رابعا: سرقة أحد الزوجين من الآخر

الإسلام > الجنايات والحدود > أركان السرقة > رابعا: سرقة أحد الزوجين من الآخر

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

رابعا: سرقة أحد الزوجين من الآخر - الأقوال والأدلة

رابعًا: سَرقةُ أحَدِ الزَّوجينِ مِنْ الآخَرِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو سَرقَ أحدُ الزَّوجينِ مِنْ الآخرِ مالًا، هل يُقامُ عليه الحَدُّ أم لا؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في المَذهبِ -على تَفصيلٍ عندَهم جَميعًا- إلى أنه إنْ سَرقَ أحدُ الزوجَينِ مِنْ مالِ الآخَرِ فإنْ كانَ ممَّا ليسَ مُحرزًا عنه فلا قطْعَ فيه، وإنْ سَرقَ ممَّا أحرَزَه فلا قطْعَ فيه أيضًا عندَ الحَنفيةِ والصَّحيح مِنْ المَذهبِ عندَ الحَنابلةِ؛ لقَولِ عُمرَ رضي الله عنه لعبدِ اللهِ ابنِ عَمرِو بنِ الحَضرميِّ حينَ قالَ لهُ: «إنَّ غُلامِي سَرقَ مِرآةَ امرأتِي»: «أَرسِلْه، لا قطْعَ عليه، خادِمُكم أخَذَ مَتاعَكم»، وإذا لم يُقطَعْ عَبدُه بسَرقةِ مالِها فهو أَولى، ولأنَّ كلَّ واحدٍ منهُما يَرثُ صاحِبَه بغيرِ حَجبٍ ولا تُقبَلُ شَهادتُه له ويَتبسَّطُ في مالِ الآخَرِ عادةً، فأشبَهَ الوالدَ والولدَ.

ولأنَّ كلَّ واحدٍ مِنْ الزوجَينِ له شُبهةٌ في مالِ الآخَرِ؛ أمَّا الزوجةُ: فلاستِحقاقِها النفقةَ في مالِ الزوجِ، وأما الزوجُ: فلأنه يَملكُ الحَجْرَ عليها ومنْعَها مِنْ التصرُّفِ في مالِها -على قَولِ بعضِ الفُقهاءِ-، ولأنَّ العادةَ أنَّ كلَّ واحدٍ مِنْ الزوجَينِ لا يحرزُ مالَه عن الآخَرِ، وإنْ فعَلَ ذلكَ .. كانَ نادِرًا، فألحِقَ النادرُ بالغالبِ.

قالَ الحَنفيةُ: وسواءٌ سرَقَ مِنْ البيتِ الذي هُما فيه أو مِنْ بيتٍ آخَرَ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهُما يَدخلُ في مَنزلِ صاحبِه ويَنتفعُ بمالِه عادةً، وذلكَ يُوجِبُ خَللًا في الحِرزِ وفي المِلكِ أيضًا (١).

(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٧٥، ٧٦)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٢٢٠)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٣٩٧، ٣٩٨)، و «اللباب» (٢/ ٣٢٨)، و «المهذب» (٢/ ٢٨١)، و «البيان» (١٢/ ٤٧٥، ٤٧٧)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٥٥١)، و «النجم الوهاج» (٩/ ١٥٩)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤٤٦)، و «المغني» (٩/ ١١٧)، و «الكافي» (٤/ ١٧٩)، و «كشاف القناع» (٦/ ١٨١)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٤٠).

وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابلةُ في رِوايةٍ وهو قولُ أبي ثَورٍ وابنِ المُنذرِ إلى أنه يُقطَعُ كلُّ واحدٍ مِنْ الزوجَينِ إذا سرَقَ مِنْ الآخَرِ؛ لعُمومِ الآيةِ، ولأنه مُكلَّفٌ سَرقَ مالًا مُحرزًا عنه لا شُبهةَ له فيه، أشبَهَ الأجنبيَّ، ولأنَّ الزَّوجيةَ لا تَقتضي شَركةً في المالِ، ولا شُبهةَ فيه، وإنما هي عَقدٌ على مِنافعَ (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ في قولٍ ثالثٍ إلى أنَّ الزوجَ يُقطعُ دونَ الزوجةِ؛ لأنه لا يَستحقُّ حقًّا في مالِها، ولا يَجبُ القَطعُ على الزَّوجةِ بسَرقةِ مالِ الزوجِ؛ لأنَّ الزوجةَ تَستحقُّ حقًّا في مالِه (٢).

وهذا الخِلافُ السابقُ فيما لو كانَتِ الزوجيةُ باقيةً، أمَّا لو حصَلَتْ فُرقةٌ أو طلَّقَها قبلَ الدُّخولِ ففيهِ تَفصيلٌ عندَ الحَنفيةِ، فقالُوا: لو سرَقَتِ امرأةٌ مِنْ زَوجِها أو سَرقَ رجلٌ مِنْ امرأتِه ثم طلَّقَها قبلَ الدُّخولِ بها فبانَتْ بغيرِ عِدةٍ لم يُقطَعْ واحدٌ منهُما؛ لأنَّ الأخذَ حينَ وُجودِه لم يَنعقدْ مُوجِبًا للقَطعِ؛ لقيامِ

(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٤٨٧)، و «المهذب» (٢/ ٢٨١)، و «البيان» (١٢/ ٤٧٥، ٤٧٧)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٥٥١)، و «النجم الوهاج» (٩/ ١٥٩)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤٤٦)، و «المغني» (٩/ ١١٧)، و «الكافي» (٤/ ١٧٩).
(٢) «المهذب» (٢/ ٢٨١)، و «البيان» (١٢/ ٤٧٥، ٤٧٧)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٥٥١)، و «النجم الوهاج» (٩/ ١٥٩)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤٤٦).

الزوجيةِ، فلا يَنعقدُ عندَ الإبانةِ؛ لأنَّ الإبانةَ طارئةٌ، والأصلُ أنْ لا يُعتبَرَ الطارئُ مُقارنًا في الحُكمِ؛ لِمَا فيه مِنْ مُخالَفةِ الحقيقةِ، إلا إذا كانَ في الاعتبارِ إسقاطُ الحَدِّ وقتَ الاعتبارِ، وفي الاعتبارِ ههُنا إيجابُ الحَدِّ، فلا يُعتبَرُ.

ولو سرَقَ مِنْ مُطلَّقتِه وهي في العدَّةِ أو سرَقَتْ مُطلَّقتُه وهي في العدَّةِ لم يُقطعْ واحدٌ منهُما، سواءٌ كانَ الطلاقُ رَجعيًّا أو بائنًا أو ثلاثًا؛ لأنَّ النكاحَ في حالِ قيامِ العدَّةِ قائمٌ مِنْ وَجهٍ، أو أثَرُه قائمٌ وهو العدَّةُ، وقيامُ النكاحِ مِنْ كلِّ وَجهٍ يَمنعُ القطعَ، فقيامُه مِنْ وجهٍ أو قيامُ أثَرِه يُورثُ شُبهةً.

ولو سَرقَ رَجلٌ مِنْ امرأةٍ أجنَبيةٍ ثمَّ تزوَّجَها فهذا لا يَخلو مِنْ أحَدِ وجهَينِ: إمَّا إنْ تَزوَّجَها قبلَ أنْ يُقضى عليه بالقَطعِ، وإما إنْ تزوَّجَها بعدَما قُضيَ عليه بالقطعِ، فإنْ تزوَّجَها قبلَ أنْ يُقضَى عليه بالقطعِ لم يُقطعْ بلا خِلافٍ؛ لأنَّ هذا مانعٌ طرَأَ على الحَدِّ، والمانعُ الطارئُ في الحَدِّ كالمُقارنِ؛ لأنَّ الحُدودَ تُدرأُ بالشُّبهاتِ، فيَصيرُ طَرَيانُ الزوجيةُ شُبهةً مانعةً مِنْ القطعِ كقِرانِها.

وإنْ تزوَّجَها بعدَما قُضيَ بالقطعِ لم يُقطعْ عندَ أبي حَنيفةَ رحمة الله عليه؛ لأنَّ الإمضاءَ في بابِ الحُدودِ مِنْ القَضاءِ، فكانَتِ الشبهةُ المُعترضةُ على الإمضاءِ كالمُعترضةِ على القضاءِ، ألَا تَرى أنه لو قذَفَ رَجلًا بالزِّنا وقُضيَ عليه بالحَدِّ ثم إنَّ المَقذوفَ زنَى قبلَ إقامةِ الحَدِّ على القاذفِ سقَطَ الحدُّ عنِ القاذفِ وجُعلَ الزِّنا المُعترضُ على الحَدِّ كالمَوجودِ عندَ القَذفِ، لِيُعلَمَ أنَّ الطارئَ على الحُدودِ قبلَ الإمضاءِ بمَنزلةِ المَوجودِ قبلَ القضاءِ.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب السرقة)
(باب ما لا قطع فيه)

(باب ما لا قطع فيه)

قال الشافعي رحمه الله: " ولا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ وَلَا فِي خِلْسَةٍ) .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّ وُجُوبَ الْقَطْعِ فِي النِّصَابِ مُعْتَبَرٌ بِشَرْطَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: الْحِرْزُ، فَإِنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ لَمْ يُقْطَعْ.

وَقَالَ دَاوُدُ: يُقْطَعُ.

وَالشَّرْطُ الثَّانِي: الاستخفاء بأخذه، فإن أخذه نهباً أو جناية لَمْ يُقْطَعْ

وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يُقْطَعُ، فَأَمَّا الْمُخْتَلِسُ فَإِنْ سَرَقَ مَا اخْتَلَسَهُ مِنْ حِرْزٍ قُطِعَ، وَإِنِ اخْتَلَسَهُ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ لَمْ يُقْطَعْ.

وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِمَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حديث أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: " ليس على الجاني ولا على المختلس ولا على الْمُنْتَهِبِ قَطْعٌ) وَهَذَا نَصٌّ.

وَلِأَنَّ السَّرِقَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْمُسَارَقَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهَا وَيُمْكِنُ استدراك

المنتهب والجاني بِاسْتِنْفَارِ النَّاسِ عَلَى الْمُنْتَهِبِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى الجاني.

فإن قيل: فقاطع الطريق مجاهر ويقطع قِيلَ: لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُ مَا أَخَذَهُ لِعَدَمِ مَنْ يُسْتَنْفَرُ عَلَيْهِ وَيُسْتَعَانُ بِهِ.

(مَسْأَلَةٌ)

قال الشافعي: " وَلَا عَلَى عَبْدٍ سَرَقَ مِنْ مَتَاعِ سَيِّدِهِ) .

قال الماوردي: وأما إذا سرق العبد من مال غير سَيِّدِهِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ آبِقًا وَغَيْرَ آبِقٍ.

وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْطَعُ إِنْ كَانَ آبِقًا، وَقَدْ مضى الكلام مَعَهُ فَأَمَّا إِذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ وَإِنْ هَتَكَ بِهِ حِرْزًا.

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
كتاب السرقة

أَبُو يُوسُفَ: أَقْطَعُهُمَا جَمِيعًا.

(أَمَّا) عَدَمُ وُجُوبِ الْقَطْعِ عَلَى الدَّاخِلِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمة الله عليه ؛ فَلِعَدَمِ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْحِرْزِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ يَدَهُ، وَنَاوَلَ صَاحِبًا لَهُ لَمْ يُقْطَعْ، فَعِنْدَ عَدَمِ الْإِخْرَاجِ أَوْلَى، وَالْوُجُوبُ عَلَيْهِ عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ رحمة الله عليه لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.

(وَأَمَّا) الْكَلَامُ فِي الْخَارِجِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ السَّارِقَ إذَا نَقَبَ مَنْزِلًا، وَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ، وَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ هَلْ يُقْطَعُ؟ ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ، وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي الْإِمْلَاءِ: " أَقْطَعُ وَلَا أُبَالِي دَخَلَ الْحِرْزَ، أَوْ لَمْ يَدْخُلْ " ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا نَقَبَ وَدَخَلَ، وَجَمَعَ الْمَتَاعَ عِنْدَ النَّقْبِ، ثُمَّ خَرَجَ، وَأَدْخَلَ يَدَهُ فَرَفَعَ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
باب القطع في السرقة

باب القَطْع في السَّرِقَة

والأصلُ فيه الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجماعُ؛ أما الكتابُ، فقولُ اللَّه تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} . وأمَّا السُّنَّةُ، فروَتْ عائشةُ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "تُقْطَعُ الْيَدُ في رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا" . وقال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، بِأَنَّهُمْ كَانُوا إذا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ" . مُتَّفَقٌ عليهما . في أخبارٍ سِوَى هذَيْن، نذْكرُها إن شاء اللَّه تعالى في مَواضِعها، وأجْمَعَ المسلمون على وُجوبِ قَطْعِ السارقِ في الجملةِ.

١٥٧٩ - مسألة؛ قال أبو القاسم، رحمه اللهُ: (وَإذَا سَرَقَ رُبْعَ دِينارٍ مِنَ الْعَيْنِ،

أَوْ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ من الْوَرِقِ، أو قِيمَةَ ثلاثةِ دَرَاهِمَ، طَعَامًا كَانَ أو غَيْرَهُ، وأخْرَجَهُ مِنَ الْحِرْزِ، قُطِعَ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 385 - 387

ارجع إلى أركان السرقة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.2 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله