نصب أكثر من إمام

الإسلام > الجنايات والحدود > أحكام الإمامة العظمى > نصب أكثر من إمام

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 25 دقيقة قراءة

نصب أكثر من إمام - الأقوال والأدلة

: «إنَّ اللهَ يَرضى لكُم ثَلاثًا: أنْ تَعبُدوه ولا تُشرِكوا به شَيئًا، وأنْ تَعتصِموا بحَبلِ اللهِ جَميعًا ولا تَفرَّقوا، وأنْ تُناصِحوا مَنْ ولَّاهُ اللهُ أمْرَكم» رَواهُ مُسلمٌ، وقالَ: «ثَلاثٌ لا يُغِلُّ عليهِنَّ قَلبُ مُسلمٍ: إخلاصُ العَملِ للهِ، ومُناصَحةُ وُلاةِ الأمورِ، ولزومُ جَماعةِ المُسلمينَ، فإنَّ دَعوَتَهم تُحيطُ مِنْ وَرائِهم» رَواهُ أهلُ السُّننِ، وفي الصَّحيحِ عنه أنه قالَ: «الدِّينُ النَّصيحةُ، الدِّينُ النَّصيحةُ، الدِّينُ النَّصيحةُ، قالُوا: لمَن يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: للهِ ولكِتابِه ولرَسولِه ولأئمَّةِ المُسلمينَ وعامَّتِهم».

فالواجِبُ اتِّخاذُ الإمارةِ دِينًا وقُربةً يتقرَّبُ بها إلى اللهِ؛ فإنَّ التقرُّبَ إليهِ فيها بطاعَتِه وطاعَةِ رَسولِه مِنْ أفضَلِ القُرباتِ، وإنما يَفسدُ فيها حالُ أكثَرِ الناسِ لابتِغاءِ الرِّياسةِ أو المالِ بها (١).

نَصْبُ أكثرَ مِنْ إمامٍ:

نَصَّ عامةُ فُقهاءِ الإسلامِ على أنه لا يَجوزُ نَصبُ أكثرِ مِنْ إمامٍ في وقتٍ واحدٍ وإنْ تباعَدَتْ أقطارُ المُسلمينَ، إلَّا إمامَ الحرَمينِ وأبا إسحَاق الإسفرايينيَّ مِنْ الشافِعيةِ أجازاه عندَ الضَّرورةِ.

قالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: ثمَّ اتَّفق مَنْ ذكَرْنا ممَّن يَرَى فرْضَ الإمامةِ على أنه لا يَجوزُ كَونُ إمامَينِ في وَقتٍ واحدٍ في العالَمٍ، ولا يَجوزُ إلَّا إمامٌ واحدٌ، إلَّا مُحمدَ بنَ كرَّامٍ السَّجستانِيَّ وأبا الصَّباحِ السَّمرقنديَّ وأصحابَهُما، فإنهم أجازُوا كونَ إمامَينِ في وَقتٍ وأكثَرِ في وَقتٍ واحدٍ،

(١) «السياسة الشرعية» ص (١٣٦)، و «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣٩٠).

واحتَجَّ هؤلاءِ بقولِ الأنصارِ ومَن قالَ منهُم يومَ السَّقيفةِ للمُهاجرينَ: «منَّا أميرٌ ومنكُم أميرٌ»، واحتَجُّوا أيضًا بأمرِ عليٍّ والحسَنِ مع مُعاويةَ رضي الله عنهم.

قالَ أبو مُحمدٍ: وكلُّ هذا لا حُجةَ لهم فيهِ؛ لأنَّ قولَ الأنصارِ رضي الله عنهم ما ذكَرْنا لم يكُنْ صَوابًا، بل كانَ خَطأً إذْ أدَّاهُم إليها الاجتهادُ وخالَفَهم فيه المهاجِرونَ، ولا بُدَّ إذِ اختَلفَ القائِلانِ على قَولينِ مُتنافيينِ مِنْ أنْ يكونَ أحَدُهما حقًّا والآخَرُ خطأً، وإذْ ذلكَ كذلكَ فواجِبٌ رَدُّ ما تَنازَعوا فيه إلى ما افتَرضَ اللهُ ﷿ الرَّدَّ إليه عندَ التنازعِ، إذْ يقولُ اللهُ تعالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]، فنظَرْنا في ذلكَ فوجَدْنا رسولَ اللهِ قد قالَ: «إذا بُويعَ لإمامَينِ فاقتُلُوا الآخَرَ منهُما»، وقالَ تعالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وقالَ تعالَى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]، فحرَّمَ اللهُ ﷿ التَّفرقَ والتنازُعَ، وإذا كانَ إمامانِ فقد حصَلَ التفرُّقُ المحرَّمُ، فوُجِدَ التنازُعُ ووقَعَتِ المَعصيةُ للهِ تعالَى وقُلنا ما لا يَحلُّ لنا.

وأمَّا مِنْ طريقِ النَّظرِ والمصلَحةِ فلو جازَ أنْ يكونَ في العالَمِ إمامانِ لَجازَ أنْ يكونَ فيه ثلاثةٌ وأربَعةٌ وأكثرُ، فإنْ منَعَ مِنْ ذلكَ مانعٌ كانَ مُتحكِّمًا بلا بُرهانٍ ومُدَّعيًا بلا دليلِ، وهذا الباطِلُ الذي لا يَعجزُ عنه أحَدٌ، وإنْ جازَ ذلكَ زادَ الأمرُ حتَّى يكونَ في العالَمِ إمامٌ أو في كُلِّ مَدينةٍ إمامٌ أو في كلِّ قريةٍ إمامٌ، أو يكونَ كلٌّ أحَدٍ وخليفةٍ في منزلِه، وهذا هو الفَسادُ المَحضُ وهلاكُ الدِّينِ والدُّنيا، فصَحَّ أنَّ قولَ الأنصارِ رضي الله عنهم وهْلَةٌ وخَطارٌ رَجَعوا عنه إلى الحقِّ وعصَمَهم اللهُ تعالَى مِنْ التمادِي عليهِ.

وأما أمرُ عَليٍّ والحَسنِ ومُعاويةَ فقدْ صَحَّ عن النبيِّ أنه أنذَرَ بخارِجةٍ تَخرجُ مِنْ طائفَتينِ مِنْ أمَّةٍ يَقتلُها أَولى الطائفَتينِ بالحَقِّ، فكانَ قاتِلَ تلكَ الطائفةِ عَليٌّ رضي الله عنه، فهو صاحِبُ الحقِّ بلا شَكٍ، وكذلكَ أنذَرَ عليه السلام بأنَّ عمَّارًا تَقتلُه الفِئةُ الباغيةُ، فصَحَّ أنَّ عَليًّا هو صاحِبُ الحقِّ، وكانَ عليٌّ السابقَ إلى الإمامَةِ، فصَحَّ بعدُ أنَّ صاحِبَها وأنَّ مَنْ نازَعَه فيها فمُخطئٌ، فمُعاويةُ رضي الله عنه مُخطئٌ مَأجورٌ مرَّةً؛ لأنه مُجتهِدٌ، ولا حُجةَ في خَطأِ المُخطئِ، فبطَلَ قولُ هذهِ الطائفةِ.

وأيضًا فإنَّ قولَ الأنصارِ رضي الله عنهم: «منَّا أميرٌ ومنكُم أميرٌ» يُخرَّجُ على أنهُم إنما أرادُوا أنْ يليَ والٍ منهُم، فإذا ماتَ وَلِيَ مِنْ المُهاجِرينَ آخَرُ، وهكذا أبدًا، لا على أنْ يكونَ إمامانِ في وَقتٍ، وهذا هو الأظهَرُ مِنْ كَلامِهم، وأما عليٌّ ومُعاويةُ رضي الله عنهما فمَا سلَّمَ قطُّ أحَدُهما للآخَرِ، بل كلُّ واحِدٍ منهُما يَزعمُ أنه المُحِقُّ، وكذلكَ كانَ الحَسنُ رضي الله عنه إلى أنْ أسلَمَ الأمرَ إلى مُعاويةَ، فإذا هذا كذلكَ فقدْ صَحَّ الإجماعُ على بُطلانِ قَولِ ابنِ كرَّامٍ وأبي الصباحِ، وبطَلَ أنْ يكونَ لهُم تعلُّقٌ في شَيءٍ أصلًا، وباللهِ تعالَى التوفيقُ (١).

وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: فأما إقامةُ إمامَينِ أو ثَلاثةٍ في عصرٍ واحدٍ وبَلدٍ واحدٍ فلا يَجوزُ إجماعًا؛ لِما ذكَرْنا، قالَ الإمامُ أبو المَعالِي: ذهَبَ أصحابُنا إلى مَنعِ عَقدِ الإمامةِ لشَخصَينِ في طَرفي العالَمِ ثُم قالوا: لو اتَّفقَ عَقدُ الإمامةِ لشخصَينِ نزلَ ذلكَ مَنزلةَ تَزويجِ وَليَّينِ امرأةً واحِدةً مِنْ

(١) «الفصل في الملل» (٤/ ٧٣، ٧٤).

زَوجَينِ مِنْ غيرِ أنْ يَشعرَ أحَدُهما بعَقدِ الآخَرِ، قالَ: والذِي عندِي فيه أنَّ عقْدَ الإمامةِ لشخصَينِ في صِقعٍ واحِدٍ مُتضايقِ الخُططِ والمَخاليفِ غيرُ جائزٍ، وقد حصَلَ الإجماعُ عليهِ، فأما إذا بَعُدَ المَدى وتخلَّلَ بينَ الإمامَينِ شُسوعُ النَّوى فللِاحتمالِ في ذلكَ مَجالٌ، وهو خارجٌ عن القواطِعِ، وكانَ الأستاذُ أبو إسحاقَ يُجوِّزُ ذلكَ في أقليمَينِ مُتباعِدينِ غايةَ التباعُدِ؛ لئلَّا تَتعطلَ حُقوقُ الناسِ وأحكامُهم.

وذهَبَتِ الكرَّاميةُ إلى جَوازِ نَصبِ إمامَينِ مِنْ غيرِ تَفصيلٍ، ويُلزِمُهم إجازةَ ذلكَ في بلدٍ واحِدٍ، وصاروا إلى أنَّ عليًّا ومُعاويةَ كانَا إمامَينِ، قالوا: وإذا كانَا اثنَينِ في بلدَينِ أو ناحِيتينِ كانَ كلُّ واحدٍ منهُما أقوَمَ بما في يَدَيه وأضبَطَ لِما يَليهِ، ولأنه لمَّا جازَ بِعثةُ نَبيَّينِ في عَصرٍ واحدٍ ولم يُؤَدِّ ذلكَ إلى إبطالِ النبوَّةِ كانَتِ الإمامةُ أَولى ولا يُؤدِّي ذلكَ إلى إبطالِ الإمامةِ.

والجوابُ أنَّ ذلكَ جائزٌ لولَا مَنعُ الشرعِ منهِ؛ لقَولِه: «فاقتُلوا الآخِرَ منهُما»، ولأنَّ الأمَّةَ عليهِ، وأما مُعاويةُ فلَم يدَّعِ الإمامةَ لنفسِه، وإنما ادَّعى وِلايةَ الشامِ بتَوليةِ مَنْ قبلَه مِنْ الأئمَّةِ، وممَّا يَدلُّ على هذا إجماعُ الأمَّةِ في عَصرِهما على أنَّ الإمامَ أحَدُهما، ولا قالَ أحَدُهما: أني إمامٌ ومُخالِفي إمامٌ (١).

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: لا يَجوزُ نَصبُ إمامَينِ في وقتٍ واحدٍ وإنْ تباعَدَ إقليماهُما، وقالَ الأستاذُ أبو إسحَقَ: يَجوزُ نَصبُ إمامَينِ في إقليمَينِ؛ لأنه قد يحتاجُ إليه، وهذا اختيارُ الإمامِ.

(١) «تفسير القرطبي» (١/ ٢٧٣، ٢٧٤).

والصَّحيحُ الذي عليهِ الجُمهورُ هو الأولُ، فإنْ عُقدَتِ البَيعةُ لرَجلَينِ معًا فالبَيعتانِ باطِلتانِ، وإنْ تَرتَّبتَا فالثانيةُ باطِلةٌ، ثم إنْ جَهِلَ الثاني ومُبايِعوهُ بَيعةَ الأولِ لم يُعزَّروا، وإلا فيُعزَّرونَ، ولو عُرِفَ سَبقُ أحَدِهما ولم يَتعينْ أو شكَكْنا في مَعيَّتِهما وتَعاقُبِهما فلْيكَنْ كما سبَقَ في الجُمعتَينِ، ولو سبَقَ أحَدُهما وتَعيَّنَ واشتبهَ وُقِفَ الأمرُ حتى يَظهرَ، فإنْ طالَتِ المُدةُ ولم يَكنِ الانتظارُ فقدْ ذكَرَ الماوَرديُّ أنه تَبطلُ البَيعتانِ وتُستأنَفُ بَيعةٌ لأحَدِهما، وفي جَوازِ العُدولِ إلى غيرِهما خِلافٌ.

قلتُ: الأصَحُّ المَنعُ واللهُ أعلَمُ، قالَ الماوَرديُّ: ولو ادَّعى كلُّ واحِدٍ أنه الأسبَقُ لم تُسمعْ دَعواهُ، ولم يَحلفِ الآخَرُ؛ لأنَّ الحقَّ للمُسلمينَ، ولو قطَعَا التنازُعَ وسلَّمَ أحَدُهما الأمرَ للآخَرِ لم تَثبتِ الإمامةُ له، بل لا بُدَّ مِنْ بيِّنةٍ بسَبقِه، قالَ: ولو أقَرَّ أحَدُهما بسَبقِ صاحبِه خرَجَ منها المقِرُّ، ولا تَثبتُ للآخَرِ إلا ببيِّنةٍ، فإنْ شَهِدَ له المقِرُّ مع آخَرَ قُبلَتْ شَهادتُه إنْ كانَ يَدَّعي اشتباهَ الأمرِ قبلَ الإقرارِ، وإنْ كانَ يَدَّعي التقديمَ لم تُسمعْ؛ للتكاذُبِ في قَوليهِ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ كَثيرٍ رحمة الله عليه: فأما نَصبُ إمامَينِ في الأرضِ أو أكثَرَ فلا يَجوزُ؛ لقَولِه عليه الصلاة والسلام: «مَنْ جاءَكُم وأمرُكُم جَميعٌ يُريدُ أنْ يُفرِّقَ بينَكُم فاقتُلوهُ كائِنًا مَنْ كانَ»، وهذا قَولُ الجُمهورِ، وقد حكَى الإجماعَ على ذلكَ غيرُ واحدٍ، منهُم إمامُ الحَرمينِ.

(١) «روضة الطالبين» (٦/ ٤٦٩، ٤٧٠).

وقالَتِ الكرَّاميةُ: يَجوزُ اثنانِ فأكثَرَ كما كانَ عليٌّ ومُعاويةُ إمامَينِ واجبَيِ الطاعةِ، قالوا: وإذا جازَ بَعثُ نَبيَّينِ في وَقتٍ واحِدٍ وأكثَرَ جازَ ذلكَ في الإمامةِ؛ لأنَّ النبوَّةَ أعلَى رُتبةً بلا خِلافٍ.

وحكَى إمامُ الحرَمينِ عن الأستاذِ أبي إسحاقَ أنه جوَّزَ نصْبَ إمامَينِ فأكثَرَ إذا تباعَدَتِ الأقطارُ واتسَعَتِ الأقاليمُ بينَهُما، وتردَّدَ إمامُ الحَرمينِ في ذلكَ، قلتُ: وهذا يُشبهُ حالَ الخُلفاءِ بَني العباسِ بالعِراقِ والفاطِميِّينَ بمِصرَ والأمَويِّينَ بالمَغربِ (١).

وقالَ إمامُ الحرَمينِ أبو المُعالِي الجُوَينيُّ رحمة الله عليه: إذا تيسَّرَ نَصبُ إمامٍ واحدٍ يُطبِّقُ خطَّةَ الإسلامِ نَظرُه، ويَشملُ الخَليقةَ على تَفاوتِ مَراتبِها في مَشارقِ الأرضِ ومَغاربِها أثَرُه، تعيَّنَ نَصبُه ولم يَسُغْ -والحالةُ هذهِ- نَصبُ إمامَينِ، وهذا مُتفَقٌ عليهِ، لا يُلفَى فيه خِلافٌ، ولمَّا استَتبَّتِ البَيعةُ لخَليفةِ رَسولِ اللهِ أبي بَكرٍ الصدِّيقِ رضي الله عنه ثم استَمرَّتِ الخِلافةُ إلى مُنقرضِ زَمنِ الأئمَّةِ رضي الله عنهم أجمَعينَ فُهِمَ على الاضطِرارِ مِنْ غيرِ حاجةٍ إلى نَقلِ أخبارٍ مِنْ مَذاهبِ المُهاجِرينَ والأنصارِ أنَّ مَبنى الإمامةِ على أنْ لا يَتصدَّى لها إلا فَردٌ، ولا يَتعرَّضَ لها إلا واحِدٌ في الدَّهرِ، ومَن لم يُحِطْ بدَركِ ذلكَ مِنْ شِيَمِ العاقِدينَ والذين عُقِدَ لهم فهو بَعيدُ الفَهمِ فَدِمُ القَريحةِ مُستميتُ الفِكرِ.

(١) «تفسير ابن كثير» (١/ ٧٣).

وقد تَقرَّرَ مِنْ دِينِ الأمَّةِ قاطِبةً أنَّ الغرَضَ مِنْ الإمامةِ جَمعُ الآراءِ المُشتَّتةِ، وارتِباطُ الأهواءِ المُتفاوِتةِ، وليسَ بالخافي على ذَوِي البَصائرِ أنَّ الدُّولَ إنما تَضطربُ بتَحزُّبِ الأمَراءِ وتَفرُّقِ الآراءِ وتجاذُبِ الأهواءِ، ونِظامُ المُلكِ وقِوامُ الأمرِ بالإذعانِ والإقرارِ لذِي رأيٍ ثابتٍ لا يَستبدُّ ولا يَنفردُ، بل يَستضيءُ بعُقولِ العُقلاءِ، ويَستبينُ برأيِ طَوائفِ الحُكماءِ والعُلماءِ، ويَستثمرُ لُبابَ الألبابِ، فيَحصلُ مِنْ انفِرادِه الفائِدةُ العُظمَى في قَطعِ الاختِلافِ، ويَتحقَّقُ باستِضاءتِه استِثمارُ عُقولِ العُقلاءِ.

فالغَرضُ الأظهَرُ إذًا مِنْ الإمامةِ لا يَثبتُ إلا بانفِرادِ الإمامِ، وهذا مُغْنٍ بوُضوحِه عن الإطنابِ والإسهابِ، مُستنِدٌ إلى الإطباقِ والاتِّفاقِ، إذ داعِيةُ التقاطُعِ والتدابُرِ والشِّقاقِ رَبطُ الأمورُ بنَظرِ ناظِرَينِ، وتَعليقُ التقدُّمِ بأميرَينِ، وإنما تَستمرُّ أكنافُ المَمالِكِ برُجوعِ أمَراءِ الأطرافِ إلى رأيٍ واحِدٍ ضابطٍ، ونَظرٍ مُتحِدٍ رابطٍ، وإذا لم يَكنْ لهم مَوئِلٌ عنه يَصدرونَ ومَطمَحٌ إليه يَتشوَّفونَ تَنافَسوا وتَتطاوَلوا وتَغالَبوا وتَصاوَلوا وتَواثَبوا على ابتِغاءِ الاستيلاءِ والاستِعلاءِ، وتَغالَبوا غيرَ مُكترثينَ باستِئصالِ الجَماهيرِ والدَّهماءِ، فتكونُ الداهِيةُ الدَّهياءُ، وهذا مَثارُ البَلايَا، ومَهلكةُ البَرايَا، وفيه تَنطحنُ السَّلاطينُ والرَّعايَا.

فقدْ تَقرَّرَ أنْ نصْبَ إمامَينِ مَدعاةُ الفسادِ، وسَببُ حَسمِ الرَّشادِ، ثُم إنَّ فرْضَ نَصبِ إمامَينِ على أنْ يَنفذَ أمرُ كلِّ واحِدٍ منهُما في جَميعِ الخُطَّةِ، جَرَّ ذلكَ تَدافُعًا وتَنازُعًا، وأثَّرَ ضَرُّ نَصبِهما يُبِرُّ على تَركِ الأمرِ مُهمَلًا سُدًى.

وإنْ نُصبَ إمامٌ في بعضِها وآخَرُ في باقيها مع التمكُّنِ مِنْ نَصبِ إمامٍ نافذِ الأمرِ في جَميعِ الخُطَّةِ كانَ ذلكَ باطِلًا إجماعًا كما سبَقَ تَقريرُه، وفيه إبطالُ فائِدةِ الإمامةِ المَنوطةِ برأيِ واحدٍ يَجمعُ الآراءَ كما سبَقَ إيضاحُه فيما تقدَّمَ، وهذا واضِحٌ لا خَفاءَ به.

والذي تَباينَتْ فيه المَذاهبُ أنَّ الحالةَ إذا كانَتْ بحَيثُ لا يَنبسطُ رأيُ إمامٍ واحِدٍ على المَمالكِ، وذلكَ يُتصوَّرُ بأسبابٍ لا تَغمضُ، منها اتِّساعُ الخطَّةِ، وانسِحابُ الإسلامِ على أقطارٍ مُتبايِنةٍ وجَزائرَ في لُجَجٍ مُتقاذِفةٍ، وقد يَقعُ قيامُ قومٍ مِنْ الناسِ نُبذةً مِنْ الدُّنيا لا يَنتهي إليهم نَظرُ الإمامِ، وقد يَتولَّجُ خطَّةٌ مِنْ ديارِ الكُفرِ بينَ خطَّةِ الإسلامِ، ويَنقطعُ بسَببِ ذلكَ نَظرُ الإمامِ عن الذينَ وَراءَه مِنْ المُسلمينَ.

فإذا اتَّفقَ ما ذكَرْناهُ فقدْ صارَ صائِرونَ عندَ ذلكَ إلى تَجويزِ نَصبِ إمامٍ في القُطرِ الذي لا يَبلغُه أثرُ نَظرِ الإمامِ، ويُعزَى هذا المَذهبُ إلى شيخِنا أبي الحَسنِ والأستاذِ أبي إسحاقَ الإسفرايينيِّ رضي الله عنه وغيرِهما، وابتَغى هَؤلاءِ مَصلحةَ الخَلقِ وقالُوا: إذا كانَ الغَرضُ مِنْ الإمامةِ استِصلاحُ العامَّةِ وتَمهيدُ الأمورِ وسَدُّ الثغورِ، فإذا تَيسَّرَ نَصبُ إمامٍ واحدٍ نافذِ الأمرِ فهو أصلَحُ لا مَحالةَ في مُقتَضى السِّياسةِ والإيالةِ وإنْ عَسُرَ ذلك، ولا سَبيلَ إلى تَركِ الذينَ لا يَبلغُهم نَظرُ الإمامِ مُهمَلينَ لا يَجمعُهم وازعٌ ولا يَردَعُهم رادعٌ، فالوَجهُ أنْ يَنصِبوا في ناحِيتِهم وِزرًا يَلوذونَ به، إذ لو بَقَوا سُدًى لَتهافَتوا على وَرطاتِ الرَّدى، وهذا ظاهِرٌ لا يُمكنُ دَفعُه.

وأنا أقولُ فيه مُستعينًا باللهِ تعالَى: إنْ سبَقَ عقدُ الإمامةِ لصالحٍ لها وكنَّا نَراهُ عندَ العقدِ مُستقِلًّا بالنظرِ في جَميعِ الأقطارِ ثم ظهَرَ ما يَمنعُ مِنْ انبثاثِ نَظرِه أو طرَأَ فلا وجْهَ لتركِ الذينَ لا يَبلغُهم أمرُ الإمامِ مُهمَلينَ، ولكنَّهم يَنصِبونَ أميرًا يَرجعونَ إلى رأيِه ويَصدُرونَ عن أمرِه ويَلتزمونَ شَريعةَ المُصطفَى فيما يَأتونَ ويَذرونَ، ولا يكونُ ذلكَ المَنصوبُ إمامًا، ولو زالَتِ المَوانعُ واستَمكنَ الإمامُ مِنْ النظرِ لهم أذعَنَ الأميرُ والرَّعايا للإمامِ، وألقَوا إليه السَّلَمَ، والإمامُ يمهِّدُ عذْرَهم، ويَسوسُ أمْرَهم، فإنْ رأى تَقريرَ مَنْ نَصبوهُ فعَلَ، وإنْ رَأى تغييرَ الأمرِ فرأيُه المَتبوعُ وإليه الرجوعُ.

وإنْ لم يَتقدمْ نَصبُ إمامٍ كما تقدَّمَ تَصويرُه، ولكنْ خَلا الدهرُ عن إمامٍ في زَمنِ فَترةٍ، وانفصَلَ شَطرٌ مِنْ الخطَّةِ عن شَطرٍ، وعزَّ نَصبُ إمامٍ واحدٍ يَشملُ رأيُه البلادَ والعِبادَ، فنُصِبَ أميرٌ في أحدِ الشَّطرينِ للضَّرورةِ في هذهِ الصُّورةِ، ونُصبَ أميرٌ في القُطرِ الآخَرِ مَنصوبٌ، ولم يقَعِ العقدُ الواحدُ على حُكمِ العُمومِ، إذا كانَ يتأتَّى ذلك، فالحقُّ المتبَعُ في ذلكَ أنَّ واحدًا منهُما ليسَ إمامًا؛ إذ الإمامُ هو الواحِدُ الذي به ارتباطُ المُسلمينَ أجمَعينَ.

ولستُ أُنكِرُ تَجويزَ نَصبِهما على حَسبِ الحاجةِ، ونُفوذَ أمرِهما على مُوجَبِ الشرعِ، ولكنَّه زمانٌ خالٍ عن الإمامِ (١).

(١) «غياث الأمم» (٣٢٠، ٣٢٤).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب الجنايات
باب تحريم القتل

قال المصنف رحمه لله تعالى

باب تحريم القتل

ومن يجب عليه القصاص ومن لا يجب عليه القتل بغير حق حرام وهو من الكبائر العظام، والدليل عليه قوله عز وجل (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عليه وسلم قال " لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا " وروى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " لَوْ أَنَّ أهل السموات والارض اشتركوا في قتل مؤمن لعذبهم الله عز وجل الا أن لا يشاء ذلك " (الشرح) قوله تعالى (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جنهم خالدا فيها)

الاية.

في صحيح البخاري عن أبن جبير قال، اختلف فيها أهل الكوفة فرحلت إلى ابن عباس فسألته عنها فقال نزلت هذه الآية (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم) هي آخر ما نزل وما نسخها شئ، وكذا رواه مسلم والنسائي من طرق عن شبعة به ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل بسنده عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ في الاية فقال ما نسخها شئ وقال ابن جرير بإسناده عن يحيى الجابري عن سالم بن أبى الجعد قال " كنا عند ابن عباس بعد ما كف بصره فأتاه رجل فناداه يا عبد الله ما ترى في رجل قتل مؤمنا متعمدا؟ فقال جزاؤه جهنم خالدا فيها الخ آخر الاية، قال أفرأيت إن تاب وعمل صالحا ثم اهتدى؟ قال ابن عباس " ثكلته أمه، وأنى له التوبة والهدى؟ والذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: ثكلته أمه قاتل مؤمن متعمدا جاء يوم القيامة أخذه بيمينه أو بشماله.

تشخب أوداجه من قبل عرش الرحمن يلزم قاتله بشماله، وبيده الاخرى رأسه يقول يا رب سل هذا فيم قتلني؟ " وايم الذي نفس عبد الله بيده لقد أنزلت هذه الاية فما نسخها من آية حتى قبض نبيكم صلى الله عليه وسلم وما نزل بعدها من برهان.

وقد رواه

أحمد في مسنده.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 63 - 71
بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.7 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله