الإسلام > الجنايات والحدود > أركان السرقة > الركن الثاني: المسروق منه
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءةالرُّكنُ الثَّاني: المسرُوقُ منهُ:
اشتَرطَ الفُقهاءُ في المَسروقِ منهُ عدَّةَ شُروطٍ:
الشَّرطُ الأولُ: أنْ يَكونَ المسروقُ منهُ مَعصومَ المالِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يُشترطُ في المَسروقِ منه أنْ يَكونَ مَعصومَ المالِ كالمُسلمِ والذِّميِّ، فالمُسلمُ إذا سُرِقَ منه مالٌ أو الذِّميُّ إذا سُرقَ منهُ مالٌ وجَبَ على سارقِه القَطعُ إذا بلَغَ ما سرَقَ نِصابًا بشُروطِه كما تقدَّمَ في الرُّكنِ الأولِ مُفصَّلًا.
واتَّفقُوا على عَدمِ إقامةِ الحدِّ على مَنْ سرَقَ مالَ الكافرِ الحَربيِّ؛ لأنَّ مالَه هَدرٌ، سَواءٌ سرَقَه مُسلمٌ أو ذِميٌّ.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في المُسلمِ أو الذِّميِّ إذا سرَقَ مِنْ المُعاهدِ والمُستأمنِ، هل تُقطَعُ يَدُه أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ وأشهَبُ مِنْ المالِكيةِ إلى أنه لا يُقطَعُ به (١).
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وأمَّا مالُ الحَربيِّ المُستأمنِ في دارِ الإسلامِ فلا قطْعَ فيهِ استِحسانًا، والقياسُ أنْ يُقطَعَ.
وَجهُ القِياسِ أنه سرَقَ مالًا مَعصومًا؛ لأنَّ الحَربيَّ استَفادَ العِصمةَ بالأمانِ بمَنزلةِ الذِّميِّ، ولهذا كانَ مَضمونًا بالإتلافِ كَمالِ الذميِّ.
(١) «روضة الطالبين» (٦/ ٥٧٩)، و «الذخيرة» (٣/ ٤٤٧)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٣٨٥).
وَجهُ الاستِحسانِ أنَّ هذا مالٌ فيه شُبهةُ الإباحةِ؛ لأنَّ الحَربيَّ المُستأمنَ مِنْ أهلِ دارِ الحَربِ، وإنَّما دخَلَ دارَ الإسلامِ ليَقضيَ بعضَ حَوائجِه ثمَّ يَعودَ عن قَريبٍ، فكَونُه مِنْ أهلِ دارِ الحَربِ يُورثُ شُبهةَ الإباحةِ في مالِه، ولهذا أورَثَ شُبهةَ الإباحةِ في دَمِه حتَّى لا يُقتَلُ به المِؤمِنُ قِصاصًا، ولأنه كانَ مُباحًا، وإنَّما تَثبتُ العِصمةُ بعارِضِ أمانٍ هو على شَرفِ الزَّوالِ، فعندَ الزَّوالِ يَظهرُ أنَّ العِصمةَ لم تَكنْ على الأصلِ المَعهودِ؛ لأنَّ كلَّ عارضٍ على أصلٍ إذا زالَ يُلحقُ بالعدمِ مِنْ الأصلِ، كأنه لم يَكنْ، فيُجعَلُ كأنَّ العِصمةَ لم تَكنْ ثابتةً، بخِلافِ الذِّميِّ؛ لأنه مِنْ أهلِ دارِ الإسلامِ، وقد استَفادَ العِصمةَ بأمانٍ مُؤبَّدٍ، فكانَ مَعصومَ الدمِ والمالِ عِصمةً مُطلَقةً ليس فيها شُبهةُ الإباحةِ، وبخِلافِ ضَمانِ المالِ؛ لأنَّ الشُّبهةَ لا تَمنعُ وُجوبَ ضَمانِ المالِ؛ لأنه حَقُّ العبدِ، وحُقوقُ العِبادِ لا تَسقطُ بالشُّبهاتِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنه إنْ شُرطَ عليهِ في العَهدِ قُطعَ، وإلا فلا (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ إلى أنَّ المُسلمَ يُقطَعُ بسَرقةِ مالِ المُعاهدِ؛ لأنه سرَقَ مالًا مَعصومًا مِنْ حِرزِ مِثلِه، فوجَبَ قَطعُه كسارقِ مالِ الذِّميِّ (٣).
وقد تَقدمَتِ المَسألةُ في الرُّكنِ الأولِ.
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٧١)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٣٨٤).
(٢) «روضة الطالبين» (٦/ ٥٧٩).
(٣) «الإفصاح» (٢/ ٢٨٥)، و «تهذيب المدونة» (٢/ ٢٤٦)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٣٩١)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٥٧٩)، و «المغني» (٩/ ١١٢)، و «كشاف القناع» (٦/ ١٨١)، و «مطالب أولي النهى» (٦/ ٢٤٤، ٢٤٥).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
فصل في بيان صفات الحدود
لَا يَجُوزُ - وَالْمَسْأَلَةُ مَرَّتْ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ - وَلَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيهِ بِالِاسْتِيفَاءِ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ رحمة الله عليه وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّ حَضْرَةَ الْمَقْذُوفِ بِنَفْسِهِ شَرْطُ جَوَازِ الِاسْتِيفَاءِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَتَقُومُ حَضْرَةُ الْوَكِيلِ مَقَامَ حَضْرَتِهِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدَّ عِنْدَهُ حَدُّ الْمَقْذُوفِ عَلَى الْخُلُوصِ، فَتَجْرِي فِيهِ النِّيَابَةُ فِي الْإِثْبَاتِ وَالِاسْتِيفَاءِ جَمِيعًا.
(وَلَنَا) أَنَّ الِاسْتِيفَاءَ عِنْدَ غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ بِنَفْسِهِ اسْتِيفَاءٌ مَعَ الشُّبْهَةِ؛ لِجَوَازِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا لَصَدَّقَ الْقَاذِفَ فِي قَذْفِهِ، وَالْحُدُودُ لَا تُسْتَوْفَى مَعَ الشُّبُهَاتِ وَلَوْ كَانَ الْمَقْذُوفُ حَيًّا وَقْتَ الْقَذْفِ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ الْخُصُومَةِ أَوْ بَعْدَهَا - سَقَطَ الْحَدُّ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ لَا يُورَثُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ يُورَثُ - وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ فِي مَوْضِعِهَا - هَذَا إذَا كَانَ حَيًّا وَقْتَ الْقَذْفِ.
ارجع إلى أركان السرقة للاطلاع على جميع المسائل.