الإسلام > الجنايات والحدود > أركان السرقة > ثالثا: سرقة الأقارب بعضهم من بعض
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةالوالِدِ والولدِ شُبهةً في مالِ الآخرِ؛ لوُجوبِ نَفقتِه فيه، ولأنَّ بوُجودِ البَعضيةِ بينَهُما يَجري مَجرَى نفسِه، فلمْ يُقطَعْ في حقِّ نفسِه، ولأنَّ ولَدَه أحَبُّ إليهِ وأعَزُّ عليهِ مِنْ مالِه، فعُدمَ فيه معنَى القَطعِ فسقَطَ عنهُ.
ولأنَّ بينَهُما قَرابةً تَمنعُ قَبولَ شهادةِ أحدِهما لصاحبِه، فلمْ يُقطَعْ بسَرقةِ مالِه كالأبِ، ولأنَّ النفقةَ تَجبُ في مالِ الأبِ لابنِه حِفظًا له، فلا يَجوزُ إتلافُه حِفظًا للمالِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ وأبو ثَورٍ وابنُ المُنذِرِ إلى أنه يُقطَعُ؛ لأنَّ الابنَ لا شُبهةَ له في مالِ أبيه، بدَليلِ أنه لو زنَى بأمَتِه لَحُدَّ (٢).
ثالثًا: سَرقةُ الأقاربِ بعضِهم مِنْ بعضٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الأقاربِ كالإخوَةِ والأعمامِ والأخوالِ -أي ما سوَى الآباءِ والأبناءِ- إذا سرَقَ أحَدُهم مِنْ الآخَرِ، هل يُقامُ عليهِ حَدُّ السرقةِ وتُقطَعُ يَدُه أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ سَرقةَ الأقاربِ بعضِهم مِنْ بعضٍ ليسَتْ بشُبهةٍ تَدرأُ الحَدَّ عن السارقِ، فيُقطَعونَ إذا سَرقَ بعضُهم مِنْ بعضٍ، سواءٌ تَوارَثوا أو كانوا مَحارمَ أو لم يَكونُوا
(١) «الجوهرة النيرة» (٥/ ٣٩٧، ٣٩٨)، و «اللباب» (٢/ ٣٢٨)، و «الأم» (٦/ ١٥١)، و «الحاوي الكبير» (١٣/ ٣٤٧، ٣٤٩)، و «المغني» (٩/ ١١٦)، و «الكافي» (٤/ ١٧٩).
(٢) «الاستذكار» (٧/ ٥٥٩)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٤٨٦)، و «الإفصاح» (٢/ ٢٧٩)، و «المغني» (٩/ ١١٦).
كالأجانبِ؛ لأنها قَرابةٌ لا يَتعلقُ بها رَدُّ الشهادةِ، فلمْ يَتعلقْ بها سُقوطُ القَطعِ كغيرِ المَحارمِ مِنْ الأقاربِ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه لا يُقطَعُ إذا سَرقَ مِنْ ذي رَحمٍ محرمٍ كالأخِ والعمِّ، وهو الذي لو كانَ أحَدُهما رَجلًا والآخرُ امرأةً لم يَجُزْ له أنْ يَتزوجَها مِنْ أجْلِ الرَّحمِ الذي بينَهُما؛ لقولِ اللهِ ﷿: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور: ٦١]، فاللهُ تعالَى رفَعَ الجُناحَ على الداخلِ في بيتِ الأخوَةِ والأعمامِ والأكلِ منه، فظاهِرُ هذا يَقتضي الإباحةَ، والظاهرُ وإنْ تُرِكَ لِقيامِ الدليلِ يبقَى شُبهةً، ألَا ترَى أنه عطَفَ بيوتَ الأخوةِ والأعمامِ على بُيوتِ الآباءِ والأولادِ، وحُكمُ المَعطوفِ حُكمُ المَعطوفِ عليهِ.
وأما ذو الرَّحمِ غيرُ المَحرمِ فيُقطَعُ به.
ولو سرَقَ مِنْ ذي رَحمٍ محرمٍ لا رَحِمَ له بسَببِ الرَّضاعِ فقدْ قالَ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ -رحمهما الله-: يُقطَعُ الذي سرَقَ ممَّن يَحرمُ عليه مِنْ الرَّضاعِ كائنًا مَنْ كانَ؛ لأنَّ الثابتَ بالرَّضاعِ ليسَ إلا الحُرمةَ المُؤبَّدةَ، وإنها لا تَمنعُ وُجوبَ القَطعِ كما لو سَرقَ مِنْ أمِّ مَوطوءتِه، ولهذا يُقطَعُ في الأختِ مِنْ الرَّضاعِ.
(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٤٨٥، ٤٨٦)، و «الإفصاح» (٢/ ٢٧٨)، و «الأم» (٦/ ١٥١)، و «الحاوي الكبير» (١٣/ ٣٤٩)، و «المغني» (٩/ ١١٧)، و «الكافي» (٤/ ١٧٩).
وقالَ أبو يُوسفَ: إذا سَرقَ مِنْ أمِّه مِنْ الرَّضاعِ لا يُقطَعُ؛ لأنَّ المُباسَطةَ بينَهُما في الدُّخولِ ثابتةٌ عُرفًا وعادةً، فإنَّ الإنسانَ يَدخلُ في مَنزلِ أمِّه مِنْ الرَّضاعِ مِنْ غيرِ إذنٍ كما يَدخلُ في مَنزلِ أمِّه مِنْ النَّسبِ، بخِلافِ الأختِ مِنْ الرَّضاعِ.
ولو سَرقَ مِنْ امرأةِ أبيهِ أو مِنْ زَوجِ أمِّه أو مِنْ حَليلةِ ابنِه أو مِنْ ابنِ امرأتِه أو بنتِها أو أمِّها يُنظَرُ؛ إنْ سرَقَ مالَهم مِنْ مَنزلِ مَنْ يُضافُ السارقُ إليه مِنْ أبيهِ وأمِّه وابنِه وامرأتِه لا يُقطَعُ بلا خِلافٍ؛ لأنه مَأذونٌ بالدخولِ في مَنزلِ هؤلاءِ، فلم يَكنِ المَنزلُ حِرزًا في حقِّه.
وإنْ سرَقَ مِنْ مَنزلٍ آخَرَ فإنْ كانَا فيه لم يُقطَعْ بالإجماعِ، وإنْ كانَ لكُلِّ واحدٍ منهُما مَنزلٌ على حِدةٍ اختُلفَ فيهِ:
قالَ أبو حَنيفةَ: لا يُقطَعُ؛ لأنَّ في الحِرزِ شُبهةً؛ لأنَّ حقَّ التَّزاورِ ثابتٌ بينَه وبينَ قَريبِه؛ لأنَّ كونَ المَنزلِ لغيرِ قَريبِه لا يَقطعُ التزاورَ، وهذا يُورثُ شُبهةَ إباحةِ الدخولِ للزِّيارةِ، فيَختلُّ معنَى الحِرزِ.
وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: يُقطعُ إذا سَرقَ مِنْ غيرِ مَنزلِ السارقِ أو مَنزلِ أبيه أو ابنِه؛ لأنَّ المانعَ هو القَرابةُ، ولا قَرابةَ بينَ السارقِ وبينَ المَسروقِ، بل كُلُّ واحدٍ منهُما أجنَبيٌّ عن صاحبِه، فلا يَمنعُ وُجوبَ القَطعِ كما لو سَرقَ مِنْ أجنبيٍّ آخَرَ (١).
(١) «أحكام القرآن» (٤/ ٨١، ٨٣)، و «المبسوط» (٩/ ١٥١، ١٥٢)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٧٥)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٢٢٠)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٣٩٧، ٣٩٨)، و «اللباب» (٢/ ٣٢٨).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب السرقة)
(باب ما لا قطع فيه)
(باب ما لا قطع فيه)
قال الشافعي رحمه الله: " ولا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ وَلَا فِي خِلْسَةٍ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّ وُجُوبَ الْقَطْعِ فِي النِّصَابِ مُعْتَبَرٌ بِشَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْحِرْزُ، فَإِنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ لَمْ يُقْطَعْ.
وَقَالَ دَاوُدُ: يُقْطَعُ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: الاستخفاء بأخذه، فإن أخذه نهباً أو جناية لَمْ يُقْطَعْ
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يُقْطَعُ، فَأَمَّا الْمُخْتَلِسُ فَإِنْ سَرَقَ مَا اخْتَلَسَهُ مِنْ حِرْزٍ قُطِعَ، وَإِنِ اخْتَلَسَهُ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ لَمْ يُقْطَعْ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِمَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حديث أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " ليس على الجاني ولا على المختلس ولا على الْمُنْتَهِبِ قَطْعٌ) وَهَذَا نَصٌّ.
وَلِأَنَّ السَّرِقَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْمُسَارَقَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهَا وَيُمْكِنُ استدراك
المنتهب والجاني بِاسْتِنْفَارِ النَّاسِ عَلَى الْمُنْتَهِبِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى الجاني.
فإن قيل: فقاطع الطريق مجاهر ويقطع قِيلَ: لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُ مَا أَخَذَهُ لِعَدَمِ مَنْ يُسْتَنْفَرُ عَلَيْهِ وَيُسْتَعَانُ بِهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
قال الشافعي: " وَلَا عَلَى عَبْدٍ سَرَقَ مِنْ مَتَاعِ سَيِّدِهِ) .
قال الماوردي: وأما إذا سرق العبد من مال غير سَيِّدِهِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ آبِقًا وَغَيْرَ آبِقٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْطَعُ إِنْ كَانَ آبِقًا، وَقَدْ مضى الكلام مَعَهُ فَأَمَّا إِذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ وَإِنْ هَتَكَ بِهِ حِرْزًا.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
كتاب السرقة
أَبُو يُوسُفَ: أَقْطَعُهُمَا جَمِيعًا.
(أَمَّا) عَدَمُ وُجُوبِ الْقَطْعِ عَلَى الدَّاخِلِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمة الله عليه ؛ فَلِعَدَمِ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْحِرْزِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ يَدَهُ، وَنَاوَلَ صَاحِبًا لَهُ لَمْ يُقْطَعْ، فَعِنْدَ عَدَمِ الْإِخْرَاجِ أَوْلَى، وَالْوُجُوبُ عَلَيْهِ عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ رحمة الله عليه لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
(وَأَمَّا) الْكَلَامُ فِي الْخَارِجِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ السَّارِقَ إذَا نَقَبَ مَنْزِلًا، وَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ، وَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ هَلْ يُقْطَعُ؟ ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ، وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي الْإِمْلَاءِ: " أَقْطَعُ وَلَا أُبَالِي دَخَلَ الْحِرْزَ، أَوْ لَمْ يَدْخُلْ " ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا نَقَبَ وَدَخَلَ، وَجَمَعَ الْمَتَاعَ عِنْدَ النَّقْبِ، ثُمَّ خَرَجَ، وَأَدْخَلَ يَدَهُ فَرَفَعَ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
باب القطع في السرقة
باب القَطْع في السَّرِقَة
والأصلُ فيه الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجماعُ؛ أما الكتابُ، فقولُ اللَّه تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} . وأمَّا السُّنَّةُ، فروَتْ عائشةُ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "تُقْطَعُ الْيَدُ في رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا" . وقال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، بِأَنَّهُمْ كَانُوا إذا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ" . مُتَّفَقٌ عليهما . في أخبارٍ سِوَى هذَيْن، نذْكرُها إن شاء اللَّه تعالى في مَواضِعها، وأجْمَعَ المسلمون على وُجوبِ قَطْعِ السارقِ في الجملةِ.
١٥٧٩ - مسألة؛ قال أبو القاسم، رحمه اللهُ: (وَإذَا سَرَقَ رُبْعَ دِينارٍ مِنَ الْعَيْنِ،
أَوْ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ من الْوَرِقِ، أو قِيمَةَ ثلاثةِ دَرَاهِمَ، طَعَامًا كَانَ أو غَيْرَهُ، وأخْرَجَهُ مِنَ الْحِرْزِ، قُطِعَ)
ارجع إلى أركان السرقة للاطلاع على جميع المسائل.