الإسلام > الجنايات والحدود > أركان السرقة > حكم من سرق ماء أو ملحا أو كلأ
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 7 دقيقة قراءةالكبيرَ لا يُسرَقُ، وإنما يُخدَعُ بشَيءٍ، إلا أنْ يكونَ في حالِ زَوالِ عَقلِه بنَومٍ أو جُنونٍ فتَصحُّ سَرقتُه ويُقطعُ سارقُه.
فإنْ كانَ المَسروقُ في حالِ نَومِه أو جُنونِه أمَّ وَلدٍ ففي قَطعِ سارقِها وَجهانِ:
أحَدُهما: لا يُقطعُ؛ لأنها لا يَحلُّ بَيعُها ولا نَقلُ المِلكِ فيها، فأشبَهَتِ الحُرةَ.
والثاني: يُقطعُ؛ لأنها مَملوكةٌ تُضمَنُ بالقيمةِ، فأشبَهَتِ القِنَّ، وحُكمُ المُدبَّرِ حُكمُ القِنِّ؛ لأنه يَجوزُ بَيعُه ويُضمَنُ بقيمتِه.
فأما المُكاتبُ فلا يُقطَعُ سارقُه؛ لأنَّ مِلكَ سَيدِه ليسَ بتامٍّ عليهِ؛ لكَونِه لا يَملكُ مَنافعَه ولا استِخدامَه ولا أخْذَ أرشِ الجِنايةِ عليهِ، ولو جنَى السيِّدُ عليهِ لَزمَه له الأرشُ، ولو استَوفى مَنافعَه كَرهًا لَزمَه عِوضُها، ولو حبَسَه لَزمَه أجرةُ مِثلِه مدَّةَ حَبسِه أو إنظارُه مِقدارَ مدَّةِ حَبسِه، ولا يَجبُ القَطعُ لأجْلِ مِلكِ المُكاتبِ في نفسِه؛ لأنَّ الإنسانَ لا يَملكُ نفسَهُ، فأشبَهَ الحُرَّ، وإنْ سرَقَ مِنْ مالِ المُكاتبِ شَيئًا فعَليهِ القَطعُ؛ لأنَّ مِلكَ المُكاتبِ ثابتٌ في مالِ نفسِه، إلا أنْ يكونَ السارقُ سيِّدَه فلا قطْعَ عليهِ؛ لأنَّ له في مالِه حَقًّا وشُبهةً تَدرأُ الحَدَّ، ولذلكَ لو وَطئَ جارِيتَه لم يُحَدَّ (١).
حُكمُ مَنْ سرَقَ ماءً أو مِلحًا أو كَلأً:
نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءُ على أنَّ مَنْ سرَقَ ماءً سائلًا فإنه لا قطْعَ حِينئذٍ ولو بلَغَ قِيمةُ الماءِ المَسروقِ النِّصابَ، وسواءٌ كانَ مُحرَّزًا أو لا؛ لأنه ممَّا لا
(١) «المغني» (٩/ ٩٦).
يَتمولُ عادةً، قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا أعلَمُ في هذا خِلافًا (١).
وقالَ أيضًا رحمة الله عليه: وإنْ سرَقَ كَلأً أو مِلحًا فقالَ أبو بَكرٍ: لا قطْعَ فيهِ؛ لأنه ممَّا ورَدَ الشَّرعُ باشتِراكِ الناسِ فيهِ، فأشبَهَ الماءَ.
وقالَ أبو إسحاقَ بنُ شاقِلَا: فيه القَطعُ -وهو مَذهبُ المالِكيةِ (٢) -؛ لأنه يَتمولُ عادةً، فأشبَهَ التِّبنَ والشَّعيرَ.
وأما الثَّلجُ فقالَ القاضِي: هو كالماءِ؛ لأنه ماءٌ جامِدٌ، فأشبَهَ الجَليدَ، والأشبَهُ أنه كالمِلحِ، لأنه يَتمولُ عادةً، فهو كالمِلحِ المُنعقدِ مِنْ الماءِ.
وأما التُّرابُ فإنْ كانَ ممَّا تَقِلُّ الرغَباتُ فيه كالذي يُعَدُّ للتَّطيينِ والبناءِ فلا قطْعَ فيهِ؛ لأنه لا يَتمولُ، وإنْ كانَ ممَّا له قِيمةٌ كَثيرةٌ كالطينِ الأرمَنيِّ الذي يُعَدُّ للدَّواءِ أو المُعَدُّ للغَسلِ به أو الصَّبغِ كالمَغْرَةِ احتَملَ وَجهينِ:
أحَدُهما: لا قطْعَ فيه؛ لأنه مِنْ جِنسِ ما لا يَتمولُ، أشبَهَ الماءَ.
والثَّاني: فيه القَطعُ؛ لأنه يَتمولُ عادةً ويُحمَلُ إلى البُلدانِ للتجارةِ فيهِ، فأشبَهَ العُودَ الهِنديَّ.
ولا يُقطَعُ بسَرقةِ السِّرجينِ؛ لأنه إنْ كانَ نَجسًا فلا قِيمةَ له، وإنْ كانَ طاهرًا فلا يَتمولُ عادةً ولا تَكثرُ الرغَباتُ فيه، فأشبَهَ التُّرابَ الذي للبناءِ.
وما عُملَ مِنْ التُّرابِ كاللَّبِنِ والفخَّارِ ففيهِ القَطعُ؛ لأنه يَتموَّلُ عادةً (٣).
(١) «المغني» (٩/ ٩٧).
(٢) «تحبير المختصر» (٥/ ٣٤٦).
(٣) «المغني» (٩/ ٩٧).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
باب القطع في السرقة
باب القَطْع في السَّرِقَة
والأصلُ فيه الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجماعُ؛ أما الكتابُ، فقولُ اللَّه تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} . وأمَّا السُّنَّةُ، فروَتْ عائشةُ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "تُقْطَعُ الْيَدُ في رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا" . وقال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، بِأَنَّهُمْ كَانُوا إذا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ" . مُتَّفَقٌ عليهما . في أخبارٍ سِوَى هذَيْن، نذْكرُها إن شاء اللَّه تعالى في مَواضِعها، وأجْمَعَ المسلمون على وُجوبِ قَطْعِ السارقِ في الجملةِ.
١٥٧٩ - مسألة؛ قال أبو القاسم، رحمه اللهُ: (وَإذَا سَرَقَ رُبْعَ دِينارٍ مِنَ الْعَيْنِ،
أَوْ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ من الْوَرِقِ، أو قِيمَةَ ثلاثةِ دَرَاهِمَ، طَعَامًا كَانَ أو غَيْرَهُ، وأخْرَجَهُ مِنَ الْحِرْزِ، قُطِعَ)
ارجع إلى أركان السرقة للاطلاع على جميع المسائل.