جاحد العارية

الإسلام > الجنايات والحدود > أركان السرقة > جاحد العارية

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 6 دقيقة قراءة

جاحد العارية - الأقوال والأدلة

جاحِدُ العارِيةِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ جاحدِ العاريةِ، هل تُقطَعُ يَدُه أم لا؟

فذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ القَطعَ يَجبُ على مَنْ جحَدَ العارِيةَ؛ لِمَا رَوتْ عائِشةُ رضي الله عنها قالَتْ: «كانَتِ امرأةٌ مَخزومِيةٌ تَستعيرُ المَتاعَ وتَجحَدُه فأمَرَ النبيُّ أنْ تُقطَعَ يَدُها، فأتَى أهلُها أُسامةَ بنَ زَيدٍ فكَلَّموهُ، فكلَّمَ أُسامةُ النبيَّ فيها، فقالَ له النبيُّ : يا أُسامةُ لا أرَاكَ تُكلِّمُني في حَدٍّ مِنْ حُدودِ اللهِ ﷿، ثمَّ قامَ النبيُّ خَطيبًا فقالَ: إنَّما هلَكَ مَنْ كانَ قبلَكُم بأنهُ إذا سرَقَ فيهمُ الشَّريفُ تَرَكوهُ، وإذا سرَقَ فيهمُ الضَّعيفُ قَطَعوهُ، والذي نَفسِي بيَدِه لو كانَتْ فاطِمةُ بنتُ مُحمدٍ لَقطَعْتُ يَدَها، فقطَعَ يَدَ المَخزوميَّةِ» (١)، فهذا صَريحٌ في أنَّ القَطعَ كانَ لجَحدِ العارِيةِ، وتَسميتُها سارِقةً في الصَّحيحِ دَليلٌ على أنَّ جاحِدَ العارِيةِ يُسمَّى سارِقًا، والاعتِبارُ بالتَّسميةِ الشَّرعيةِ (٢).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه لا قطْعَ على مَنْ جحَدَ العاريةَ؛ لحَديثِ جابرِ بنِ عَبدِ الله رضي الله عنهما: قالَ رَسولُ اللهِ : «ليسَ على الخائِنِ قَطعٌ» (٣).

(١) رواه مسلم (١٦٨٨)، وأبو داود (٤٣٧٤)، وأحمد (٢٥٣٣٦).
(٢) «المغني» (٩/ ٩٣، ٩٤)، و «الكافي» (٤/ ١٧٤)، و «شرح الزركشي» (٣/ ١٢٣، ١٢٤)، و «المبدع» (٩/ ١٥٥)، و «الإنصاف» (١٠/ ٢٥٣)، و «كشاف القناع» (٦/ ١٦٤)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٣٥).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤٣٩١، ٤٣٩٢)، والنسائي (٤٩٧٣، ٤٩٧٤)، وأحمد (١٥١١٢).

ولأنَّ الواجِبَ قَطعُ السارقِ، والجاحِدُ غيرُ سارقٍ، وإنما هو خائِنٌ، فأشبَهَ جاحِدَ الوَديعةِ.

وأمَّا رِوايةُ المَخزوميةِ فلا دَلالةَ فيه على وُجوبِ القَطعِ على المُستعيرِ إذا خانَ؛ إذْ ليسَ فيهِ أنه قطَعَها لأجْلِ جُحودِها للعارِيةِ، وإنَّما ذكَرَ جُحودَ العارِيةِ تَعريفًا لها؛ إذْ كانَ ذلكَ مُعتادًا مِنها حتَّى عُرفَتْ بهِ، فذكرَ ذلكَ على وَجهِ التَّعريفِ؛ لأنه ثبَتَ في الحَديثِ عن عائِشةَ رضي الله عنها أنَّ قُريشًا أهَمَّهُم شَأنُ المَرأةِ المَخزومِيةِ التي سرَقَتْ فقالُوا: مَنْ يُكلِّمُ فيها رَسولَ اللهِ ؟ فقالوا: ومَن يَجترِئُ عليهِ إلا أسامةُ حِبُّ رَسولِ اللهِ ؟! فكَلَّمَه أُسامةُ فقالَ رَسولُ اللهِ : أتَشفَعُ في حَدٍّ مِنْ حُدودِ اللهِ؟! ثمَّ قامَ فاختَطَبَ فقالَ: أيُّها الناسُ إنَّما أَهلَكَ الذينَ قبلَكُم أنهُم كانوا إذا سَرقَ فيهمُ الشَّريفُ تَرَكوهُ، وإذا سَرقَ فيهمُ الضَّعيفُ أقاموا عَليهِ الحَدَّ، وايمُ اللهِ لو أنَّ فاطِمةَ بنتَ مُحمدٍ سَرقَتْ لَقطَعتُ يَدَها» (١)، وهي هذهِ المَرأةُ التي ذُكرَ في الخبَرِ أنها كانَتْ تَستعيرُ المَتاعَ وتَجحدُه، فبيَّنَ في هذهِ الأخبارِ أنه قطَعَها لسَرقتِها لا لجُحودِها العاريةَ؛ لقَولِه فيهِ لأسامةَ: «أتَشفَعُ في حَدٍّ مِنْ حُدودِ اللهِ»، وليسَ للهِ ﷿ في كِتابِه ولا في المَعروفِ مِنْ سُنةِ نَبيِّه حَدٌّ مِنْ حُدودِه فيمَن استَعارَ المَتاعَ وجحَدَه.

وفي الحَديثِ دَليلٌ آخَرُ، وهو قَولُه : «إنَّما أَهلَكَ الذِينَ قبلَكُم أنهُم كانوا إذا سرَقَ فيهمُ الشَّريفُ تَرَكوهُ، وإذا سَرقَ فيهمُ الضَّعيفُ

(١) رواه البخاري (٦٤٠٦)، ومسلم (١٦٨٨).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 448 - 449

ارجع إلى أركان السرقة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.8 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله