أنواع القتل الذي تجب فيه الدية

الإسلام > الجنايات والحدود > أنواع القتل الذي تجب فيه الدية

مسائلُ فقهيةٌ في أنواع القتل الذي تجب فيه الدية على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

تعريف أنواع القتل الذي تجب فيه الدية وحكمها

وأمَّا الإجماعُ: فقدْ أجمَعَ أهلُ العِلمِ على وُجوبِ الدِّيةِ في الجُملةِ.

قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: إجماعُهم أنَّ على أهلِ الإبلِ في دِيةَ النَّفسِ إذا أتلفَتْ خَطأً مِائةً مِنْ الإبلِ، لا خِلافَ بينَ عُلماءِ المُسلمينَ في ذلكَ، ولا يَختلفونَ أنَّ رَسولَ اللهِ جعَلَها كذلكَ (١).

أنواعِ القَتلِ الذي تَجبُ فيه الدِّيةُ:

القَتلُ -كما تقدَّمَ- أنواعٌ: العَمدُ والخَطأُ وشِبهُ العَمدِ.

النَّوعُ الأولُ: الدِّيةُ في قَتلِ العَمدِ:

أجمَعَ أهلُ العِلمِ على وُجوبِ القِصاصِ في قَتلِ العَمدِ، كما تقدَّمَ ذلكَ في كِتابِ الجِناياتِ بالتَّفصيلِ.

إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا هل الدِّيةُ عُقوبةٌ أصلِيةٌ في قَتلِ العَمدِ وأنَّ وَليَّ المَجنيِّ عليهِ مُخيَّرٌ بينَ القَودِ والدِّيةِ؟ أم لا تَجبُ الدِّيةُ إلا بالتَّراضي؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في قَولٍ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ قتْلَ العَمدِ مُوجِبٌ للقَودِ، ولا تَجبُ الدِّيةُ إلا برِضَى الجاني، وإذا ماتَ الجاني سقَطَ القِصاصُ؛ لفَواتِ مَحلِّه، ولا تَجبُ الدِّيةُ.

وهذا لأنَّ مُوجبَ العَمدِ القَودُ عَينًا، فلا يَجبُ المالُ إلا بالصُّلحِ برِضَا القاتِلِ، بَيانُه قولُه تعالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، فلو وجَبَ المالُ أو أحَدُهما لا يَكونُ النَّفسُ بالنَّفسِ، وشَريعةُ مَنْ تَقدَّمَنا

(١) «التمهيد» (١٧/ ٣٤١).

تَلزمُنا إلا أنْ يَثبتَ النَّسخُ، وجَميعُ أحادِيثِ التَّخييرِ بينَ القِصاصِ والدِّيةِ أخبارُ آحادٍ لا يُنسَخُ بها الكِتابُ.

وقَولُه تعالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، وهو المُماثَلةُ لُغةً، والمُماثَلةُ بينَ النَّفسِ والنفسِ لا بينَها وبينَ المالِ، أو نَقولُ: ذكَرَ القِصاصَ ولَم يَذكرِ الدِّيةَ، فلو ثبَتَ التخييرُ أو الديةُ لَثبَتَ بخبَرِ الواحدِ، وأنه زِيادةٌ على الكِتابِ، والزِّيادةُ نَسخٌ والكِتابُ لا يُنسخُ به، وقالَ : «العَمدُ قَودٌ، إلا أنْ يَعفوَ وليُّ المَقتولِ» (١)، وفي لفظٍ: «ومَن قُتلَ عَمدًا فهو قَودٌ» (٢).

وقالَ : «كِتابُ اللهِ القِصاصُ» (٣)، فأخبَرَ عليه الصلاة والسلام أنَّ الذي في كِتابِ اللهِ هو القِصاصُ دونَ غيرِه.

ولأنَّ القتلَ مُوجِبٌ للقَودِ في عَمدِه والديةِ في خَطأِه، فلمَّا لم يَجُزِ العُدولُ عن الدِّيةِ في خَطأٍ إلى غيرِها إلا عن مُراضاةٍ لم يَجبْ أنُ يُعدلَ عن القَودِ إلى غيرِه إلا عن مُراضاةٍ، ولأنَّ القتلَ يُستحقُّ بالقَودِ تارةً، وبالدَّفعِ عن النفسِ أُخرى، فلمَّا لم يَملكْ بدَلَ قَتلِه دَفعًا لم يَملكْ بدَلَ قتلِه قَودًا.

ثمَّ إذا صالَحَ الأولياءُ عن مالٍ جازَ، قليلًا كانَ أو كَثيرًا، مِنْ جِنسِ الدِّيةِ أو مِنْ غَيرِ جِنسِها، حالًّا أو مُؤجَّلًا، فإنْ لم يُصالِحوا ولكنْ عَفَا بعضُهم بطَلَ القِصاصُ، ولا يَنقلبُ نَصيبُ العافي مالًا، ويَنقلبُ نَصيبُ الباقي مالًا؛

(١) رواه الدارقطني (٣/ ٩٤)، رقم (٤٥).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤٥٤١)، والنسائي (٤٧٩٠)، وابن ماجه (٢٦٣٥).
(٣) أخرجه البخاري (٢٥٥٧).

لأنَّ القِصاصَ متى تَعذَّرَ استِيفاؤُه مِنْ قِبلِ مَنْ له القِصاصُ لا يَنقلبُ نَصيبُه مالًا، ومتى تَعذَّرَ مِنْ جِهةِ مَنْ عليهِ القِصاصُ يَنقلبُ نَصيبُه مالًا، ثمَّ نَصيبُ العافي لا يَنقلبُ مالًا؛ لأنَّ الاستِيفاءَ تَعذَّرَ مِنْ جِهتِه، ونَصيبُ الذي لمْ يَعْفُ يَنقلبُ مالًا؛ لأنه تَعذَّرَ الاستِيفاءُ مِنْ جِهةِ غَيرِه (١).

وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ قتْلَ العَمدِ مُوجبٌ للقَودِ، ولوَليِّ المقتولِ أنْ يَعفوَ عنه إلى الدِّيةِ، ولا يَفتقرُ إلى مُراضاةِ القاتلِ، فيُطالبُه بأخذِ الدِّيةِ ولو لم يَرْضَ الجاني؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]، معناهُ: فمَن عَفَا له عن القِصاصِ فلْيَتبعِ الوليُّ الديةَ بمَعروفٍ، ويُؤدِّيها القاتلُ بإحسانٍ، فجعَلَ للوليِّ الاتباعَ، وعلى القاتِلِ الأداءَ، فلمَّا تفرَّدَ القاتلُ بالأداءِ وجَبَ أنْ يَنفردَ الوليُّ بالاتباعِ ولا يَقفَ على المُراضاةِ.

وعن أبي شُريحٍ الكَعبيِّ أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ: « … إنَّكُم مَعشرَ خُزاعةَ قتَلتُم هذا الرَّجلَ مِنْ هُذَيلٍ، وإنِّي عاقِلُه، فمَن قُتلَ له قَتيلٌ بعدَ اليَومِ فأهلُه بينَ خِيرَتينِ: إمَّا أنْ يَقتلُوا أو يَأخذُوا العَقلَ» (٢).

(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٥/ ١٧١، ١٧٤)، و «شرح معاني الآثار» (٣/ ١٧٤، ١٧٨)، و «الاختيار» (٥/ ٢٩، ٣٠)، و «الاستذكار» (٨/ ٤٨، ٤٩)، و «المعونة» (٢/ ٢٥٣، ٢٥٤)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٩٤، ٩٥)، و «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٥٢)، و «المهذب» (٢/ ١٨٨)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٢٩).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤٥٠٤)، والترمذي (١٤٠٦)، وأحمد (٢٧٢٠٤).

فجعَلَ الوليَّ مُخيَّرًا بينَ القَودِ والدِّيةِ، وهذا نَصٌّ.

ورَوى أبو هُريرةَ قالَ: قامَ رَسولُ اللهِ فقالَ: «ومَن قُتلَ له قَتيلٌ فهو بخَيرِ النَّظرينِ: إما يُؤديَ وإما أنْ يُقادَ» (١).

ولأنَّ القَودَ قد يَسقطُ بعَفوِ الوليِّ إذا كانَ واحِدًا، ويَعفُو أحَدُهم إذا كانُوا جَماعةً، ثمَّ ثبَتَ أنَّ سُقوطَه بعَفوِ أحَدِهم مُوجِبٌ للديةِ بغيرِ مُراضاةٍ، فكذلكَ يَكونُ وُجوبُها بعَفوِ جَميعِهم.

وتَحريرُه قِياسًا: أنه قَودٌ سقَطَ بالعفوِ عنه، فلَم تَقفِ الدِّيةُ فيه على مُراضاةٍ كما لو عَفَا عنه أحَدُهم، ولأنَّ للقتلِ بَدلينِ، وأغلَظُهما القَودُ وأخَفُّهما الديةُ، فلمَّا ملَكَ القودَ الأغلَظَ بغيرِ مُراضاةٍ كانَ بأنْ يَملكَ الديَةَ الأخفَّ بغيرِ مُراضاةٍ أَولى، ولأنَّ قتْلَ العَمدِ أغلَظُ وقتْلَ الخَطأِ أخَفُّ، فلمَّا ملَكَ الديَةَ في أخفِّهِما فأَولى أنْ يَملكَها في أغلَظِهما.

ولأنَّ للنَّفسِ بَدلينِ القَودَ والديَةَ، فلا يُستحقُّ على وَليِّ الدمِ الاقتِصارُ على أحَدِهما.

ولمَن وجَبَ له القِصاصُ الصُّلحُ على أكثَرَ مِنْ الديةِ.

ولو عَفَا الوليُّ عن القِصاصِ تَعيَّنتِ الديةُ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ.

ومتَى اختارَ الوليُّ الديَةَ تَعيَّنتْ وسقَطَ القِصاصُ عندَ الشافِعيةِ في المَذهبِ والحَنابلةِ، قالَ أحمَدُ: إذا أخَذَ الديةَ فقدْ عفَا عن الدَّمِ ولا يَملكُ

(١) أخرجه البخاري (١١٢)، ومسلم (١٣٥٥).

طلَبَ القَودِ بعدَ اختيارِ الديةِ؛ لأنه إذا أسقطَ لا يَعودُ، فإنْ قتَلَه بعدَ اختيارِ الديةِ قُتلَ به؛ لأنه عَمدٌ عُدوانٌ.

وعندَ الشافِعية في قَولٍ: إنِ اختارَ الديَةَ لا يَسقطُ القِصاصُ، ولو اختارَ القِصاصَ لم يَسقطْ حقُّه مِنْ الديَةِ، بل يَبقَى خِيارُه كما كانَ.

وإنْ عَفَا مُطلقًا بأنْ لم يُقيِّدْه بقَودٍ ولا دِيةٍ فله الديةُ؛ لانصرافِ العفوِ إلى القودِ؛ لأنه في مُقابَلةِ الانتقامِ، والانتقامُ إنما يكونُ بالقتلِ.

أو عَفا على غيرِ مالٍ بأنْ عَفَا على خَمرٍ ونحوِه فلَه الديةُ، أو عفَا على القَودِ مُطلقًا بأنْ قالَ: «عَفوتُ عن القَودِ» ولم يُقيِّدْه بشيءٍ ولو كانَ العَفوُ عن يَدِه -أي المَجنيِّ عليهِ، أو رِجلِه ونَحوِهما- فلهُ الديةُ؛ لانصِرافِ العَفوِ إلى القودِ.

وإنْ قالَ مُستحقُّ القَودِ لمَن له عَليهِ قَودٌ: «عَفوتُ عن جِنايتِكَ، أو عَفوتُ عنكَ» بَرئَ مِنْ الديَةِ كالقَودِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ في المَذهبِ؛ لأنَّ عَفوَه عن ذلكَ يَتناولُهما.

وقيلَ: إنْ قصَدَها، وقيلَ: إنِ ادَّعَى قصْدَ القَودِ فقطْ قُبلَ، وإلا بَرئَ (١).

قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: اتَّفقُوا على أنَّ لوليِّ الدمِ أحَدَ شَيئينِ: القِصاصَ أو العَفوَ، إما على الدِّيةِ وإما على غيرِ الديةِ.

(١) «الحاوي الكبير» (١٢/ ٩٥، ٩٦)، و «المهذب» (٢/ ١٨٨)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٢٥٩، ٢٦١)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٤٣٩، ٤٤٢)، و «المغني» (٨/ ٢٨٤، ٢٨٥)، و «الكافي» (٤/ ٤٩)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٢٩)، و «المبدع» (٨/ ٣٠٥)، و «كشاف القناع» (٥/ ٦٤٠، ٦٤١)، و «مطالب أولي النهى» (٦/ ٦١، ٦٢).

واختَلفُوا هل الانتقالُ مِنْ القِصاصِ إلى العَفوِ على أخذِ الديةِ هو حَقٌّ واجبٌ لوليِّ الدمِ دونَ أنْ يكونَ في ذلكَ خيارٌ للمُقتَصِّ منه؟ أم لا تَثبتُ الديَةُ إلا بتَراضي الفَريقينِ -أعنِي الوليَّ والقاتلَ- وأنه إذا لم يُرِدِ المُقتصُّ منه أنْ يُؤديَ الديَةَ لم يَكنْ لوليِّ الدمِ إلا القِصاصُ مُطلقًا أو العَفوُ؟

فقالَ مالِكٌ: لا يَجبُ للوليِّ إلا أنْ يَقتصَّ أو يَعفُو عن غيرِ دِيةٍ، إلا أنْ يَرضَى بإعطاءِ الديةِ القاتِلُ، وهي رِوايةُ ابنِ القاسِمِ عنه، وبهِ قالَ أبو حَنيفةَ والثوريُّ والأوزاعيُّ وجَماعةٌ.

وقالَ الشافِعيُّ وأحمدُ وأبو ثَورٍ وداودُ وأكثَرُ فُقهاءِ المَدينةِ مِنْ أصحابِ مالكٍ وغيرِه: وليُّ الدمِ بالخِيارِ إنْ شاءَ اقتصَّ وإنْ شاءَ أخَذَ الديةَ، رَضيَ القاتلُ أو لم يَرْضَ، ورَوى ذلكَ أشهَبُ عن مالكٍ، إلا أنَّ المَشهورَ عنه هي الرِّوايةُ الأُولى.

فعُمدةُ مالكٍ في الرِّوايةِ المَشهورةِ حَديثُ أنسِ بنِ مالكٍ في قِصةِ سِنِّ الرُّبيِّعِ أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ: «كِتابُ اللهِ القِصاصُ» (١)، فعُلِمَ بدَليلِ الخِطابِ أنه ليسَ له إلا القصاصُ.

وعُمدةُ الفَريقِ الثاني حَديثُ أبي هُريرةَ الثابتِ: «مَنْ قُتلَ له قَتيلٌ فهو بخَيرِ النَّظرينِ: بينَ أنْ يَأخذَ الدِّيةَ وبينَ أنْ يَعفوَ»، هُما حَديثانِ مُتفَقٌ على صِحتِهما، لكنَّ الأولَ ضَعيفُ الدلالةِ في أنه ليسَ له إلا القِصاصُ، والثاني نَصٌّ في أنَّ له الخِيارَ.

(١) أخرجه البخاري (٢٥٥٦).

مسائل أنواع القتل الذي تجب فيه الدية الفقهية

ارجع إلى الجنايات والحدود للاطلاع على جميع الأبواب.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.7 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل