الإسلام > الجنايات والحدود > أركان السرقة > الشرط الثالث: أن يبلغ المال المسروق نصابا
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةالشَّرطُ الثالِثُ: أنْ يَبلغَ المالُ المسرُوقُ نِصابًا:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه يُشتَرطُ في المالِ المَسروقِ حتَّى تُقطَعَ فيه الأيدِي أنْ يَبلغَ نِصابًا، وأما الشَّيءُ التافِهُ فلا قطْعَ فيه عندَهم.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا في مِقدارِ النِّصابِ الذي تُقطَعُ فيه الأيدِي، هل هوَ رُبعُ دِينارٍ أو ما يُعادلُه وهو ثَلاثةُ دَراهمَ؟ أم عَشرةُ دَراهمَ؟
فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ أقلَّ النِّصابِ في السَّرقةِ رُبعُ دِينارً فصاعِدًا مِنْ الذَّهبِ خالِصًا أو ثَلاثةُ دَراهمَ مِنْ الوَرِقِ؛ لحَديثِ عائِشةَ رضي الله عنها عن رَسولِ اللهِ ﷺ قالَ: «لا تُقطَعُ يَدُ السَّارقِ إلا في رُبعِ دِينارٍ فصاعِدًا» (١).
وعَنها مَرفوعًا: «اقطَعُوا في رُبعِ دِينارٍ، ولا تَقطَعُوا فيما هو أدنَى مِنْ ذلكَ» وكانَ رُبعُ الدِّينارِ يَومئذٍ ثَلاثةَ دَراهمَ، والدِّينارُ اثنَا عَشرَ دِرهمًا» (٢).
وإنْ سَرقَ مِنْ غيرِ الذَّهبِ والفِضةِ كالعُروضِ وغيرِها قُوِّمَ بما يُساويهِما؛ لحَديثِ ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما «أنَّ النبيَّ ﷺ قطَعَ يَدَ سارقٍ سرَقَ تُرسًا مِنْ صُفَّةِ النِّساءِ ثَمنُه ثَلاثةُ دَراهمَ» (٣).
(١) رواه مسلم (١٦٨٤).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الإمام أحمد (٢٤٥٥٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٦٩٤١).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤٣٨٦)، والنسائي (٤٩٠٩).
وعنِ ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قالَ: «قطَعَ النبيُّ ﷺ في مِجَنٍّ ثَمنُه ثَلاثةُ دَراهِمَ» (١)، وذلكَ يُفيدُ الاعتبارَ بالدَّراهمِ إذا بلَغَتْ هذا القَدرَ، ولأنه أصلُ مالٍ يُعتبَرُ في الأثمانِ وقيمةِ المُتلَفاتِ، فوجَبَ أنْ تكونَ سَرقتُه مُعتبَرةً بمِقدارٍ في نَفسِه لا يُعتبَرُ بغيرِه، أصلُه الذَّهبُ.
ويَكونُ التَّقويمُ وقتَ إخراجِه مِنْ حِرزِه؛ لأنه وَقتُ الوُجوبِ؛ لوُجودِ السَّببِ فيهِ (٢).
وذهَبَ الحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الأصلَ أنَّ العُروضَ لا تُقوَّمُ إلا بالدَّراهمِ؛ لأنَّ التَّقويمَ حصَلَ بها لا بالذَّهبِ، فما يُساوي منهُ ثَلاثةَ دَراهمَ قُطعَ به وإنْ لم يَبلغْ رُبعَ الدينارِ، وما لا يُساوي ثَلاثةَ دَراهمَ لم يُقطعْ به وإنْ بلَغَ رُبعَ دينارٍ.
وعنِ الإمامِ أحمَدَ أنه إنْ سَرقَ مِنْ غيرِ الذَّهبِ والفِضةِ ما قيمتُه رُبعُ دينارٍ أو ثَلاثةُ دَراهمَ قُطعَ، فعلى هذا يُقوَّمُ غيرُ الأثمانِ بأدنَى الأمرَينِ مِنْ رُبعِ دينارٍ أو ثَلاثةِ دَراهمَ (٣).
(١) رواه البخاري (٦٧٩٥)، ومسلم (١٦٨٦).
(٢) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٤٥٢، ٤٥٤) رقم (١٧٥٩)، و «القوانين الفقهية» ص (٢٣٦)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٣٤٥، ٣٤٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣٣٥، ٣٣٦)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٣٦٣)، و «المغني» (٩/ ٩٤)، و «الكافي» (٤/ ١٧٥)، و «شرح الزركشي» (٣/ ١٢٢)، و «المبدع» (٩/ ١٢٠)، و «كشاف القناع» (٦/ ١٦٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٢٣٦، ٢٣٧)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٣٦، ٣٣٧).
(٣) «المغني» (٩/ ٩٤)، و «الكافي» (٤/ ١٧٥)، و «شرح الزركشي» (٣/ ١٢٢)، و «المبدع» (٩/ ١٢٠).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ أقَلَّ نِصابِ السَّرقةِ الذي لا يُقطَعُ فيما دونَه هو رُبعُ دينارٍ مِنْ الذَّهبِ خالِصًا؛ لحَديثِ عائِشةَ رضي الله عنها عن رَسولِ اللهِ ﷺ قالَ: «لا تُقطَعُ يَدُ السَّارقِ إلا في رُبعِ دِينارٍ فصاعِدًا» (١).
وإنْ سَرقَ مِنْ غيرِ الذَّهبِ قُوِّمَ على الذَّهبِ؛ لأنه الأصلُ، حتَّى لو سَرقَ دَراهمَ أو غيرَها قُوِّمتْ بالذَّهبِ، وإنْ لم يُعرَفْ قيمتُه بالدَّنانيرِ قُوِّمَ بالدراهمِ ثم قُوِّمتْ هي بالدَّنانيرِ، فإنْ لم يَكنْ بمَحلِّ السرقةِ دَنانيرُ انتقلَ لأقربِ مَحلٍّ إليها فيه ذلكَ (٢).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ نِصابَ السَّرقةِ عَشرةُ دَراهمَ أو ما قيمتُه عَشرةُ دَراهمَ دفعةً واحِدةً، سَواءٌ كانَتِ العَشرةُ لمالِكٍ واحدٍ أو لجَماعةٍ إذا كانَتْ في حِرزٍ واحِدٍ لا شُبهةَ فيه وجَبَ القَطعُ؛ لِمَا روَى عَبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رضي الله عنه عنِ النبيِّ ﷺ قالَ: «لا قطْعَ إلا في عَشرةِ دَراهمَ» (٣).
وعنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: «قطَعَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَدَ رَجلٍ في مِجَنٍّ قيمتُه دِينارٌ أو عَشرةُ دَراهمَ» (٤).
(١) رواه مسلم (١٦٨٤).
(٢) «البيان» (١٢/ ٤٣٦، ٤٣٧)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٥٤١، ٥٤٢)، و «النجم الوهاج» (٩/ ١٥٠، ١٥١)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤٥٩)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ٥٠٨).
(٣) رواه الطبراني في «الأوسط» (٧١٤٢)، وقال الهَيثمي في «مجمع الزَّوائد» (٦/ ٤٢٢): رواهُ الطبراني في «الأوسط» وإسنادُه ضَعيفٌ.
(٤) شاذ: رواه أبو داود (٤٣٨٩).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
باب القطع في السرقة
باب القَطْع في السَّرِقَة
والأصلُ فيه الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجماعُ؛ أما الكتابُ، فقولُ اللَّه تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} . وأمَّا السُّنَّةُ، فروَتْ عائشةُ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "تُقْطَعُ الْيَدُ في رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا" . وقال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، بِأَنَّهُمْ كَانُوا إذا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ" . مُتَّفَقٌ عليهما . في أخبارٍ سِوَى هذَيْن، نذْكرُها إن شاء اللَّه تعالى في مَواضِعها، وأجْمَعَ المسلمون على وُجوبِ قَطْعِ السارقِ في الجملةِ.
١٥٧٩ - مسألة؛ قال أبو القاسم، رحمه اللهُ: (وَإذَا سَرَقَ رُبْعَ دِينارٍ مِنَ الْعَيْنِ،
أَوْ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ من الْوَرِقِ، أو قِيمَةَ ثلاثةِ دَرَاهِمَ، طَعَامًا كَانَ أو غَيْرَهُ، وأخْرَجَهُ مِنَ الْحِرْزِ، قُطِعَ)
ارجع إلى أركان السرقة للاطلاع على جميع المسائل.