الإسلام > الجنايات والحدود > أركان السرقة > ثالثا: حكم السرقة من بيت المال
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةثالثًا: حُكمُ السَّرقةِ مِنْ بَيتِ المالِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ سَرقَ مِنْ بيتِ المالِ، هل يُقطَعُ أم لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ -وهو قَولُ ابنِ المُنذِرِ- إلى أنه يُقطَعُ مَنْ سَرقَ مِنْ بيتِ المالِ نِصابًا، سَواءٌ كانَ مُنتظمًا أو غيرَ مُنتظمٍ، جاءَ في «المُدوَّنة»: (قلتُ): أرَأيتَ مَنْ سَرقَ مِنْ بيتِ المالِ هل يُقطَعُ؟ (قالَ): قالَ لي مالكٌ: نَعمْ يُقطَعُ، (قلتُ): أرَأيتَ مَنْ سَرقَ مِنْ مَغنَمٍ وهو مِنْ أهلِ ذلكَ المَغنمِ؟ (قالَ): قالَ لي مالكٌ: يُقطَعُ، (قلتُ): لم قطَعَه مالكٌ وله فيه نَصيبٌ؟ (قالَ): قالَ لي مالكٌ: كمْ حِصَّتُه مِنْ ذلكَ؟ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ -على تَفصيلٍ عندَهُم-والحَنابلةُ إلى أنه لا قطْعَ على مَنْ سرَقَ مِنْ بَيتِ المالِ إذا كانَ مُسلمًا؛ لأنه مالٌ لكافَّةِ المُسلمينَ وهو مِنهُم؛ لِما رُويَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما «أنَّ عَبدًا مِنْ رَقيقِ الخُمُسِ سَرقَ مِنْ الخُمُسِ فرُفعَ ذلكَ إلى النبيِّ ﷺ فلمْ يَقطَعْه وقالَ: مالُ اللَّهِ ﷿ سرَقَ بَعضُه بَعضًا» (٢).
ولِما رُويَ «أنَّ عليًّا رضي الله عنه أُتِيَ برَجلٍ سَرقً مِغَفرًا مِنْ الخُمسِ فلمْ يَرَ عليه قَطعًا وقالَ: لهُ فيه نَصيبٌ»، ورَوى وَكيعٌ عن المَسعوديِّ عن القاسمِ «أنَّ رَجلًا سرَقَ مِنْ بَيتِ المالِ، فكتَبَ فيه سعدٌ إلى عُمرَ، فكتَبَ إليه
(١) «المدونة الكبرى» (١٦/ ٢٩٥)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٣٥٠)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ٩٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣٤١)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٣٧٠)، و «البيان» (١٢/ ٤٧٠، ٤٧١)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤٦٦).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه ابن ماجه (٢٥٩٠).
عُمرُ: لا قطْعَ عليهِ؛ لأنَّ له فيه نَصيبًا» (١)، ولا مُخالِفَ لهُما مِنْ الصحابةِ فكانَ إجماعًا.
وأيضًا لمَّا كانَ حقُّه وحقُّ سائرِ المُسلمينَ فيه سَواءً فصارَ كسارقِ مالٍ بينَه وبينَ غيرِه، فلا يُقطعُ.
ولأنَّ الحُقوقَ في بيتِ المالِ عامَّةٌ، فدخَلَ السارِقُ فيها، فسقَطَ القَطعُ فيها.
ونَصَّ الشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ الذِّميَّ إنْ سرَقَ مالًا مِنْ بيتِ مالِ المُسلمينَ قُطعَ؛ لأنه لا حَقَّ له فيه (٢).
إلا أنَّ الشافِعيةَ لهم تَفصيلٌ في السرقةِ مِنْ بيتِ المالِ، فقالوا: مَنْ سرَقَ مالَ بيتِ المالِ إنْ فُرزَ لطائِفةٍ كذَوي القُربى والمَساكينِ وكانَ منهُم أو أصلُه أو فَرعُه فلا قطْعَ.
وإنْ فُرزَ لطائفةٍ ليسَ هو منهُم قُطعَ بلا خِلافٍ؛ إذْ لا شُبهةَ له في ذلكَ.
وإنْ لم يُفرَزْ لطائفةٍ بأنْ سرَقَ مِنْ غيرِ المُفرَزِ لهُم فالأصَحُّ أنه إنْ كانَ له حَقٌّ في المَسروقِ كمالِ مَصالحَ بالنسبةِ لمُسلمٍ فَقيرٍ جَزمًا أو غنيٍّ على
(١) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢٩١٥٦).
(٢) «أحكام القرآن» (٤/ ٧٧)، و «الاختيار» (٤/ ١٣١)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٣٩٥)، و «اللباب» (٢/ ٣٢٨)، و «الحاوي الكبير» (١٣/ ٣٥٠)، و «المهذب» (٢/ ٢٨١)، و «البيان» (١٢/ ٤٧٠، ٤٧١)، و «النجم الوهاج» (٩/ ١٦٠)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤٦٦)، و «المغني» (٩/ ١١٧)، و «المبدع» (٩/ ١٣٤)، و «كشاف القناع» (٦/ ١٨٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٢٥١).
الأصَحِّ وكصَدقةٍ وهو فَقيرٌ أو غارمٌ لذاتِ البَينِ أو غازٍ فلا يُقطَعُ في المَسألتينِ؛ أما في الأولى: فلأنَّ له حقًّا وإنْ كانَ غنيًّا كما مرَّ؛ لأنَّ ذلكَ قد يُصرَفُ في عِمارةِ المَساجدِ والرِّباطاتِ والقَناطرِ فيَنتفعُ بها الغَنيُّ والفَقيرُ مِنْ المُسلمينَ؛ لأنَّ ذلكَ مَخصوصٌ بهم، بخِلافِ الذِّميِّ يُقطعُ بذلكَ ولا نظَرَ إلى إنفاقِ الإمامِ عليهِ عندَ الحاجةِ؛ لأنه إنَّما يُنْفِقُ عليه للضَّرورةِ وبشَرطِ الضَّمانِ كما يُنْفِقُ على المُضطرِّ بشَرطِ الضَّمانِ، وانتفاعُه بالقَناطرِ والرِّباطاتِ بالتَّبعيةِ مِنْ حَيثُ أنه قاطنٌ بدارِ الإسلامِ، لا لاختِصاصِه بحقٍّ فيها.
وأمَّا في الثانيةِ: فلاستحقاقِه، بخلافِ الغنيِّ؛ فإنه يُقطَعُ؛ لعَدمِ استِحقاقِه، إلا إذا كانَ غازِيًا أو غارِمًا لذاتِ البَينِ فلا يُقطعُ.
وإنْ لم يَكنْ له فيه حقٌّ قُطعَ؛ لانتفاءِ الشُّبهةِ.
وفي مُقابلِ الأصَحِّ وَجهانِ:
أحَدُهما: لا يُقطَعُ مُطلقًا، غَنيًّا كانَ أو فَقيرًا، سرَقَ مالَ الصَّدقةِ أو المَصالحِ؛ لأنه مُرصَدٌ للحاجةِ، والفَقيرُ يُنفَقُ عليهِ منهُ والغَنيُّ يُعطَى منه ما يَلزمُه بسَببِ حِمَالةٍ يَتحمَّلُها.
والثاني: يُقطَعُ مُطلَقًا كما في سائرِ الأموالِ.
ومَن لا يُقطَعُ بسَرقةِ مالِ بيتِ المالِ لا يُقطَعُ أصلُه أو فَرعُه أو رَقيقُه بسَرقتِه منه، وخرَجَ ببَيتِ المالِ ما لو سرَقَ مُستحِقُّ الزكاةِ مِنْ مالِ مَنْ وجَبَتْ عليهِ، فإنه إنْ كانَ المَسروقُ مِنْ غيرِ جِنسِ ما وجَبَتْ فيه قُطعَ،
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
كتاب السرقة
أَبُو يُوسُفَ: أَقْطَعُهُمَا جَمِيعًا.
(أَمَّا) عَدَمُ وُجُوبِ الْقَطْعِ عَلَى الدَّاخِلِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمة الله عليه ؛ فَلِعَدَمِ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْحِرْزِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ يَدَهُ، وَنَاوَلَ صَاحِبًا لَهُ لَمْ يُقْطَعْ، فَعِنْدَ عَدَمِ الْإِخْرَاجِ أَوْلَى، وَالْوُجُوبُ عَلَيْهِ عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ رحمة الله عليه لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
(وَأَمَّا) الْكَلَامُ فِي الْخَارِجِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ السَّارِقَ إذَا نَقَبَ مَنْزِلًا، وَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ، وَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ هَلْ يُقْطَعُ؟ ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ، وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي الْإِمْلَاءِ: " أَقْطَعُ وَلَا أُبَالِي دَخَلَ الْحِرْزَ، أَوْ لَمْ يَدْخُلْ " ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا نَقَبَ وَدَخَلَ، وَجَمَعَ الْمَتَاعَ عِنْدَ النَّقْبِ، ثُمَّ خَرَجَ، وَأَدْخَلَ يَدَهُ فَرَفَعَ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
باب القطع في السرقة
باب القَطْع في السَّرِقَة
والأصلُ فيه الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجماعُ؛ أما الكتابُ، فقولُ اللَّه تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} . وأمَّا السُّنَّةُ، فروَتْ عائشةُ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "تُقْطَعُ الْيَدُ في رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا" . وقال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، بِأَنَّهُمْ كَانُوا إذا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ" . مُتَّفَقٌ عليهما . في أخبارٍ سِوَى هذَيْن، نذْكرُها إن شاء اللَّه تعالى في مَواضِعها، وأجْمَعَ المسلمون على وُجوبِ قَطْعِ السارقِ في الجملةِ.
١٥٧٩ - مسألة؛ قال أبو القاسم، رحمه اللهُ: (وَإذَا سَرَقَ رُبْعَ دِينارٍ مِنَ الْعَيْنِ،
أَوْ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ من الْوَرِقِ، أو قِيمَةَ ثلاثةِ دَرَاهِمَ، طَعَامًا كَانَ أو غَيْرَهُ، وأخْرَجَهُ مِنَ الْحِرْزِ، قُطِعَ)
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب السرقة)
(باب ما لا قطع فيه)
(باب ما لا قطع فيه)
قال الشافعي رحمه الله: " ولا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ وَلَا فِي خِلْسَةٍ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّ وُجُوبَ الْقَطْعِ فِي النِّصَابِ مُعْتَبَرٌ بِشَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْحِرْزُ، فَإِنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ لَمْ يُقْطَعْ.
وَقَالَ دَاوُدُ: يُقْطَعُ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: الاستخفاء بأخذه، فإن أخذه نهباً أو جناية لَمْ يُقْطَعْ
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يُقْطَعُ، فَأَمَّا الْمُخْتَلِسُ فَإِنْ سَرَقَ مَا اخْتَلَسَهُ مِنْ حِرْزٍ قُطِعَ، وَإِنِ اخْتَلَسَهُ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ لَمْ يُقْطَعْ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِمَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حديث أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " ليس على الجاني ولا على المختلس ولا على الْمُنْتَهِبِ قَطْعٌ) وَهَذَا نَصٌّ.
وَلِأَنَّ السَّرِقَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْمُسَارَقَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهَا وَيُمْكِنُ استدراك
المنتهب والجاني بِاسْتِنْفَارِ النَّاسِ عَلَى الْمُنْتَهِبِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى الجاني.
فإن قيل: فقاطع الطريق مجاهر ويقطع قِيلَ: لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُ مَا أَخَذَهُ لِعَدَمِ مَنْ يُسْتَنْفَرُ عَلَيْهِ وَيُسْتَعَانُ بِهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
قال الشافعي: " وَلَا عَلَى عَبْدٍ سَرَقَ مِنْ مَتَاعِ سَيِّدِهِ) .
قال الماوردي: وأما إذا سرق العبد من مال غير سَيِّدِهِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ آبِقًا وَغَيْرَ آبِقٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْطَعُ إِنْ كَانَ آبِقًا، وَقَدْ مضى الكلام مَعَهُ فَأَمَّا إِذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ وَإِنْ هَتَكَ بِهِ حِرْزًا.
ارجع إلى أركان السرقة للاطلاع على جميع المسائل.