الإسلام > الجنايات والحدود > أركان السرقة > ثانيا: حكم السرقة من الوقف
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةثانيًا: حُكمُ السَّرقةِ مِنْ الوَقفِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ سَرقَ مِنْ مالِ الوقفِ، هل تُقطعُ يَدُه أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه لا يُقطَعُ مَنْ سَرقَ مِنْ مالِ الوَقفِ؛ لأنه إنْ كانَ الوَقفُ على العامَّةِ فَمالُه كبيتِ المالِ، وإنْ كانَ على قَومٍ مَحصورِينَ فلِعَدمِ المالكِ حقيقةً، وسَواءٌ كانَ السارقُ منهُم أم لا.
وقيلَ: يُقطَعُ بطَلبِ مُتولِّي الوَقفِ، ووَجهُه كما يَقولُ ابنُ عابدِينَ رحمة الله عليه: كونُ الوَقفِ يَبقى على مِلكِ الواقفِ حُكمًا عندَ الإمامِ، وهذا في أصلِ الوَقفِ.
وأمَّا الغلَّةُ فقدْ صَرَّحوا بأنها مِلكُ المُستحِقِّينَ، لكنْ يَنبغي أنْ يُقالَ: إنْ كانَ السارقُ له حَقٌّ في الغلَّةِ لا يُقطَعُ بسرقتِه منها، سَواءٌ كانَ وَقفًا على العامَّةِ أو على قَومٍ مَحصورِينَ؛ لثُبوتِ الشَّركةِ، وكذا وَقفُ المَسجدِ إذا كانَ للسارقِ وَظيفةٌ فيه، بخِلافِ سَرقتِه لحُصُرِه وقَناديلِه؛ إذْ حقُّه في الغلَّةِ لا في الحُصرِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ الوَقفَ إذا كانَ على الناسِ أو على جِهةٍ عامَّةٍ وسرَقَ إنسانٌ منه لم يُقطَعْ ولو كانَ ذِميًّا؛ لأنه مِنْ الناسِ، ولأنه تبَعٌ لمَصالحِ المُسلمينَ.
وإنْ كانَ الوقفُ على جِهةٍ خاصَّةٍ كالفُقراءِ والمَساكينِ فسَرقَ مِنْ غلَّتِه فقيرٌ أو مِسكينٌ لم يُقطعْ؛ لأنه مِنْ أهلِ الوقفِ، وكذا إنْ كانَ له شُبهةُ
(١) «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٩٤)، و «البحر الرائق» (٥/ ٦٠).
استِحقاقٍ كما لو سَرقَ أبو المَوقوفِ عليهِ أو ابنُه، فإنْ سرَقَ منها غَنيٌّ قُطعَ في الأصحِّ؛ لأنه ليسَ مِنْ أهلِ الوقفِ، وكذا كلُّ مَنْ ليسَ مِنْ أهلِ الاستِحقاقِ أو شُبهةِ استِحقاقٍ.
وفي مُقابلِ الأصَحِّ أنه لا يُقطعُ إنْ سَرقَ مَنْ ليسَ مِنْ أهلِ استِحقاقِ الوقفِ؛ لأنه إنْ كانَ للهِ تعالَى فهو كالمُباحاتِ، وإنْ كانَ للمَوقوفِ عليهِ أو الواقفِ فلِضَعفِ الملكِ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: إنْ سَرقَ مِنْ الوَقفِ أو مِنْ غلَّتِه وكانَ مِنْ المَوقوفِ عليهِم مثلَ أنْ يكونَ مِسكينًا سرَقَ مِنْ وَقفِ المَساكينِ أو مِنْ قَومٍ مُعيَّنينَ عليهِم وَقفٌ فلا قطْعَ عليه؛ لأنه شَريكٌ، وإنْ كانَ مِنْ غَيرِهم قُطعَ؛ لأنه لا حَقَّ له فيه.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فإنْ قيلَ: فقدْ قُلتُم: «لا يُقطَعُ بالسرقةِ مِنْ بيتِ المالِ» مِنْ غيرِ تَفريقٍ بينِ غَنيٍّ وفقيرٍ، فلِمَ فَرَّقتُم ههُنا؟
قُلنا: لأنَّ للغنيِّ في بيتِ المالِ حقًّا، ولهذا قالَ عُمرُ رضي الله عنه: «ما مِنْ أحَدٍ إلَّا وله في هذا المالِ حَقٌّ»، بخِلافِ وَقفِ المَساكينِ؛ فإنه لا حَقَّ للغنيِّ فيه (٢).
وأمَّا المالِكيةُ فلمْ أقِفْ لهم على قَولٍ، وإنْ كانَ مُقتضَى كَلامِهم أنه يُقطَعُ.
(١) «البيان» (١٢/ ٤٧٢)، و «النجم الوهاج» (٩/ ١٦١، ١٦٢)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤٦٧، ٤٦٨).
(٢) «المغني» (٩/ ١١٧، ١١٨).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب السرقة)
(باب قطاع الطريق)
(باب قطاع الطريق)
(مسألة)
قال الشافعي: " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ إِذَا قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ قُتِّلُوا وَصُلِّبُوا وَإِذَا قَتَلُوا وَلَمْ يَأْخُذُوا الْمَالَ قُتِّلُوا وَلَمْ يُصَلَّبُوا وَإِذَا أَخَذُوا الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلُوا قُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ وَنَفْيُهُمْ إِذَا هَرَبُوا أَنْ يُطْلَبُوا حَتَّى يُؤْخَذُوا فَيُقَامَ عَلَيْهِمُ الْحَدُّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) فبهذا أقول) .
قال الماوردي: والأصل في الحرابة وقطاع الطرق مُجَاهَرَةً قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} المائدة: ٣٣ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَأُرِيدَ بِهَا عَلَى أربعة أقاويل:
أحدها: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَهْدٌ فَنَقَضُوهُ وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ، فَحَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ فِيهِمْ، فَيَكُونُ حُكْمُهَا مَقْصُورًا عَلَى نَاقِضِي الْعَهْدِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
كتاب السرقة
أَبُو يُوسُفَ: أَقْطَعُهُمَا جَمِيعًا.
(أَمَّا) عَدَمُ وُجُوبِ الْقَطْعِ عَلَى الدَّاخِلِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمة الله عليه ؛ فَلِعَدَمِ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْحِرْزِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ يَدَهُ، وَنَاوَلَ صَاحِبًا لَهُ لَمْ يُقْطَعْ، فَعِنْدَ عَدَمِ الْإِخْرَاجِ أَوْلَى، وَالْوُجُوبُ عَلَيْهِ عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ رحمة الله عليه لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
(وَأَمَّا) الْكَلَامُ فِي الْخَارِجِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ السَّارِقَ إذَا نَقَبَ مَنْزِلًا، وَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ، وَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ هَلْ يُقْطَعُ؟ ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ، وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي الْإِمْلَاءِ: " أَقْطَعُ وَلَا أُبَالِي دَخَلَ الْحِرْزَ، أَوْ لَمْ يَدْخُلْ " ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا نَقَبَ وَدَخَلَ، وَجَمَعَ الْمَتَاعَ عِنْدَ النَّقْبِ، ثُمَّ خَرَجَ، وَأَدْخَلَ يَدَهُ فَرَفَعَ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
باب القطع في السرقة
باب القَطْع في السَّرِقَة
والأصلُ فيه الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجماعُ؛ أما الكتابُ، فقولُ اللَّه تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} . وأمَّا السُّنَّةُ، فروَتْ عائشةُ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "تُقْطَعُ الْيَدُ في رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا" . وقال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، بِأَنَّهُمْ كَانُوا إذا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ" . مُتَّفَقٌ عليهما . في أخبارٍ سِوَى هذَيْن، نذْكرُها إن شاء اللَّه تعالى في مَواضِعها، وأجْمَعَ المسلمون على وُجوبِ قَطْعِ السارقِ في الجملةِ.
١٥٧٩ - مسألة؛ قال أبو القاسم، رحمه اللهُ: (وَإذَا سَرَقَ رُبْعَ دِينارٍ مِنَ الْعَيْنِ،
أَوْ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ من الْوَرِقِ، أو قِيمَةَ ثلاثةِ دَرَاهِمَ، طَعَامًا كَانَ أو غَيْرَهُ، وأخْرَجَهُ مِنَ الْحِرْزِ، قُطِعَ)
ارجع إلى أركان السرقة للاطلاع على جميع المسائل.