بيان الحرز عند المذاهب الأربعة

الإسلام > الجنايات والحدود > أركان السرقة > بيان الحرز عند المذاهب الأربعة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 41 دقيقة قراءة

بيان الحرز عند المذاهب الأربعة - الأقوال والأدلة

تَنصيصٍ على بَيانِه عُلِمَ أنه رَدَّ ذلكَ إلى أهلِ العُرفِ؛ لأنه لا طَريقَ إلى مَعرفتِه إلا مِنْ جِهتِه، فيُرجَعُ إليه كمَا رجَعْنا إلى مَعرفةِ القَبضِ والفُرقةِ في البَيعِ وأشباهِ هذا.

ووجَدْنا في العُرفِ والعادةِ أنَّ الأحرازَ تَختلفُ باختِلافِ الأموالِ، فكانَ الاعتبارُ في الحُكمِ بالقطعِ بذلكَ (١).

بَيانُ الحِرزِ عندَ المذاهبِ الأربَعةِ:

قالَ الحَنفيةُ: الحِرزُ نَوعانِ: حِرزٌ بنَفسِه وحِرزٌ بغَيرِه:

أما الحِرزُ بنَفسِه: فهو كلُّ بُقعةٍ مُعدَّةٍ للإحرازِ مَمنوعةِ الدُّخولِ فيها إلا بالإذنِ كالدُّورِ والحَوانيتِ والخِيَمِ والفَساطيطِ والخَزائنِ والصَّناديقِ.

وأما الحِرزُ بغيرِه: فكُلُّ مكانٍ غيرِ مُعَدٍّ للإحرازِ يدخلُ إليهِ بلا إذنٍ ولا يُمنَعُ منه، كالمَساجدِ والطُّرقِ، وحُكمُه حُكمُ الصَّحراءِ إنْ لم يَكنْ هناكَ حافظٌ، وإنْ كانَ هُناكَ حافظٌ فهو حِرزٌ، لهذا سُميَ حِرزًا بغيرِه حيثُ وقَفَ صَيرورتُه حِرزًا على وُجودِ غيرِه وهوَ الحافظُ.

وما كانَ حِرزًا بنفسِه لا يُشترطُ فيه وُجودُ الحافظِ لصَيرورتِه حِرزًا، ولو وُجدَ فلا عِبرةَ بوُجودِه، بل وُجودُه والعَدمُ سَواءٌ، وكلُّ واحِدٍ مِنْ الحِرزَينِ مُعتبَرٌ بنَفسِه على حِيالِه بدونِ صاحبِه؛ لأنه عليه الصلاة والسلام علَّقَ القَطعَ بإيواءِ المُراحِ والجَرينِ مِنْ غيرِ شَرطِ وُجودِ الحافظِ.

(١) «أحكام القرآن» (٤/ ٦٤، ٦٥)، و «القوانين الفقهية» ص (٢٣٦)، و «البيان» (١٢/ ٤٤٤)، و «أسنى المطالب» (٤/ ١٤١)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤٦٨)، و «المغني» (٩/ ٩٨).

ورُويَ عن صَفوانَ بنِ أُميَّةَ: «أنهُ سُرقَتْ خَميصتُه مِنْ تَحتِ رَأسِه وهو نائِمٌ في مَسجدِ النبيِّ ، فأخَذَ اللِّصَّ فَجاءَ به إلى النبيِّ فأمَرَ بقَطعِه، فقالَ صَفوانُ: أتَقطَعُه؟! قالَ: فهَلَّا قبلَ أنْ تأتيَني به تَركتَه؟!» (١)، ولم يَعتبِرِ الحِرزَ بنفسِه، فدَلَّ أنَّ كُلَّ واحدٍ مِنْ نَوعيِ الحرزِ مُعتبَرٌ بنَفسِه.

فإذا سَرقَ مِنْ النَّوعِ الأولِ يُقطعُ، سَواءٌ كانَ ثمَّةَ حافظٌ أو لا؛ لوُجودِ الأخذِ مِنْ الحرزِ، وسَواءٌ كانَ مُغلقَ البابِ أو لا بابَ له بعدَ أنْ كانَ مَحجوزًا بالبناءِ؛ لأنَّ البناءَ يُقصدُ به الإحرازُ كيفَ ما كانَ.

وإذا سَرقَ مِنْ النَّوعِ الثاني يُقطعُ إذا كانَ الحافِظُ قَريبًا منه في مكانٍ يُمكِنُه حِفظُه ويُحفَظُ في مِثلِه المَسروقُ عادةً، وسَواءٌ كانَ الحافظُ مُستيقظًا في ذلكَ المكانِ أو نائمًا؛ لأنَّ الإنسانَ يَقصدُ الحِفظَ في الحالَينِ جَميعًا، ولا يُمكِنُ الأخذُ إلا بفِعلِه، ألَا تَرى أنه قطَعَ سارقَ صِفوانَ وصَفوانُ كانَ نائمًا.

ولو أذِنَ لإنسانٍ بالدُّخولِ في دارِه فسرَقَ المَأذونُ له بالدُّخولِ شَيئًا منها لم يُقطعْ وإنْ كانَ فيها حافِظٌ أو كانَ صاحِبُ المَنزلِ نائمًا عليه؛ لأنَّ الدارَ حِرزٌ بنفسِها لا بالحافظِ، وقد خرَجَتْ مِنْ أنْ تكونَ حِرزًا بالإذنِ، فلا يُعتبَرُ وُجودُ الحافظِ، ولأنه لمَّا أذِنَ له بالدُّخولِ فقدْ صارَ في حُكمِ أهلِ الدارِ، فإذا أخَذَ شَيئًا فهو خائنٌ، وقد رُويَ عن رَسولِ اللهِ أنه قالَ: «لا

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الإمام أحمد في «المسند» (٢٧٦٤٤)، والنسائي (٤٨٨٤).

قطْعَ على خائنٍ» (١)، وكذلكَ لو سَرقَ مِنْ بَعضِ بُيوتِ الدارِ المَأذونِ في دُخولِها وهو مُقفَلٌ أو مِنْ صُندوقٍ في الدارِ أو مِنْ صُندوقٍ في بَعضِ البيوتِ وهو مُقفَلٌ عليهِ إذا كانَ البَيتُ مِنْ جُملةِ الدارِ المَأذونِ في دُخولِها؛ لأنَّ الدارَ الواحِدةَ حِرزٌ واحدٌ، وقد خرَجَتْ بالإذنِ له مِنْ أنْ تكونَ حِرزًا في حقِّه، فكذلكَ بُيوتُها.

ورُويَ عن أبي يُوسفَ أنه قالَ في رَجلٍ كانَ في حمَّامٍ أو خانٍ وثِيابُه تحتَ رأسِه فسَرقَها سارقٌ: إنه لا قطْعَ عليهِ، سَواءٌ كانَ نائمًا أو يَقظانًا، وإنْ كانَ في صَحراءَ وثَوبُه تحتَ رأسِه قُطعَ.

وكذلكَ رُويَ عن مُحمدٍ في رَجلٍ سَرقَ مِنْ رَجلٍ وهو معهُ في الحمَّامِ، أو سَرقَ مِنْ رَجلٍ وهو معهُ في سَفينةٍ، أو نزَلَ قَومٌ في خانٍ فسَرقَ بعضُهم مِنْ بعضٍ أنه لا قطْعَ على السارقِ، وكذلكَ الحانوتُ؛ لأنَّ الحمَّامَ والخانَ والحانوتَ كلُّ واحدٍ حِرزٌ بنفسِه، فإذا أذِنَ للناسِ في دُخولِه خرَجَ مِنْ أنْ يكونَ حِرزًا، فلا يُعتبَرُ فيهِ الحافظُ، فلا يَصيرُ حِرزًا بالحافظِ، ولهذا قالوا: إذا سَرقَ مِنْ الحمَّامِ ليلًا يُقطَعُ؛ لأنَّ الناسَ لم يُؤذَنوا بالدُّخولِ فيه ليلًا.

فأما الصَّحراءُ أو المَسجدُ وإنْ كانَ مَأذونَ الدُّخولِ إليهِ فليسَ حِرزًا بنفسِه بل بالحافظِ، ولم يُوجَدِ الإذنُ مِنْ الحافظِ، فلا يَبطلُ معنَى الحِرزِ فيهِ (٢).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤٣٩١، ٤٣٩٢)، والنسائي (٤٩٧٣، ٤٩٧٤)، وأحمد (١٥١١٢).
(٢) «بدائع الصنائع» (٧/ ٧٣، ٧٤)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٣٨٤).

وقالَ المالِكيةُ: الحِرزُ: هو كُلُّ مكانٍ حِرزٌ لمِثلِه في العادةِ والعُرفِ، وذلكَ يَختلفُ باختِلافِ عاداتِ الناسِ في إحرازِ أموالِهم.

وهو في الحَقيقةِ: كلُّ ما لا يُعَدُّ صاحبُ المالِ في العادةِ مُضيِّعًا لمالِه بوَضعِه فيهِ.

والمَدارُ على إخراجِ النِّصابِ مِنْ الحِرزِ، فلا قطْعَ على مَنْ نقَلَ النِّصابَ داخلَ الحِرزِ مِنْ مَكانٍ لآخَرَ فيه ولم يُخرِجْه، أو أخرَجَه مِنْ حِرزِ غيرِ مثلِه، ولا يُشترطُ إلا إخراجُ المَتاعِ مِنْ الحِرزِ ولو لم يَخرجِ السارقُ مِنْ الحِرزِ؛ لتَحقُّقِ السَّببِ، وسَواءٌ بَقيَ النِّصابُ خارجَ الحِرزِ أو تَلفَ بسَببِ نارٍ أو أتلَفَه حَيوانٌ أو كانَ زُجاجًا فتَكسَّرَ وما أشبهَ ذلكَ.

ولا يُشتَرطُ دُخولُ السارقِ الحِرزَ، بل لو أدخَلَ عصًا مثلًا وجَرَّ بها نِصابًا فإنه يُقطَعُ.

وكذلكَ يُقطَعُ مَنْ ابتَلعَ داخِلَ الحِرزِ دُرًّا أو دِينارًا أو شِبهَ ذلكَ ممَّا لا يَفسدُ بالابتلاعِ حيثُ خرَجَ السارقُ مِنْ الحِرزِ؛ لأنه صدَقَ عليه أنه خرَجَ به مِنْ الحِرزِ، بخِلافِ ما لو أكَلَ طَعامًا داخلَ الحِرزِ فإنه لا قطْعَ عليهِ ولو خَرجَ مِنْ الحِرزِ، ولكنْ يَضمنُه لرَبِّه كما لو حرَقَ أمتِعةً داخِلَ الحِرزِ، ويُؤدَّبُ.

وكذلكَ يُقطَعُ مَنْ أدهَنَ داخِلَ الحِرزِ بما يَحصلُ منه ما يُساوي نِصابًا إذا سُلِتَ منه كالمِسكِ والزُّبْدِ ونَحوِهما، ومثلُ السَّلتِ الغَسلُ أو الطَّفيُ على الماءِ.

وكذلكَ يُقطَعُ مَنْ أشارَ إلى شاةٍ ونَحوِها فأخرَجَها مِنْ حِرزِ مثلِها، أو إلى صَبيٍّ أو إلى أعجَميٍّ حتى أخرَجَه.

وكذلكَ يُقطعُ مَنْ سَرقَ نفْسَ اللَّحدِ، وهو غِشاءُ القبْرِ الذي يسدُّ به على المَيتِ؛ لأنَّ القبْرَ حِرزٌ لِما فيهِ.

وكذلكَ يُقطَعُ مَنْ سَرقَ الخَيمةَ أو سَرقَ ما فيها، وسواءٌ كانَ أهلُه فيها أم لا، وسَواءٌ كانَ في الحَضرِ أو في السَّفرِ؛ لأنَّ الخِبَاءَ حِرزٌ لنَفسِه ولِمَا فيه، ولا مَفهومَ للخِباءِ، بل كُلُّ مَحلٍّ اتخَذَه الإنسانُ مَنزلًا وترَكَ مَتاعَه فيه وذهَبَ لحاجتِه مثلًا فسرَقَه إنسانٌ فإنه يُقطَعُ.

وكذلكَ يُقطَعُ مَنْ سَرقَ مِنْ حانوتٍ نِصابًا، أو مِنْ فِناءِ الخِباءِ، أو مِنْ فِناءِ الحانوتِ، أو مِنْ تابوتِ الصَّيرفِيِّ يَقومُ ويَتركُه ليلًا أو نَهارًا مَبنيًّا أو غيرَ مَبنيٍّ، إلا أنْ يكونَ يَنقلبُ به في كُلِّ ليلةٍ فلا قطْعَ، قالَه ابنُ القاسمِ.

وكذلكَ يُقطَعُ مَنْ سَرقَ مِنْ المَحمِلِ أو ما على ظَهرِ دابَّةٍ، وسواءٌ كانَتِ الدابةُ سائرةً أو نازِلةً في لَيلٍ أو نهارٍ.

وكَذلكَ يُقطَعُ مَنْ سَرقَ تَمرًا أو زَرعًا مِنْ الجَرينِ، وظاهِرُه: ولو بَعُدَ مِنْ البُيوتِ، وهو أحَدُ قَولينِ، ولو حمَلَ الزَّرعَ إلى الجَرينِ فسرقَ في الطَّريقِ لَقُطعَ السارقُ؛ لأجْلِ مَنْ معَه، وكذلكَ يُقطعُ مَنْ سَرقَ مِنْ ساحةٍ أو عَرْصةِ دارٍ حُجِرَ عليهِ في الدخولُ لهُمَا، وبعبارةٍ المُرادُ بالأجنَبيِّ غيرُ الشَّريكِ في السُّكنَى، فيُقطعُ فيما سَرقَه مِنْ الساحةِ، سَواءٌ كانَ ممَّا يُوضَعُ فيها أم لا كالثوبِ، وأما غيرُ الأجنَبيِّ فيُقطعُ إنْ سَرقَ مِنْ الساحةِ ما يُوضعُ فيها

كالدابَّةِ لا غيرُه، وأمَّا السرقةُ مِنْ بيتٍ مِنْ بُيوتِها فإنه يُقطعُ مَنْ أخرَجَه مِنْ البيتِ لِساحتِها، سَواءٌ كانَ شَريكًا أم أجنَبيًّا، وهذا في الدارِ المُشتَرَكةِ، وأما المُختصَّةُ فلا يُقطعُ إلا إذا خَرجَ به مِنْ جَميعِ الدارِ، سَواءٌ سَرقَه مِنْ بيتٍ مِنْ بُيوتِها أو مِنْ ساحتِها، وسواءٌ كانَ ما سَرقَ مِنْ ساحتِها ممَّا شأنُه أنْ يُوضَعَ فيها أم لا.

وأمَّا السرقةُ مِنْ السَّفينةِ ففيهِ تَفصيلٌ، وهو أنه إنْ سَرقَ بحَضرةِ رَبِّ المَتاعِ قُطعَ، سَواءٌ خَرجَ منها أم لا، كانَ ممَّن بها أم لا، وإنْ سَرقَ بغيرِ حَضرةِ رَبِّه؛ فإنْ كانَ السارقُ أجنَبيًّا قُطعَ إنْ خرَجَ به منها، وإنْ كانَ مِنْ الرُّكابِ فلا قطْعَ ولو خرَجَ بهِ منها، وإنْ سَرقَ مِنْ الخُنِّ ونَحوِه فإنه يُقطَعُ وإنْ لم يَخرجْ منها.

والخانُ يَكونُ حِرزًا للأشياءِ الثقيلةِ كالزِّلَعِ والحَمُولِ ونحوِ ذلكَ، فبمُجرَّدِ إزالتِها عن مَوضعِها يُقطَعُ ولو لم يُخرجْها إذا كانَتْ تُباعُ فيه، وإلا فلا قطْعَ حتى يُخرجَها، ولا يُقطعُ إذا سَرقَ منه شيئًا خَفيفًا.

وكذلكَ يُقطعُ مَنْ سرَقَ دابة مِنْ مَوقفِها التي أُوقِفتْ فيه للبَيعِ، وسَواءٌ كانَتْ مَربوطةً أم لا، وسَواءٌ كان معَها صاحبُها أم لا، وكَذلكَ إذا كانَتْ مَربوطةً في الزُّقاقِ دائمًا ثمَّ سَرقَها مِنْ مَوقفِها؛ لأنَّ ذلكَ حِرزُها.

وكذلكَ يُقطعُ مَنْ سَرقَ السَّفينةَ نفسَها وهي واقِفةٌ في المِرساةِ أو على قَريةٍ، والمَرادُ بالمِرساةِ المَحلُّ الذي رَسَتْ فيه وهو صالحٌ للإرساءِ، كانَ مُعدًّا لهُما أم لا، كانَ بقَريةٍ أم لا، كانَ قَريبًا مِنْ العُمرانِ أم لا.

وكذلكَ يُقطعُ مَنْ سَرقَ شيئًا بحَضرةِ صاحبِه؛ لأنه حِرزٌ له ولو كانَ في فَلاةٍ، وكذلكَ يُقطعُ مَنْ سَرقَ مِنْ غِلالِ المَطاميرِ التي يُخزَّنُ فيها القَمحُ بشَرطِ أنْ يكونَ المَطمورُ قَريبًا مِنْ المَسكنِ بحَيثُ يكونَ حِسُّ ربِّه عليهِ، فلو بَعُدَ فلا قطْعَ؛ لأنه لم يُحرزْ طعامَه بحالٍ.

وكذلكَ يُقطعُ مَنْ سَرقَ مِنْ القِطارِ، وهو الإبلُ المَربوطةُ بعضُها في بَعضٍ، وسَواءٌ كانَتْ سائرةً أو نازِلةً، فإذا حَلَّ السارقُ واحِدًا منها وأخَذَه قُطعَ ولو لم يَبِنْ به، ونحوُ القِطارِ الإبلُ أو الدَّوابُ المَسوقةُ إلى المَرعَى غيرَ مَربوطةٍ، أي: غيرَ مَقطورةٍ.

ومَن أزالَ بابَ المَسجدِ مِنْ مَوضعِه ولو لم يَأخذْه فإنه يُقطعُ؛ لأنه أزالَه عن حِرزِه.

ومَن دخَلَ الحمَّامَ لأجلِ السَّرقةِ وسَرقَ منها فإنه يُقطعُ، وأما إنْ أذِنَ له في دُخولِها فدخَلَها وسَرقَ فلا قطْعَ عليهِ، ويُعلَمُ ذلكَ مِنْ قَرائنِ الأحوالِ، وكذلكَ يُقطعُ مَنْ نقَبَ الحمَّامَ أو تَسوَّرَ عليها ونزَلَ إليها وسَرقَ ما قِيمتُه ثلاثةُ دَراهمَ إذا أخَذَ خارجَ الحمَّامِ، وأما مُجرَّدُ النَّقبِ لا قطْعَ فيه، وكذلكَ يُقطعُ مَنْ أخَذَ مِنْ ثِيابِ الحمَّامِ مِنْ غيرِ إذنِ الحارسِ له في تَقليبِ الثِّيابِ، وأما إنْ أَذنَ في تَقليبِ الثِّيابِ فأخَذَ غيرَ ثيابِه فإنه لا قطْعَ عليهِ، وسَواءٌ دخَلَ للسَّرقةِ أم لا؛ لأنه خائنٌ، وحيثُ قُلنا بالقَطعِ مَحلُّه ما لم يَدَّعِ أنه أخطَأَ، فإنِ ادَّعى ذلكَ صُدقَ إنْ أشبَهَ قولُه.

والدارُ المَأذونُ في دُخولِها لكُلِّ الناسِ كَدارِ العالِمِ ودارِ الطَّبيبِ وما أشبَهَ ذلكَ إذا سَرقَ منها شَخصٌ نِصابًا وأخرَجَه عن جَميعِ الدارِ فإنه يُقطعُ.

ولا قطْعَ على مَنْ سَرقَ مِنْ مَوضعٍ مَأذونٍ له في دُخولِه، كالشَّخصِ يُضيِّفُ الضَّيفَ فيُدخلُه دارَه أو يَبعثُ الشَّخصَ إلى دارِه ليَأتيَه مِنْ بَعضِ بُيوتِها بشَيءٍ وما أشبَهَ ذلكَ فيَسرقُ مِنْ مَوضعٍ مُغلَقٍ قد حجُرَ عليهِ فيهِ وإنْ خرَجَ مِنْ جَميعِ الدارِ؛ لأنه خائنٌ لا سارِقٌ، وهذا على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ.

وقالَ سحنُونٌ: يُقطَعُ وإنْ لم يَخرجْ به إلى المَوضعِ الذي أذِنَ له في دُخولِه.

وقيلَ: لا يُقطعُ حتَّى يَخرجَ به مِنْ جَميعِ الدارِ.

وكذلكَ لا قطْعَ على مَنْ دخَلَ الحِرزَ ونقَلَ النِّصابَ مِنْ مَوضعٍ لآخَرَ فيهِ ولم يُخرجْه منهُ.

وكذلكَ لا قطْعَ على مَنْ سَرقَ ما على الصَّبيِّ مِنْ حُليٍّ وثِيابٍ؛ لأنَّ الصبيَّ لا يكونُ حِرزًا لِما معهُ ولا لِما عليهِ، إلا أنْ يكونَ مع الصَّبيِّ مَنْ يَحفظُه أو يَكونَ في حِرزِ مثلِه، فإنَّ سارِقَه يُقطعُ حِينئذٍ، ومثلُ الصَّبيِّ المَجنونُ.

وكذلكَ لا قطْعَ على الشَّخصِ الداخلِ في الحِرزِ الآخِذِ للنِّصابِ منهُ ورَفعَه على يَديه لشَخصٍ خارجَ الحِرزِ فمَدَّ يَدَه إلى داخلِه وأخَذَ النصابَ مِنْ الداخلِ وأخرَجَه إلى خارجِ الحِرزِ، بل القَطعُ على الخارجِ؛ لأنه صَدَقَ عليه أنه الذي أخرَجَ النِّصابَ مِنْ الحِرزِ وحْدَه، وأمَّا إنِ التَقيَا وَسطَ النَّقبِ قُطعَا، أو كانَتِ المناوَلةُ خارجَ الحِرزِ قُطعَ الداخِلُ (١).

(١) «التاج والإكليل» (٥/ ٣٥١، ٣٥٧)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ٩٧، ١٠٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣٤٣، ٣٥١)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٣٧١، ٣٨٢).

وقالَ الشافِعيةُ: يَختلفُ الحِرزُ باختلافِ الأحوالِ والأموالِ، والتَّعويلُ في صِيانةِ المالِ وإحرازِه على شَيئينِ:

أحَدُهما: المُلاحَظةُ والمُراقَبةُ.

والثاني: حَصانةُ المَوضعِ ووَثاقتُه، فإنْ لم يَكنْ للمَوضعِ حَصانةٌ كالمَوضوعِ في صَحراءَ أو مَسجدٍ أو شارعٍ اشتُرطَ مُداوَمةُ اللِّحَاظِ، وإنْ كانَ له حَصانةٌ وانضَمَّ إليها اللِّحاظُ المُعتادُ كَفى ولم تُشترطْ مُداوَمتُه، ويَحكمُ في ذلكَ العُرفُ، تَفصيلُه بمَسائلَ:

إحْدَاها: الإصطَبلُ حِرزُ الدَّوابِّ مع نَفاستِها وكَثرةِ قِيمتِها، وليسَ حِرزًا للثِّيابِ والنُّقودِ، والصُّفَّةُ -هي شَيءٌ كالظُّلةِ قُدَّامَه- في الدارِ وعَرصتِها حِرزانِ للأواني وثِيابِ البِذْلةِ دونَ الحُليِّ والنُّقودِ؛ لأنَّ العادةَ فيها الإحرازُ في المَخازنِ، وكذا الثِّيابُ النَّفيسةُ تُحرَزُ في الدُّورِ وفي بُيوتِ الحاناتِ وفي الأسواقِ المَنيعةِ، والمِتْبَنُ حرزٌ للتِّبنِ دونَ الأواني والفُرشِ.

فمَا كانَ حِرزًا لنَوعٍ كانَ حِرزًا لِما دونَه وإنْ لم يَكنْ حِرزًا لِما فوقَه.

الثانيةُ: إذا نامَ في صَحراءَ أو مَسجدٍ أو شارعٍ على ثَوبِه أو تَوسَّدَ عَيبتَه أو مَتاعَه أو اتَّكأَ عليهِ فسُرقَ الثَّوبُ مِنْ تَحتِه أو العَيبةُ أو أخِذَ المِنديلُ مِنْ رَأسِه أو المَداسُ مِنْ رِجلِه أو الخاتَمُ مِنْ أصبُعِه وجَبَ القَطعُ؛ لأنه مُحرزٌ به، ولو زالَ رأسُه عمَّا تَوسَّدَه أو انقَلبَ في النومِ عنِ الثَّوبِ وخلَّاهُ فلا قطْعَ بسَرقتِه.

ولو رفَعَ السارقُ النائمَ عن الثوبِ أولًا ثمَّ أخَذَه فلا قطْعَ.

ولو وَضعَ مَتاعَه أو ثوبَه بقُربِه في الصَّحراءِ أو المَسجدِ فإنْ نامَ أو ولَّاهُ ظَهرَه أو ذَهلَ عنه بشَاغلٍ لم يكنْ مُحرزًا، وإنْ كانَ مُتيقِّظًا يُلاحظُه فتَغفَّلَه السارقُ وأخَذَ المالَ قُطعَ على الصَّحيحِ، وهل يُشترطُ أنْ لا يكونَ في المَوضعِ زَحمةُ الطارِقينَ؟ وَجهانِ:

أحَدُهما: لا، وتكفِي المُلاحَظةُ، لكنْ لا بُدَّ بسَببِ الزَّحمةِ مِنْ مَزيدِ مُراقَبةٍ وتَحفُّظٍ.

وأصَحُّهما: نعمْ، وتُخرجُه الزَّحمةُ عن كَونِه مُحرزًا، وأُجريَ الوَجهانِ في الخبَّازِ والبزَّازِ وغيرِهما إذا كَثُرَتِ الزحمةُ على حانوتِه.

قالَ الإمامُ: ولو وَضعَ المَتاعَ في شارعٍ ولاحَظَه جَمعٌ صارَ عَددُ اللاحِظينَ في مُعارَضةِ عَددِ الطارِقينَ كلاحِظٍ في الصَّحراءِ في مُعارَضةِ طارقٍ، ويُشترطُ كَونُ المُلاحِظِ بحَيثُ يَقدرُ على المَنعِ لو اطَّلعَ على سارقٍ إمَّا بنَفسِه وإما بالاستغاثةِ، فإنْ كانَ ضَعيفًا لا يُبالي به السارقُ والمَوضعُ بَعيدٌ عن الغَوثِ فليسَ بحِرزٍ، بلِ الشخصُ شائعٌ مع مالِه، ويَنبغي أنْ لا يُفرَّقَ بينَ كونِ الصحراءِ مَواتًا أو غيرَه.

واعلَمْ أنَّ الرُّكنَ الأولَ في كَونِه مُحرزًا المُلاحَظةُ، فلا تكفِي حَصانةُ المَوضعِ على أصلِ المُلاحَظةِ، حتَّى إنَّ الدارَ المُتفرِّدةَ في طَرفِ البلدِ لا تكونُ حِرزًا وإنْ تَناهَتْ في الحَصانةِ، وكذا القَلعةُ المُحكَمةُ؛ لأنه إذا لم يَكنِ المَوضعُ على أصلِ المُلاحظةِ، حتَّى إنَّ الدارَ المُنفرِدةَ في طَرفِ البلدِ لا تكونُ خَطرًا، لكن لا يُحتاجُ مع الحَصانةِ إلى دَوامِ المُلاحظةِ، بخِلافِ ما ذكَرْنا في الصَّحراءِ.

ولو أدخَلَ يَدَه في جَيبِ إنسانٍ أو كُمِّه وأخَذَ المالَ أو طَرَّ جَيبَه -أي شَقَّه- وأخَذَ المالَ قُطعَ؛ لأنه مُحرزٌ بهِ، وسواءٌ رَبطَه مِنْ داخلِ الكُمِّ أم مِنْ خارجِه أم لم يَربطْه.

وإنْ أخَذَه مِنْ رأسِ مِنديلٍ على رأسٍ إنْ كانَ قد شَدَّه عليهِ قُطعَ، وإلا فلا.

الثالثةُ: الدارُ إنْ كانَتْ مُنفصلةً عن العِماراتِ بأنْ كانَتْ في باديةٍ أو في الطرقِ الخِرابِ مِنْ البَلدِ أو في بُستانٍ فليسَتْ بحِرزٍ إنْ لم يكنْ فيها أحَدٌ، سَواءٌ كانَ البابُ مَفتوحًا أو مُغلقًا، فإنْ كانَ فيها صاحبُها أو حافظٌ آخَرُ نُظرَ؛ إنْ كانَ نائمًا والبابُ مَفتوحٌ فليسَتْ حِرزًا، وإنْ كانَ مُغلقًا فوَجهانِ:

أحَدُهما: أنه مُحرزٌ، والثاني: غَيرُ مُحرزٍ.

وإنْ كانَ مَنْ فيها مُتيقِّظًا فالأمتِعةُ فيها مُحرزةٌ، سَواءٌ كانَ البابُ مَفتوحًا أو مُغلقًا، لكنْ لو كانَ ممَّن لا يُبالَى به وهو بَعيدٌ عن الغَوثِ فالحُكمُ على ما ذكَرْناهُ في المَلحوظِ بعَينِ الضَّعيفِ في الصَّحراءِ، وإنْ كانَتِ الدارُ مُتصلةً بدُورِ أهلِه نُظرَ:

إنْ كانَ البابُ مُغلقًا وفيها صاحبُها أو حافظٌ آخَرُ فهيَ حِرزٌ لِما فيها لَيلًا ونهارًا، مُتيقظًا كانَ الحافظُ أو نائمًا.

وإنْ كانَ البابُ مَفتوحًا فإنْ كانَ مَنْ فيها نائمًا لم يَكنْ حِرزًا لَيلًا قَطعًا ولا نهارًا في الأصَحِّ، وقيلَ: حِرزٌ نهارًا في زَمنِ الأمنِ مِنْ النَّهبِ وغيرِه.

وإنْ كانَ مَنْ فيها مُتيقظًا لكنَّه لا يُتِمُّ المُلاحظةَ بل يَترددُ في الدارِ فتَغفَّلَه إنسانٌ فسَرقَ لم يُقطعْ على الأصَحِّ المَنصوصِ؛ للتَّقصيرِ بإهمالِ المُراقبةِ

مع فَتحِ البابِ، ولو كانَ يُبالِغُ في المُلاحَظةِ بحَيثُ يَحصلُ الإحرازُ بمِثلِه في الصَّحراءِ فانتَهزَ السارقَ فُرصةً قُطعَ بلا خِلافٍ.

ولو فتَحَ صاحبُ الدارِ بابَها وأَذِنَ للناسِ في الدخولِ كشِراءِ مَتاعِه كما يَفعلُه مَنْ يَخبزُ في دارِه فوَجهانِ؛ لأنَّ الزحمةَ تُشغِلُ، فأما إذا لم يَكنْ فيها أحَدٌ فالمَذهبُ أنه إنْ كانَ البابُ مُغلقًا فهو حِزرٌ بالنهارِ في وَقتِ الأمنِ، وليسَ حِرزًا في وَقتِ الخَوفِ ولا في الليلِ، وإنْ كانَ مَفتوحًا لم يَكنْ حِرزًا أصلًا.

وإذا ادَّعَى السارقُ أنَّ صاحِبَ الدارِ نامَ أو ضَيَّعَ ما فيها وأعرَضَ عن اللِّحاظِ فقالَ الغَزاليُّ: يَسقطُ القَطعُ بمُجرَّدِ دَعواهُ كما في دَعوَى المِلكِ.

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: واعلَمْ أنَّ الأمرَ في كلِّ هذا مَبنيٌّ على العادةِ الغالبةِ في الإحرازِ، وعلى هذا الأصلِ قالَ الأصحابُ: النَّقدُ والجَوهرُ والثِّيابُ لا تكونُ مُحرزةً إلا بإغلاقِ البابِ عليها، وأمتِعةُ العطَّارينَ والبقَّالينَ والصيَادِلةِ إذا ترَكَها على بابِ الحانوتِ ونامَ فيه أو غابَ عنه فإنْ ضَمَّ بعضَها إلى بَعضٍ وربَطَها بحَبلٍ أو علَّقَ عليها شَبكةً أو وَضعَ لَوحَينِ على بابِ الحانوتِ مُخالِفينِ كفَى ذلكَ إحرازًا في النَّهارِ؛ لأنَّ الجِيرانَ والمارَّةَ يَنظرونَها، وإنْ تَركَها مُفرَّقةً ولم يَفعلْ شَيئًا ممَّا ذكَرْناه لم تَكنْ مُحرزةً، وأما بالليلِ فلا تكونُ مُحرزةً إلا بحارسٍ … (١).

(١) «روضة الطالبين» (٦/ ٥٥٣، ٥٥٦)، و «البيان» (١٢/ ٤٤٤، ٤٤٨)، و «النجم الوهاج» (٩/ ١٦٢، ١٧٣)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤٦٨، ٤٧٣)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ٥١٧، ٥٢٥).

ومَذهبُ الحَنابلةِ قَريبٌ مِنْ مَذهبِ الشافِعيةِ، فقالوا: يَختلفُ الحِرزُ باختِلافِ الأموالِ والبُلدانِ وعَدلِ السُّلطانِ وجَورِه وقُوَّتِه وضَعفِه؛ لخَفاءِ السارقِ بالبلدِ الكَبيرِ لسِعةِ أقطارِه أكثَرَ مِنْ خَفائِه في البلدِ الصَّغيرِ، وكذا السُّلطانُ إنْ كانَ عَدلًا يُقِيمُ الحُدودَ قلَّ السُّراقُ، فلا يَحتاجُ الإنسانُ إلى زِيادةِ حِرزٍ.

وإنْ كانَ جائرًا يُشارِكُ مَنْ التَجأَ إليهِ ويَذبُّ عنهُم قَوِيتْ صَولتُهم، فيَحتاجُ أربابُ الأموالِ إلى زِيادةِ التحفُّظِ، وكذا الحالُ مع قوَّتِه وضَعفِه.

فحِرزُ الأثمانِ والجَواهرِ والقُماشِ في الدُّورِ والدَّكاكينِ في العُمرانِ وَراءَ الأبوابِ والأغلاقِ الوَثيقةِ.

والصُّندوقُ في السُّوقِ حِرزٌ وثَمَّ حارسٌ؛ لأنه العادةُ، وإنْ لم يَكن ثَمَّ حارسٌ فليسَ الصُّندوقُ حِرزًا، فإنْ لم تَكنِ الأبوابُ مُغلقةً ولا فيها حافظٌ فليسَتْ حِرزًا، وإنْ كانَ في الدارِ المَفتوحةِ الأبوابِ خَزائنُ مُغلقةٌ فالخَزائنٌ حِرزٌ لِما فيها مِنْ الأموالِ، وما خَرجَ عن الخَزائنِ فليسَ بمُحرزٍ إذا كانَتْ أبوابُ الدارِ مَفتوحةً.

وأما البُيوتُ التي في البَساتينِ والطُّرقِ والصَّحراءِ فإنْ لم يَكنْ فيها أحَدٌ فليسَتْ حِرزًا، مُغلَقةً كانَتْ أو مَفتوحةً، وإنْ كانَ فيها أهلُها أو حافظٌ مُلاحِظٌ فهي حِرزٌ، مُغلقةً كانتْ أو مَفتوحةً، فإنْ كانَ بها نائمٌ وهي مُغلقةٌ فهي حِرزٌ، وإنْ لم تكنْ مُغلقةً فليسَتْ بحِرزٍ إلا أنْ يكونَ الحافِظُ يَقظانَ، وكذا خَيمةٌ وخَرْكاه ونحوُهما كبَيتِ الشَّعرِ إنْ كانَ فيها أحَدٌ ولو نائمًا فهي مُحرزةٌ مع ما فيها؛ لأنها هَكذا تُحرزُ في العادةِ، وإنْ لم يَكنْ فيها أحَدٌ فإنْ

كانَ عندَها حافظٌ فهي مُحرزةٌ أيضًا، وإنْ لم يَكنْ عندَها حافظٌ وليسَ فيها أحَدٌ فلا قطْعَ على سارقِها؛ لأنها ليسَتْ بمُحرزةٍ في العادةِ.

وإنْ كانَ لابِسًا ثَوبًا أو مُتوسِّدًا له تَحتَ رأسِه نائمًا كانَ أو مُستيقظًا أو كانَ مُفتَرِشًا له أو مُتكِئًا عليه في أيِّ مَوضعٍ كانَ مِنْ بَلدٍ أو بَرِّيةٍ فحِرزٌ؛ «لأنه قطَعَ سارِقَ رِداءِ صَفوانَ مِنْ المَسجدِ وهو مُتوسِّدُه».

أو كانَ نائِمًا على مَجَرِّ فَرسِه لم يَزُلْ عنهُ أو كانَ نَعلُه في رِجلِه فحِرزٌ؛ لأنه هكذا مُحرَّزٌ، فإنْ تَدحرجَ النائمُ عن الثَّوبِ زالَ الحِرزُ، فلا قطْعَ على السارقِ إذنْ.

وإنْ كانَ الثوبُ أو غيرُه مِنْ المَتاعِ بينَ يَديِه كبَزِّ البزَّازينَ وقُماشِ الباعةِ وخُبزِ الخبَّازِ بحَيثُ يُشاهدُه ويَنظرُ إليه فهو حِرزٌ؛ لأنه العادةُ، وإنْ نامَ أو كانَ غائبًا عن مَوضعِ مُشاهَدتِه فليسَ بمُحرَّزٍ، وإنْ جَعلَ البَّزازُ ونحوُه المَتاعَ في الغَرائرِ وعلَّمَ عليها -أي شَدَّها- بخَيطٍ ونحوِه كحَبلٍ وسَيرٍ ومعَها حافظٌ يُشاهدُها فمُحرَّزةٌ؛ عَملًا بالعُرفِ، وإنْ لم يَكنْ معَها حِينئذٍ حافظٌ يُشاهدُها فليسَتْ بمُحرزةٍ.

وحِرزُ سُفنٍ في شَطٍّ برَبطِها؛ لجَريانِ العادةِ بذلكَ، وحِرزُ بَقلٍ وباقِلاءِ وطَبيخٍ وقُدورِه وخَزفٍ بضَمِّ بعضِه إلى بَعضٍ بحَبلٍ أو غيرِه إذا كانَ بالسُّوقِ حارسٌ؛ لأنْ العادةَ جَرَتْ بإحرازِها به.

وحِرزُ مَواشِ الصُّبُرُ -واحِدُها صُبْرةٌ، وهي حَظيرةُ الغَنمِ- وحِرزُها في المَرعى بالراعِي ونَظرِه إليها إذا كانَ الراعِي يَراها في الغالبِ؛ لأنَّ العادةَ

حِرزُها بذلكَ، وما نامَ الراعي عنه مِنْ الماشِيةِ أو غابَ عن مُشاهدتِه فقدْ خَرجَ عن الحِرزِ، فلا قطْعَ على سارقِه.

وحِرزُ ثِيابٍ في حمَّامٍ بحافظٍ، ويَضمنُ الحافظُ ما ضاعَ بتَفريطِه ولو لم يَستحفظْه رَبُّ المَتاعِ صَريحًا؛ عَملًا بالعُرفِ.

ومَن سَرقَ مِنْ ثَمرِ شَجرٍ أو مِنْ جِمارِ نَخلٍ -وهو الكُثرُ بضَمِّ الكافِ- قبلَ إدخالِه الحِرزَ كأخذِه مِنْ رُؤوسِ نَخلٍ وشَجرٍ مِنْ البُستانِ لم يُقطعْ ولو كانَ عليه حائطٌ وحافظٌ، ويَضمنُ عِوضَه مرَّتينِ؛ لحَديثِ رافعِ بنِ خُديجٍ أنَّ النبيَّ قالَ: «لا قطْعَ في ثَمرٍ ولا كثرٍ» (١).

ولحَديثِ عَمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيهِ عن جَدِّه «أنَّ رَجلًا مِنْ مُزَينةَ أتَى رَسولَ اللهِ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ كيفَ ترَى في حَريسةِ الجَبلِ؟ فقالَ: هي ومِثلُها والنَّكَالُ، وليسَ في شَيءٍ مِنْ الماشِيةِ قَطعٌ إلا فيما آواهُ المُراحُ فبلَغَ ثَمنَ المِجَنِّ ففيهِ قَطعُ اليَدِ، وما لم يَبلغْ ثَمنَ المِجنِّ ففيهِ غَرامةُ مِثلَيهِ وجَلَداتُ نَكالٍ، قالَ: يا رَسولَ اللهِ كيفَ ترَى في الثَّمرِ المُعلَّقِ؟ قالَ: هو ومِثلُه معه والنَّكالُ، وليسَ في شيءٍ مِنْ الثَّمرِ المُعلَّقِ قَطعٌ إلا فيما آواهُ الجَرينُ، فما أُخذَ مِنْ الجَرينِ فبلَغَ ثمَنَ المِجنِّ ففيهِ القَطعُ، وما لم يَبلغْ ثَمنَ المِجنِّ ففيهِ غَرامةُ مِثلَيهِ وجَلَداتُ نَكالٍ» (٢).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: أبو داود (٤٣٨٨)، والترمذي (١٤٤٩)، والنسائي (٤٩٦٠)، وابن ماجه (٢٥٩٣)، وأحمد (٣/ ٤٦٣).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (١٧١٠)، والترمذي (١٢٨٩)، والنسائي (٤٩٥٩)، وابن ماجه (٢٥٩٦)، وأحمد (٦٦٨٣).

ولأنَّ الثِّمارَ في العادةِ تَسبقُ اليَدُ إليها، فجازَ أنْ تُغلَّظُ قيمتُها على سارِقِها؛ رَدعًا له وزَجرًا، بخِلافِ غيرِها.

ومَن سَرقَ منه نِصابًا بعدَ إيوائِه الحِرزَ كجَرينٍ ونَحوِه أو سرَقَ نِصابًا مِنْ ثَمرٍ مِنْ شَجرةٍ في دارٍ مُحرَّزةٍ قُطعَ؛ للحَديثِ السابقِ، وكذا الماشِيةُ تُسرَقُ مِنْ المرعَى مِنْ غيرِ أنْ تكونَ مُحرزةً تُضمَنُ بمِثلِ قيمتِها ولا قطْعَ كثَمرٍ وكثرٍ.

وما عَداهُنَّ -أي: الثَّمرَ والكثرَ والماشيةَ- يُضمَنُ بقِيمتِه مرَّةً واحدةً إنْ كانَ مُتقوِّمًا، أو بمِثلِه إنْ كانَ مِثليًّا؛ لأنَّ التَّضعيفَ فيها على خِلافِ القياسِ للنَّصِّ، فلا يُجاوَزُ به مَحلُّ النصِّ.

وإذا سَرقَ الضيفُ مِنْ مالِ مُضِيفِه مِنْ المَوضعِ الذي أنزَلَه فيه أو مِنْ مَوضعٍ لم يُحرزْه عنه لم يُقطعْ؛ لعَدمِ هَتكِه الحِرزَ، وإنْ سَرقَ الضَّيفُ مِنْ مَوضعٍ مُحرَّزٍ عنه فإنْ كانَ منَعَه قِراهُ فسَرقَ بقَدرِه لم يُقطعْ؛ لأنه أخَذَ الواجِبَ له، أشبَهَ الزوجةَ والقريبَ إذا أخَذَا ما وجَبَ لهُما، وإنْ لم يَمنعْه المُضيفُ قِراهُ الواجِبَ له قُطعَ إنْ سَرقَ نِصابًا؛ لأنه لا شُبهةَ للضَّيفِ إذنْ في مالِ المُضيفِ (١).

(١) «المغني» (٩/ ٩٨، ١٠٢)، و «الإنصاف» (١٠/ ٢٧٠، ٢٧٥)، و «كشاف القناع» (٦/ ١٧٢، ١٧٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٢٤٣، ٢٥٠)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٣٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب السرقة)
(باب ما يجب فيه القطع من كتاب الحدود وغيره)

(كِتَابُ السَّرِقَةِ)

(بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ من كتاب الحدود وغيره)

(مسألة)

قَالَ الشَّافِعِيُّ: رَحِمَهُ اللَّهُ " الْقَطْعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا لِثُبُوتِ الْخَبَرِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بذلك) .

قال الماوردي: والأصل فِي وُجُوبِ قَطْعِ السَّارِقِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} المائدة: ٣٨ وفي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " وَالسَّارِقُونَ وَالسَّارِقَاتُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا) ، فَجَعَلَ حَدَّ السَّرِقَةِ قَطْعَ الْيَدِ لِتَنَاوُلِ الْمَالِ بِهَا، وَلَمْ يَجْعَلْ حَدَّ الزِّنَا قَطْعَ الذَّكَرِ لِمُوَاقَعَةِ الزِّنَا بِهِ لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّ لِلسَّارِقِ مِثْلَ يَدِهِ إِذَا قُطِعَتْ، وَلَيْسَ لِلزَّانِي مِثْلَ ذَكَرِهِ إِذَا قُطِعَ.

وَالثَّانِي: أَنَّ الْحُدُودَ زَجْرٌ لِلْمَحْدُودِ وَغَيْرِهِ، وَالْيَدُ تُرَى وَالذَّكَرِ لَا يُرَى.

وَالثَّالِثُ: أَنَّ فِي قَطْعِ الذَّكَرِ إِبْطَالُ النَّسْلِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي قَطْعِ الْيَدِ، وَقَدْ قُطِعَ السَّارِقُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ حَكَمَ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ فأمر الله تعالى به في الإسلام فكان أول سارق قطع من الرجال في الإسلام الْخِيَارَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَمِنَ النِّسَاءِ مُرَّةَ بِنْتَ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 428 - 443

ارجع إلى أركان السرقة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله