ مِنْ رأسٍ، حتى قالَ النبيُّ ﷺ: «إذا خرَجَ ثَلاثةٌ في سَفرٍ فلْيُؤمِّروا أحَدَهم» رواهُ أبو داودَ مِنْ حَديثِ أبي سَعيدٍ وأبي هُريرةَ، ورَوى الإمامُ أحمَدُ في المُسنَدِ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «لا يَحلُّ لثَلاثةٍ يَكونونَ بفَلاةٍ مِنْ الأرضِ إلا أمَّرُوا عليهِم أحَدَهم»، فأوجَبَ ﷺ تأميرَ الواحدِ في الاجتِماعِ القَليلِ العارِضِ في السَّفرِ تَنبيهًا بذلكَ على سائرِ أنواعِ الاجتماعِ.
ولأنَّ اللهَ تعالَى أوجَبَ الأمرَ بالمَعروفِ والنهيَ عن المُنكَرِ، ولا يَتمُّ ذلكَ إلا بقوَّةٍ وإمارةٍ، وكذلكَ سائرُ ما أوجَبَه مِنْ الجِهادِ والعَدلِ وإقامةِ الحَجِّ والجُمَعِ والأعيادِ ونَصرِ المَظلومِ وإقامةِ الحُدودِ لا تَتمُّ إلا بالقوَّةِ والإمارةِ، ولهذا رُويَ: «أنَّ السُّلطانَ ظِلُّ اللهِ في الأرضِ»، ويُقالُ: «سِتُّونَ سَنةً مِنْ إمامٍ جائرٍ أصلَحُ مِنْ لَيلةٍ واحِدةٍ بلا سُلطانٍ»، والتَّجربةُ تُبيِّنُ ذلك.
ولهذا كانَ السلَفُ كالفُضَيلِ بنِ عِياضٍ وأحمَدَ بنِ حَنبلٍ وغيرِهما يَقولونَ: لو كانَ لنا دَعوةٌ مُجابةٌ لَدَعَونا بها للسُّلطانِ، وقالَ النبيُّ
(١) «كشاف القناع» (٦/ ٢٠١، ٢٠٢).
ارجع إلى الجنايات والحدود للاطلاع على جميع الأبواب.