الإسلام > الجنايات والحدود > أنواع القتل الذي تجب فيه الدية > الحالة الثانية: أن تلقيه حيا ثم يموت بسبب الجناية
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةمُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، وهذا الجَنينُ إنْ كانَ مِنْ مُؤمنَينِ أو أحَدُ أبوَيهِ فهو مَحكومٌ بإيمانِه تَبعًا، يَرثُه وَرثتُه المُؤمنونَ ولا يَرثُ الكافرُ منه شَيئًا، وإنْ كانَ مِنْ أهلِ الذِّمةِ فهو مِنْ قَومٍ بينَنَا وبينَهُم مِيثاقٌ، ولأنه نَفسٌ مَضمونٌ بالدِّيةِ، فوجَبَتْ فيه الرقبةُ كالكبيرِ، وتَركُ ذِكرِ الكفَّارةِ لا يَمنعُ وُجوبَها، كقَولِه عليه السلام: «في النَّفسِ المُؤمنةِ مِائةٌ مِنْ الإبلِ»، وذكَرَ الدِّيةَ في مَواضعَ ولم يَذكرِ الكفَّارةَ، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قضَى بدِيةِ المَقتولةِ على عاقِلةِ القاتلةِ ولم يَذكرْ كفَّارةً وهي واجِبةٌ، كذا هاهُنا، وإنما كانَ كذلكَ لأنَّ الآيةَ أغنَتْ عن ذِكرِ الكفَّارةِ في مَوضعٍ آخَرَ، فاكتُفيَ بها (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: فأما الأجِنَّةُ فإنهُم اتَّفقوا على أنَّ الواجِبَ في جَنينِ الحُرةِ وجَنينِ الأمَةِ مِنْ سيَّدِها هو غُرةٌ؛ لِما ثبَتَ عنه ﷺ مِنْ حَديثِ أبي هُريرةَ وغيرِه «أنَّ امرَأتينِ مِنْ هُذيلٍ رمَتْ إحداهُما الأخرَى فطرحَتْ جَنينَها، فقَضَى فيه رَسولُ اللهِ ﷺ بغُرةٍ عَبدٍ أو وَليدةٍ» (٢).
الحالةُ الثانيةُ: أنْ تُلقيَه حَيًّا ثم يَموت بسَببِ الجِنايةِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المَرأةَ إذا ضُرِبتْ فألقَتْ جَنينَها حَيًّا ثم ماتَ أنَّ فيه الدِّيةَ كاملةً.
(١) «المغني» (٨/ ٣٢٦، ٣٢٧).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٣١١).
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وأجمَعَ كلُّ مَنْ يُحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ في الجَنينِ يَسقطُ حَيًّا مِنْ الضربِ الدِّيةَ كاملةً.
وممَّا أجمَعُوا عليهِ أنَّ الجَنينَ إذا ضُربَ بَطنُ أمِّه فألقَتْه حَيًّا ثم ماتَ بقُربِ خُروجِه وعُلمَ أنَّ موتَه كانَ مِنْ الضَّربةِ وما فُعلَ به وبأمه ففيهِ الدِّيةُ كامِلةً، وأنه يُعتبَرُ في ذلكَ الذَّكرُ والأُنثى، وعلى هذا جَماعةُ فُقهاءِ الأمصارِ.
والعُلماءُ مُجمِعونَ على أنَّ الجَنينَ إذا خرَجَ عَقيبَ الضَّربةِ أو بسَببِها ثم ماتَ مكانَه أنَّ فيه الدِّيةَ كامِلةً، وإنْ لم يَمتْ مكانَه فالقَولِ قولُ العاقِلةِ أنه ماتَ مِنْ غيرِ جِنايةٍ (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: إذا انفَصلَ حيًّا ثم ماتَ فيَجبُ فيه كمالُ دِيةِ الكَبيرِ، فإنْ كانَ ذَكرًا وجَبَ مِائةُ بَعيرٍ، وإنْ كانَ أُنثى فخَمسونَ، وهذا مُجمعٌ عليهِ، وسَواءٌ في هذا كلِّه العَمدُ والخَطأُ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأما صِفةُ الجَنينِ الذي تَجبُ فيه فإنهُم اتَّفقوا على أنَّ مِنْ شُروطِه أنْ يَخرجَ الجَنينُ مَيتًا ولا تَموتَ أمُّه مِنْ الضَّربِ.
واختَلفُوا إذا ماتَتْ أمُّه مِنْ الضَّربِ ثم سقَطَ الجَنينُ مَيتًا، فقالَ الشافِعيُّ ومالكٌ: لا شَيءَ فيهِ، وقالَ أشهَبُ: فيه الغُرةُ، وبه قالَ الليثُ ورَبيعةُ والزُّهريُّ.
(١) «الإقناع» (٢/ ٢٩٦، ٢٩٧).
(٢) «شرح صحيح مسلم» (١١/ ١٧٦).
واختَلفُوا مِنْ هذا البابِ في فُروعٍ، وهي العَلامةُ التي تَدلُّ على سُقوطِه حيًّا أو مَيتًا.
فذهَبَ مالِكٌ وأصحابُه إلى أنَّ عَلامةَ الحَياةِ الاستِهلالُ بالصياحِ أو البكاءِ، وقالَ الشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ والثوريُّ وأكثَرُ الفُقهاءِ: كلُّ ما عُلِمتْ به الحَياةُ في العادةِ مِنْ حَركةٍ أو عُطاسٍ أو تنفُّسٍ فأحكامُه أحكامُ الحيِّ، وهو الأظهَرُ (١).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: قَتلُ الجَنينِ في بَطنِ أمِّه وهو أنْ يُضربَ بَطنُ أمِّه فتُلقيهِ حيًّا ثم يَموتُ، فقالَ كافَّةُ العلماءِ: فيهِ الدِّيةُ كاملةً في الخَطأِ وفي العَمدِ بعدَ القَسامةِ، وقيلَ: بغيرِ قَسامةٍ.
واختَلفُوا فيما به تُعلَمُ حياتُه بعدَ اتفاقِهم على أنه إذا استَهلَّ صارخًا أو ارتَضعَ أو تَنفسَ نفَسًا مُحقَّقةً حيٌّ فيهِ الدِّية كامِلةً، فإنْ تحرَّكَ فقالَ الشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ: الحَركةُ تَدلُّ على حياتِه، وقالَ مالكٌ: لا، إلا أنْ يُقارِنَها طُولُ إقامةٍ، والذَّكرُ والأُنثى عندَ كافةِ العُلماءِ في الحُكمِ سَواءٌ، فإنْ ألقَتْه مَيتًا ففيهِ غُرةٌ عَبدٌ أو وَليدةٌ، فإنْ لم تُلقِه وماتَتْ وهو في جَوفِها لم يَخرجْ فلا شَيءَ فيهِ، وهذا كلُّه إجماعٌ لا خِلافَ فيه.
ورُويَ عن اللَّيثِ بنِ سَعدٍ وداودَ أنهُما قالَا في المَرأةِ إذا ماتَتْ مِنْ ضَربِ بطنِها ثم خرَجَ الجنينُ ميتًا بعدَ موتِها: ففيهِ الغُرةُ، وسواءٌ رمَتْه قبلَ موتِها أو بعد موتِها، المُعتبَرُ حياةُ أمِّه في وقتَ ضربِها لا غيرُ.
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٣١١، ٣١٢).
المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب الجنايات
باب ما يجب به القصاص من الجنايات
ولهذا لما طعن أبو لؤلوة المجوسى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي بطنه فجاءه الطبيب وسقاه لبنا فخرج اللبن من بطنه، فقال له اعهد إلى الناس، فعهد عمر رضى الله عنه ثم مات فعملت الصحابة رضوان الله عليهم بعهده فصار كالصحيح، والله تعالى أعلم بالصواب
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
(بَابُ مَا يجب به القصاص من الجنايات)
إذا جرحه بما يقطع الجلد واللحم كالسيف والسكين والسنان، أو بما حدد من الخشب والحجر والزجاج وغيرها أو بما له مور وبعد غور كالمسلة والنشاب وما حدد من الخشب والقصب ومات منه وجب عليه القود، لانه قتله بما يقتل غالبا، وإن غرز فيه إبرة - فإن كان في مقتل كالصدر والخاصرة والعين وأصول الاذن فمات منه - وجب عليه القود، لان الاصابة بها في المقتل، كالاصابة بالسكين والمسلة في الخوف عليه، وإن كان في غير مقتل كالالية والفخذ نظرت - فإن بقى منه ضمنا إلى أن مات - وجب عليه القود، لان الظاهر أنه مات منه وان مات في الحال فَفِيهِ وَجْهَانِ
(أَحَدُهُمَا)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ أنه يجب عليه القود لان له غورا وسراية في البدن.
وفي البدن مقاتل خفية
(والثانى)
وهو قول أبى العباس وأبى سعيد الاصطخرى أنه لا يجب لانه لا يقتل في الغالب فلا بجب به القود، كما لو ضربه بمثقل صغير، ولان في المثقل فرقا بين الصغير والكبير، فكذلك في المحدد (الشرح) اللغات: المور الموج والاضطراب والجريان، ومار الدم يمور مورا جرى، وأماره أساله، ومار السنان في المطعون إذا قطعه ودخل فيه.
قال الشاعر: وأنتم أناس تغمضون من القنا إذا مار في أكتافكم وتأطرا ويقولون: فلان لا يدرى ما سائر من مائر، فالمائر السيف القاطع الذي يمور
في الضربية مورا، والسائر بيت الشعر المروى المشهور.
أما الغور فهو قعر كل شئ وقوله " ضمنا " هو الذي به الزمانة في جسده من بلاء أو كسر أو غيره.
ارجع إلى أنواع القتل الذي تجب فيه الدية للاطلاع على جميع المسائل.