الإسلام > الجنايات والحدود > أركان السرقة > الشرط الثاني: أن يكون متقوما شرعا
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةوكذلِكَ الفَهدُ والكَلبُ؛ فإنَّ الفَهدَ مِنْ جِنسِ الصُّيودِ والكَلبَ صيَّادٌ، فلمَّا لم يَجبِ القَطعُ بسَرقةِ الصَّيدِ فكذلكَ بسَرقةِ الصيَّادِ.
وبيْنَ العُلماءِ رحمهم الله اختلافٌ ظاهرٌ في ماليَّةِ الكَلبِ وجَوازِ بَيعِه، وظاهِرُ نَهيِ رَسولِ اللهِ ﷺ عن ثَمنِ الكَلبِ يُورثُ الشُّبهةَ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ وأبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنه يُقطعُ في سَرقةِ الطيرِ؛ لعُمومِ الظَّواهِرِ مِنْ الكِتابِ والسُّنةِ أنه جِنسُ مالٍ مُتموَّلٌ، فوجَبَ القَطعُ بسَرقتِه كسائرِ الأجناسِ (٢).
إلا أنَّ المالِكيةَ قالوا: لا قطْعَ على مَنْ سرَقَ طَيرًا يُساوي ثلاثةَ دَراهِمَ لأجْلِ إجابتِه مثلَ البَلابلِ والعَصافيرِ؛ لأنها مَنفعةٌ غيرُ شَرعيةٍ، نعمْ إنْ كانَ لَحمُه يُساوي بعدَ ذَبحِه نِصابًا فإنه يُقطعُ لذلكَ، وكذا الحَمَامُ الذي عُرفَ بالسَّبقِ (٣).
الشَّرطُ الثاني: أنْ يَكونَ مُتقوِّمًا شَرعًا:
اشتَرطَ الفُقهاءُ في المالِ المَسروقِ أنْ يكونَ مالًا مُتقومًا شَرعًا، فمَن سرَقَ ما لا قِيمةَ له شَرعًا كالخَمرِ والخِنزيرِ والمَيتةِ وآلةِ اللَّهوِ والصَّليبِ
(١) «المبسوط» (٩/ ١٥٤، ١٥٥)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٦٨)، و «الهداية» (٢/ ١٢٠)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٣٨٧).
(٢) «الذخيرة» (١٢/ ١٥٥)، و «الحاوي الكبير» (١٣/ ٢٧٦) «المبسوط» (٩/ ١٥٤، ١٥٥)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٦٨)، و «الهداية» (٢/ ١٢٠)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٣٨٧).
(٣) «شرح مختصر خليل» (٨/ ٩٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣٣٦، ٣٣٨)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٣٦٦).
والصَّنمِ والكُتبِ المُحرَّمةِ فلا قطْعَ عليهِ باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ، سَواءٌ كانَتِ الخَمرُ لمُسلمٍ أو لذِميٍّ؛ لأنها ليسَتْ بمالٍ لنا، وهيَ وإنْ كانَتْ عندَهم مالًا فليسَتْ مالًا لنا، وما كانَ مالًا مِنْ وَجهٍ وغيرَ مالٍ مِنْ وَجهٍ فإنَّ أقلَّ أحوالِه أنْ يكونَ ذلكَ شُبهةً في دَرءِ الحَدِّ عن سارقِه، كمَن وَطئَ جاريةً بينَه وبينَ غيرِه، وأيضًا فإنَّ المُسلمَ مُعاقَبٌ على اقتِناءِ الخَمرِ وشُربِها مَأمورٌ بتَخليلِها أو صَبِّها، فمَن أخَذَها فإنَّما أزالَ يَدَه عمَّا كانَ عليهِ إزالتُه عنهُ، فلا يُقطَعُ.
إلا أنه يَغرمُ ثمَنَه للذِّميِّ عندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ.
ولا يَغرمُ ثمَنَه للذِّميِّ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ؛ لأنه لا يَكونُ الغُرمُ والقَطعُ إلا فيما يَحِلُّ ثَمنَه (١).
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: (ولا يُقطَعُ في مُحرَّمٍ ولا آلةِ لَهوٍ).
يعني: لا يُقطَعُ في سَرقةِ مُحرَّمٍ كالخَمرِ والخِنزيرِ والمَيتةِ ونَحوِها، سَواءٌ سَرقَه مِنْ مُسلمٍ أو ذِميٍّ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرَّأيِ، وحُكيَ عن عَطاءٍ أنَّ سارقَ خَمرِ الذِّميِّ يُقطعُ وإنْ كانَ مُسلمًا؛ لأنه مالٌ لهُم أشبَهَ ما لو سرَقَ دَراهِمَهم.
(١) «أحكام القرآن» (٤/ ٧٧، ٧٨)، و «المبسوط» (٩/ ١٨٩)، و «المدونة الكبرى» (١٦/ ٢٧٨)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ٩٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣٤٠)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٦٣٨)، و «الأم» (٦/ ١٤٧)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٥٤٧)، و «المغني» (٩/ ١١٤، ١١٥)، و «شرح الزركشي» (٣/ ١٣١).
ولنا: إنها عَينٌ مُحرَّمةٌ، فلا يُقطَعُ بسَرقتِها كالخِنزيرِ، ولأنَّ ما لا يُقطعُ بسَرقتِه مِنْ مالِ المُسلمِ لا يُقطعُ بسَرقتِه مِنْ الذِّميِّ كالميتةِ والدمِ، وما ذكَرُوه يَنتقضُ بالخِنزيرِ ولا اعتِبارَ به؛ فإنَّ الاعتبارَ بحُكمِ الإسلامِ، وهو يَجرِي عليهم دونَ أحكامِهم، وهكذا الخِلافُ معهُ في الصَّليبِ إذا بلَغَتْ قِيمتُه مع تأليفِه نِصابًا، وأمَّا آلةُ اللَّهوِ كالطُّنبورِ والمِزمارِ والشبَّابةِ فلا قطْعَ فيهِ وإنْ بلَغَتْ قيمتُه مُفصَّلًا نِصابًا، وبهذا قالَ أبو حَنيفةَ، وقالَ أصحابُ الشافِعيِّ: إنْ كانَتْ قِيمتُه بعدَ زوالِ تأليفِه نِصابًا ففيهِ القَطعُ، وإلا فلا؛ لأنه سَرقَ ما قِيمتُه نِصابٌ لا شُبهةَ له فيه مِنْ حِرزِ مِثلِه وهو مِنْ أهلِ القَطعِ، فوجَبَ قَطعُه كما لو كانَ ذَهبًا مَكسورًا.
ولنا: إنه آلةٌ للمَعصيةِ بالإجماعِ، فلمْ يُقطعْ بسَرقتِه كالخَمرِ، ولأنَّ له حقًّا في أخذِها لكَسرِها، فكانَ ذلكَ شُبهةً مانِعةً مِنْ القطعِ كاستِحقاقِه مالَ ولَدِه، فإنْ كانَتْ عليهِ حِليةٌ تَبلغُ نِصابًا فلا قطْعَ فيه أيضًا في قِياسِ قَولِ أبي بَكرٍ؛ لأنه مُتصِلٌ بما لا قطْعَ فيهِ فأشبَهَ الخشَبَ والأوتارَ، وقالَ القاضي: فيه القَطعُ، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنه سَرقَ نِصابًا مِنْ حِرزِه، فأشبَهَ المُنفرِدَ.
فصلٌ: وإنْ سَرقَ صَليبًا مِنْ ذَهبٍ أو فِضةٍ يَبلغُ نِصابًا مُتصِلًا فقالَ القاضي: لا قطْعَ فيهِ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ، وقالَ أبو الخطَّابِ: يُقطعُ سارقُه، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ، ووَجهُ المَذهبَينِ ما تقدَّمَ، والفَرقُ بينَ هذهِ المَسألةِ وبينَ التي قبلَها أنَّ التي قبلَها له كَسرُه بحَيثُ لا تَبقى له قِيمةٌ تَبلغُ نِصابًا، وهاهُنا لو كسَرَ الذَّهبَ والفِضةَ بكُلِّ وَجهٍ لم تَنقصْ قِيمتُه عن النِّصابِ، ولأنَّ الذَّهبَ والفِضةَ جَوهَرُهما غالبٌ على الصَّنعةِ المُحرَّمةِ، فكانَتِ
الصناعةُ فيهِما مَغمورةً بالنِّسبةِ إلى قيمةِ جَوهرِهما، وغَيرُهما بخِلافِهما، فتَكونُ الصِّناعةُ غالبةً عليهِ، فيكونُ بائعًا للصِّناعةِ المُحرَّمةِ، فأشبَهَ الإناءَ.
ولو سَرقَ إناءً مِنْ ذَهبٍ أو فِضةٍ قيمتُه نِصابٌ إذا كانَ مُتكسِّرًا فعَليهِ القَطعُ؛ لأنه غَيرُ مُجمَعٍ على تَحريمِه، وقِميتُه بدُونِ الصناعةِ المُختلَفِ فيها نِصابٌ، وإنْ سَرقَ إناءً مُعَدًّا لحَملِ الخَمرِ ووَضعِه فيهِ ففيهِ القَطعُ؛ لأنَّ الإناءَ لا تَحريمَ فيهِ، وإنما يَحرمُ عليهِ بنيَّتِه وقَصدِه، فأشبَهَ ما لو سَرقَ سِكينًا مُعدَّةً لذَبحِ الخَنازيرِ أو سَيفًا يُعِدُّه لقَطعِ الطَّريقِ، وإنْ سَرقَ إناءً فيه خَمرٌ يَبلغُ نِصابًا فقالَ أبو الخطَّابِ: يُقطَعُ، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنه سَرقَ نِصابًا مِنْ حِرزِ مِثلِه لا شُبهةَ له فيهِ، وقالَ غيرُه مِنْ أصحابِنا: لا يُقطَعُ؛ لأنه تبَعٌ لِما لا قطْعَ فيهِ، فأشبَهَ ما لو سَرقَ مُشتَرَكًا بينَه وبينَ غيرِه، قالَ أبو إسحاقَ بنُ شاقِلَا: ولو سَرقَ إداوةً أو إناءً فيه ماءٌ فلا قطْعَ فيه كذلكَ.
ولو سَرقَ مِنديلًا في طَرفِه دينارٌ مَشدودٌ فعَلِمَ بهِ فعَليهِ القَطعُ، وإنْ لم يَعلمْ به فلا قطْعَ فيه؛ لأنهُ لم يَقصدْ سَرقتَه، فأشبَهَ ما لو تَعلَّقَ بثَوبِه، وقالَ الشافِعيُّ: يُقطعُ؛ لأنه سرَقَ نِصابًا، فأشبَهَ ما لو سَرقَ ما لم يَعلمْ أنَّ قِيمتَه نِصابٌ، والفَرقُ بينَهُما أنه عَلِمَ بالمَسروقِ هاهُنا وقصَدَ سَرقتَه، بخِلافِ الدِّينارِ؛ فإنه لم يُرِدْه ولم يَقصِدْ أخْذَه، فلا يُؤاخَذُ به بإيجابِ الحَدِّ عليهِ (١).
(١) «المغني» (٩/ ١١٤، ١١٥)، و «شرح الزركشي» (٣/ ١٣١).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
وجوب الدية
التَّحْرِيرُ فِيهِ تَوْبَةً.
(وَجْهُ) الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ مُغَلَّظَةٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِيهَا ثَابِتَةٌ، بِخِلَافِ الْخَطَأِ فَلَا يَصْلُحُ التَّحْرِيرُ تَوْبَةً بِهَا كَمَا فِي الْعَمْدِ؟ وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْقَتْلُ الْخَطَأُ فَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فَنُفَصِّلُ الْكَلَامَ فِيهِ فَنَقُولُ: الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ إمَّا أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا حُرَّيْنِ، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا، وَالْمَقْتُولُ عَبْدًا، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ عَبْدًا، وَالْمَقْتُولُ حُرًّا، وَإِمَّا أَنْ كَانَا جَمِيعًا عَبْدَيْنِ، فَإِنْ كَانَا حُرَّيْنِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ مِنْهَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ وُجُودِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَهِيَ نَوْعَانِ: بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ، وَبَعْضُهَا إلَى الْمَقْتُولِ، أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ فَالْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْكَافِرِ، وَالْمَجْنُونِ، وَالصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِشَرَائِعَ هِيَ عِبَادَاتٌ، وَالْكَفَّارَةُ عِبَادَةٌ، وَالصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ لَا يُخَاطَبَانِ بِالشَّرَائِعِ أَصْلًا.
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَقْتُولِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَعْصُومًا فَلَا تَجِبُ بِقَتْلِ الْحَرْبِيِّ، وَالْبَاغِي لِعَدَمِ الْعِصْمَةِ.
ارجع إلى أركان السرقة للاطلاع على جميع المسائل.