سرقة سائر الأموال غير ما ذكر

الإسلام > الجنايات والحدود > أركان السرقة > سرقة سائر الأموال غير ما ذكر

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

سرقة سائر الأموال غير ما ذكر - الأقوال والأدلة

سَرقةُ سائرِ الأموالِ غيرِ ما ذُكرَ:

نَصَّ عامَّةُ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ ما عدَا هذا مِنْ الأموالِ ففيهِ القَطعُ، سَواءٌ كانَ طَعامًا لا يَتسارعُ إليه الفَسادُ أو ثِيابًا أو حيَوانًا أو أحجارًا أو قصَبًا أو صَيدًا أو نُوَرةً أو جِصًّا أو زِرنيخًا أو تَوابلَ أو فخَّارًا أو زُجاجًا أو غيرَه.

سَرقةُ ما يَتسارعُ إليهِ الفَسادُ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الطَّعامِ الرَّطبِ الذي يَتسارعُ إليهِ الفَسادُ كالفَواكهِ والبِطيخِ، هل يَجبُ على مَنْ سرَقَ منه نِصابًا أنْ يُقطَعَ أم لا؟

فذهَبَ الحَنفيةُ في المَذهبِ إلى أنه لا قطْعَ على سارقِ الطَّعامِ الرَّطبِ الذي يَتسارعُ إليه الفسادُ كالفَواكهِ الرَّطبةِ والطَّبائخِ واللَّحمِ واللبَنِ والبطيخِ؛ لقولِ رَسولِ اللهِ : «لا قطْعَ في ثَمرٍ ولا كَثَرٍ» (١)، والكَثَرُ هو الجُمَّارُ، وقيلَ: الوَدِيُّ وهو النَّخلُ الصِّغارُ، ولأنَّ هذا مُعرَّضٌ للهلاكِ، أشبَهَ ما لم يُحرَّزْ.

ولو سرَقَ شاةً مَذبوحةً أو ذبَحَها بنَفسِه ثمَّ أخرَجَها لا يُقطَعُ؛ لأنها صارَتْ لَحمًا ولا قطْعَ فيه.

والفَواكهُ الرَّطبةُ مثلُ العِنبِ والسَّفرجلِ والتُّفاحِ والرُّمانِ وأشباهِ ذلكَ لا قطْعَ فيها وإنْ كانَتْ مَجدودةً في حَظيرةٍ وعليها بابٌ مُقفَلٌ؛ لأنَّ هذهِ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: أبو داود (٤٣٨٨)، والترمذي (١٤٤٩)، والنسائي (٤٩٦٠)، وابن ماجه (٢٥٩٣)، وأحمد (٣/ ٤٦٣).

الأشياءَ ممَّا لا يَتمولُ عادةً وإنْ كانَتْ صالحةً للانتفاعِ بها في الحالِ؛ لأنها لا تَحتملُ الادِّخارَ والإمساكَ إلى زَمانِ حُدوثِ الحَوائجِ في المُستقبلِ، فقَلَّ خطَرُها عندَ الناسِ فكانَتْ تافهةً.

وأما الفَواكهُ اليابسةُ كالجَوزُ واللَّوزُ فإنه يُقطَعُ فيها إذا كانَتْ مُحرَّزةً.

ولا قطْعَ في بَقلٍ ولا باذِنجانٍ ولا رَيحانٍ.

ويُقطعُ في الحِنَّاءِ والوَسْمةِ؛ لأنه لا يَسرعُ إليه الفَسادُ (١).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ وأبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنه يُقطَعُ؛ لعُمومِ قولِه تعالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].

وروَى عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن أبيهِ عن جَدِّه أنَّ رسولَ اللهِ سُئلَ عنِ الثَّمرِ المُعلَّقِ فذكَرَ الحَديثَ ثمَّ قالَ: «ومَن سرَقَ منهُ شَيئًا بعدَ أنْ يُؤويَهُ الجَرِينُ فبلَغَ ثمَنَ المِجَنِّ ففيهِ القَطعُ» (٢).

ولأنه إجماعُ الصَّحابةِ رضي الله عنهم، رَوتْ عَمرةُ بِنتُ عبدِ الرحمنِ «أنَّ سارقًا سرَقَ أُترجَّةً على عَهدِ عُثمانَ رضي الله عنه فقُومِّتْ ثَلاثةَ دَراهمَ مِنْ صَرفِ اثنَي عشَرَ دِرهمًا بدينارٍ، فأمَرَ بقَطعِه»، وليسَ له في الصَّحابةِ

(١) «المبسوط» (٩/ ١٥٣)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٦٩)، و «الهداية» (٢/ ١٢٠)، و «شرح فتح القدير» (٥/ ٣٨٤)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٣٨٨، ٣٨٩).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (١٧١٠)، والترمذي (١٢٨٩)، والنسائي (٤٩٥٧)، وابن ماجه (٢٥٩٦).

مُخالِفٌ، ولأنَّ هذا مالٌ يَتموَّلُ في العادةِ ويُرغَبُ فيهِ، فيُقطَعُ سارقُه إذا اجتمَعَتِ الشُّروطِ كالمُجفَّفِ، ولأنَّ ما وجَبَ القَطعُ في مَعمولِه وجَبَ فيه قبلَ العَملِ كالذَّهبِ والفضَّةِ.

ومِن القياسِ: أنه نَوعُ مالٍ، فوجَبَ أنْ يَستحِقَّ القَطعَ بسَرقتِه كسائرِ الأموالِ، ولأنَّ ما قُطعَ في يابِسهِ قُطعَ في رَطبِه كالغَزِّ والثِّيابِ، ولأنَّ الطعامَ الرَّطبَ ألَذُّ وأشهَى والنَّفوسَ إلى تَناولِه أدعَى، فكانَ بالقَطعِ أَولى.

فأمَّا قولُه: «لا قطْعَ في ثَمرٍ ولا كَثَرٍ» فلأنَّه غيرُ مُحرَّزٍ؛ لأنَّ ثِمارَهم كانتْ بارِزةً، ولذلكَ قالَ: «فإذا آواهُ الجَرِينُ ففيهِ القَطعُ».

وأما قَولُهم: «إنه مُعرَّضٌ للتلَفِ» ففيهِ جَوابانِ:

أحَدُهما: أنه مُعرَّضٌ للاستِعمالِ دونَ البَذلِ كما يُستعملُ الطَّعامُ اليابسُ، وليسَ قِلةُ بَقائِه مُوجِبًا لسُقوطِ القَطعِ فيه، كالشَّاةِ المَريضةِ يَجبُ القَطعُ فيها وإنْ لم يَطُلْ بَقاؤُها.

والثاني: أنه قِياسٌ جُمِعَ فيه بينَ المُحرزِ وغيرِ المُحرزِ، وهُمَا مُفترقانِ في وُجوبِ القَطعِ؛ لأنَّ الحِرزَ شَرطٌ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: العُلماءُ اتَّفقوا على أنَّ كلَّ مُتملَّكٍ غيرَ ناطقٍ يَجوزُ بَيعُه وأخذُ العِوضِ منه فإنه يَجبُ في سَرقتِه القَطعُ، ما عَدا الأشياءَ الرَّطبةَ المأكولةَ والأشياءَ التي أصلُها مُباحةٌ، فإنهم اختَلفُوا في ذلكَ، فذهَبَ الجُمهورُ إلى أنَّ القَطعَ في كلِّ مُتموَّلٍ يَجوزُ بَيعُه وأخذُ العِوضِ

(١) «التمهيد» (٢٣/ ٣٠٩)، و «الحاوي الكبير» (١٣/ ٢٧٤، ٢٧٥)، و «المغني» (٩/ ٩٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
كتاب السرقة

أَبُو يُوسُفَ: أَقْطَعُهُمَا جَمِيعًا.

(أَمَّا) عَدَمُ وُجُوبِ الْقَطْعِ عَلَى الدَّاخِلِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمة الله عليه ؛ فَلِعَدَمِ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْحِرْزِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ يَدَهُ، وَنَاوَلَ صَاحِبًا لَهُ لَمْ يُقْطَعْ، فَعِنْدَ عَدَمِ الْإِخْرَاجِ أَوْلَى، وَالْوُجُوبُ عَلَيْهِ عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ رحمة الله عليه لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.

(وَأَمَّا) الْكَلَامُ فِي الْخَارِجِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ السَّارِقَ إذَا نَقَبَ مَنْزِلًا، وَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ، وَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ هَلْ يُقْطَعُ؟ ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ، وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي الْإِمْلَاءِ: " أَقْطَعُ وَلَا أُبَالِي دَخَلَ الْحِرْزَ، أَوْ لَمْ يَدْخُلْ " ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا نَقَبَ وَدَخَلَ، وَجَمَعَ الْمَتَاعَ عِنْدَ النَّقْبِ، ثُمَّ خَرَجَ، وَأَدْخَلَ يَدَهُ فَرَفَعَ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
باب القطع في السرقة

باب القَطْع في السَّرِقَة

والأصلُ فيه الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجماعُ؛ أما الكتابُ، فقولُ اللَّه تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} . وأمَّا السُّنَّةُ، فروَتْ عائشةُ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "تُقْطَعُ الْيَدُ في رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا" . وقال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، بِأَنَّهُمْ كَانُوا إذا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ" . مُتَّفَقٌ عليهما . في أخبارٍ سِوَى هذَيْن، نذْكرُها إن شاء اللَّه تعالى في مَواضِعها، وأجْمَعَ المسلمون على وُجوبِ قَطْعِ السارقِ في الجملةِ.

١٥٧٩ - مسألة؛ قال أبو القاسم، رحمه اللهُ: (وَإذَا سَرَقَ رُبْعَ دِينارٍ مِنَ الْعَيْنِ،

أَوْ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ من الْوَرِقِ، أو قِيمَةَ ثلاثةِ دَرَاهِمَ، طَعَامًا كَانَ أو غَيْرَهُ، وأخْرَجَهُ مِنَ الْحِرْزِ، قُطِعَ)

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب السرقة)
(باب ما يجب فيه القطع من كتاب الحدود وغيره)

(كِتَابُ السَّرِقَةِ)

(بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ من كتاب الحدود وغيره)

(مسألة)

قَالَ الشَّافِعِيُّ: رَحِمَهُ اللَّهُ " الْقَطْعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا لِثُبُوتِ الْخَبَرِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بذلك) .

قال الماوردي: والأصل فِي وُجُوبِ قَطْعِ السَّارِقِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} المائدة: ٣٨ وفي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " وَالسَّارِقُونَ وَالسَّارِقَاتُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا) ، فَجَعَلَ حَدَّ السَّرِقَةِ قَطْعَ الْيَدِ لِتَنَاوُلِ الْمَالِ بِهَا، وَلَمْ يَجْعَلْ حَدَّ الزِّنَا قَطْعَ الذَّكَرِ لِمُوَاقَعَةِ الزِّنَا بِهِ لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّ لِلسَّارِقِ مِثْلَ يَدِهِ إِذَا قُطِعَتْ، وَلَيْسَ لِلزَّانِي مِثْلَ ذَكَرِهِ إِذَا قُطِعَ.

وَالثَّانِي: أَنَّ الْحُدُودَ زَجْرٌ لِلْمَحْدُودِ وَغَيْرِهِ، وَالْيَدُ تُرَى وَالذَّكَرِ لَا يُرَى.

وَالثَّالِثُ: أَنَّ فِي قَطْعِ الذَّكَرِ إِبْطَالُ النَّسْلِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي قَطْعِ الْيَدِ، وَقَدْ قُطِعَ السَّارِقُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ حَكَمَ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ فأمر الله تعالى به في الإسلام فكان أول سارق قطع من الرجال في الإسلام الْخِيَارَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَمِنَ النِّسَاءِ مُرَّةَ بِنْتَ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 413 - 415

ارجع إلى أركان السرقة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.8 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله