الإسلام > الجنايات والحدود > أركان السرقة > الشرط الثاني: أن يكون للمسروق منه يد صحيحة على المسروق
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةالشَّرطُ الثاني: أنْ يكونَ للمَسروقِ منهُ يَدٌ صَحيحةٌ على المسروقِ:
اشتَرطَ الفُقهاءُ أنْ يكونَ للمَسروقِ منه يَدٌ على المالِ، بأنْ يَكونَ مالِكًا له أو نائِبَ المالِكِ كوَليِّه ووَكيلِه؛ لأنَّ يَدَه كيَدِه.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا فيما لو كانَتْ يَدُ المَسروقِ منهُ غيرَ صَحيحةٍ على المالِ المَسروقِ، كما لو سرَقَ مِنْ سارقٍ أو سَرقَ مِنْ غاصبٍ، هل تُقطَعُ يَدُه أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى التفريقِ بينَ السَّارقِ مِنْ السارقِ والسارقِ مِنْ الغاصِبِ.
فقالُوا في السارقِ مِنْ السَّارقِ: إنْ سرَقَ مِنْ السارقِ سارقٌ آخَرُ بعدَما قُطعَتْ يَمينُه أو قبلُ فإنَّه لا يُقطَعُ؛ لأنَّ يَدَه ليسَتْ بيَدٍ صَحيحةٍ؛ لأنها ليسَتْ بيَدِ مالكٍ ولا أمِينٍ ولا ضَمينٍ، وإنما هي يَدٌ ضائعةٌ لا حافِظةٌ، فصارَ الأخذُ منهُ كالأخذِ مِنْ الطَّريقِ، ولا يُقطَعُ بخُصومةِ المالكِ أيضًا؛ لأنَّ السارقَ لم يَكنْ له يَدٌ صَحيحةٌ على المالِ.
ولو دُرئَ القَطعُ عن السارِقِ ثمَّ سرَقَ منهُ سارِقٌ قُطعَ؛ لأنَّ القَطعَ إذا دُرئَ عنه تَعلَّقَ بأخذِه الضَّمانُ، ويَدُ الضامنِ يَدٌ صَحيحةٌ، فإزالتُها تُوجِبُ القَطعَ، ويَصيرُ السارقُ الأولُ كالغاصِبِ.
وقيلَ: إنْ سرَقَ قبلَ قَطعِ السارقِ الأولِ أو بعدَما دُرئَ بشُبهةٍ فإنَّ له ولرَبِّ المالِ القَطعُ؛ لأنَّ سُقوطَ التقوُّمِ ضَرورةُ القَطعِ ولم تُوجَدْ، وأمَّا بعدَ القَطعِ فلا يُقطَعُ قَطعًا.
وأما إنْ سرَقَ مِنْ الغاصِبِ فإنه تُقطَعُ يَدُه؛ لأنَّ يَدَه يَدُ ضَمانٍ، فهي يَدٌ صَحيحةٌ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنه إنْ سرَقَ مِنْ سارقٍ أو مِنْ أمِينٍ ونحوِ ذلكَ فيُقطَعُ؛ لأنه سرَقَ نِصابًا لا شُبهةَ له فيه مِنْ حِرزِ مِثلِه، فوجَبَ عليه القَطعُ كالسارقِ الأولِ، قال المالِكيةُ: ولا يُقبَلُ قولُ السارقِ الثاني أنه سرَقَه لِيَردَّه لرَبِّه (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ إلى أنَّ السارقَ إذا سرَقَ نِصابًا مِنْ حِرزِ مثلِه فأحرَزَه في حِرزٍ لهُ فسرَقَه سارقٌ آخَرُ مِنْ حِرزِ هذا السَّارقِ .. فإنَّ السارقَ الأولَ قد وجَبَ عليهِ القَطعُ بسَرقتِه، وأما السارقُ الثَّاني .. فليسَ للسَّارقِ الأولِ مُطالَبتُه برَدِّ النِّصابِ إليهِ ولا بالقَطعِ؛ لأنه لا حَقَّ له فيهِ، ولمالِكِ النِّصابِ أنْ يُطالِبَ السارقَ الثاني برَدِّه، ولا يَجبُ عليه القَطعُ؛ لأنه لمْ يَسرقْه مِنْ مالِكِه ولا نائبِه، ولأنَّ مالكَ النِّصابِ لم يَرْضَ بهذا الحِرزِ حِرزًا لمالِه.
(١) «المبسوط» (٩/ ١٤٥)، و «العناية» (٧/ ٣٨٤)، و «شرح فتح القدير» (٥/ ٤٠٤)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٢٢٩)، و «البحر الرائق» (٥/ ٦٩)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤١١)، و «الدر المختار» (٤/ ١٠٨).
(٢) «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٦/ ٣٣٩)، و «الحاوي الكبير» (١٣/ ٣١٢)، و «البيان» (١٢/ ٤٧٧، ٤٧٨).
وإنْ غصَبَ رَجلٌ مِنْ رَجلٍ نِصابًا وأحرَزَه في حِرزِ مِثلِه فسرَقَه سارقٌ مِنْ ذلكَ الحِرزِ .. فإنَّ الغاصِبَ لا قطْعَ عليهِ، ولا يَجبُ القَطعُ على السارقِ مِنْ الغاصِبِ؛ لأنه لم يَسرقْه مِنْ مالِكِه ولا نائبِه (١).
وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واختَلفُوا فيما إذا سرَقَ العَينَ المَسروقةَ مِنْ السارقِ أو سرَقَ العَينَ المَغصوبةَ مِنْ الغاصِبِ:
فقالَ أبو حَنيفةَ: يُقطَعُ سارقُ العَينِ المَغصوبةِ، ولا يُقطَعُ سارقُ العَينِ المَسروقةِ إنْ كانَ السارقُ الأولُ قد قُطعَ فيها، فإنْ كانَ لم يُقطَعْ قُطعَ الثاني.
وقالَ مالكٌ: يُقطَعُ كلُّ واحدٍ منهُما.
وقالَ الشافِعيُّ وأحمَدُ: لا يَجبُ القَطعُ على واحدٍ منهُما، أعني: السارِقَ مِنْ السارقِ والغاصِبَ مِنْ الغاصِبِ (٢).
(١) «الحاوي الكبير» (١٣/ ٣١٢)، و «البيان» (١٢/ ٤٧٧، ٤٧٨)، و «كشاف القناع» (٦/ ١٦٥)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٢٣٣)، و «مطالب أولي النهى» (٦/ ٢٢٩).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ٢٨٠).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
فصل في الشرائط التي ترجع إلى نفس القذف
فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِقَامَةِ فِيهِمَا، فَالْقَذْفُ فِيهِمَا لَا يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِلْحَدِّ حِينَ وُجُودِهِ فَلَا يُحْتَمَلُ الِاسْتِيفَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ لِلْوَاجِبِ، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي الشَّرَائِط الَّتِي تَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْقَذْفِ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْقَذْفِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا عَنْ الشَّرْطِ وَالْإِضَافَةِ إلَى وَقْتٍ، فَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ أَوْ مُضَافًا إلَى وَقْتٍ - لَا يُوجِبُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الشَّرْطِ أَوْ الْوَقْتِ يَمْنَعُ وُقُوعَهُ قَذْفًا لِلْحَالِ، وَعِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ أَوْ الْوَقْتِ يُجْعَلُ كَأَنَّهُ نَجَّزَ الْقَذْفَ - كَمَا فِي سَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ وَالْإِضَافَاتِ - فَكَانَ قَاذِفًا تَقْدِيرًا مَعَ انْعِدَامِ الْقَذْفِ حَقِيقَةً؛ فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا قَالَ رَجُلٌ: مَنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا قُلْتُ - أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى الْمُبْتَدِئِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْقَذْفَ بِشَرْطِ الْقَوْلِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لِرَجُلٍ: إنْ دَخَلْتَ هَذِهِ الدَّارَ فَأَنْتَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ فَدَخَلَ - لَا حَدَّ عَلَى الْقَائِلِ؛ لِمَا قُلْنَا، وَكَذَا مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَنْتَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ غَدًا أَوْ رَأْسَ شَهْرِ كَذَا، فَجَاءَ الْغَدُ وَالشَّهْرُ - لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ إضَافَةَ الْقَذْفِ إلَى وَقْتٍ يَمْنَعُ تَحَقُّقَ الْقَذْفِ فِي الْحَالِ وَفِي الْمَآلِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا تَظْهَرُ بِهِ الْحُدُودُ عِنْدَ الْقَاضِي
ارجع إلى أركان السرقة للاطلاع على جميع المسائل.