خامسا: دية الكتابية والمجوسية

الإسلام > الجنايات والحدود > أنواع القتل الذي تجب فيه الدية > خامسا: دية الكتابية والمجوسية

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

خامسا: دية الكتابية والمجوسية - الأقوال والأدلة

خامِسًا: ديَةُ الكِتابيةِ والمجُوسيةِ:

اتَّفقَ أهلُ العِلمِ على أنَّ دِياتِ نِساءِ الكُفارِ على النِّصفِ مِنْ دِيَاتِهم، قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فأمَّا دِياتُ نِسائِهم فعَلى النِّصفِ مِنْ دِياتِهم، لا نَعلمُ في هذا خِلافًا، قالَ ابنُ المُنذرِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ ديَةَ المَرأةِ نِصفُ دِيةِ الرَّجلِ، ولأنه لمَّا كانَ ديةُ نِساءِ المُسلمينَ على النِّصفِ مِنْ دِياتِهم؛ كذلكَ نِساءُ أهلِ الكتابِ على النِّصفِ مِنْ دِياتِهم.

فَصلٌ: وجِراحاتُهم مِنْ ديَاتِهم كجِراحِ المُسلمينَ مِنْ دِياتِهم، وتُغلَّظُ دِياتُهم باجتماعِ الحُرماتِ عندَ مَنْ يَرَى تَغليظَ ديَاتِ المُسلمينَ.

قالَ حَربٌ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: فإنْ قتَلَ ذِميًّا في الحَرمِ؟ قالَ: يُزادُ أيضًا على قَدرِه كما يُزادُ على المُسلمِ، وقالَ الأثرَمُ: قيلَ لأبي عَبدِ اللهِ: جنَى على مُجوسيٍّ في عَينِه وفي يَدِه؟ قالَ: يكونُ بحِسابِ دِيتِه كما أنَّ المُسلمَ يُؤخَذُ بالحِسابِ، فكذلكَ هذا، قيلَ: قطَعَ يَدَه؟ قالَ: بالنِّصفِ مِنْ دِيتِه (١).

سادِسًا: دِيةُ الجَنينِ:

المَرأةُ إذا كانَتْ حامِلًا فضرَبَها شَخصٌ أو أخافَها فأجهَضَتْ أو ألقَتْ جَنينَها فلا يَخلُو حالُها مِنْ حالتَينِ: إمَّا أنْ تُلقيَه مَيتًا، أو أنْ تَلقيَه حيًّا.

الحالَةُ الأُولى: أنْ تُلقيَ الجَنينَ مَيتًا (سَواءً بفِعلِها أم بفِعلِ غيرِها):

إذا ألقَتِ المَرأةُ الجَنينَ مَيتًا ذكَرًا أو أُنثى فعَلى الجاني دِيةُ الجَنينِ، وهي غُرَّةٌ -عَبدٌ أو أمَةٌ- أو خَمسٌ مِنْ الإبلِ، لحَديثِ أبي هُريرةَ رضي الله عنه: قالَ:

(١) «المغني» (٨/ ٣١٣).

«اقتَتلَتِ امرَأتانِ مِنْ هُذيلٍ، فرَمَتْ إحداهُما الأُخرى بحَجرٍ، فقتَلَتْها وما في بَطنِها، فقَضَى النبيُّ أنَّ دِيةَ جَنينها عَبدٌ أو وَليدةٌ، وقَضَى بدِيةِ المَرأةِ على عاقلتِها» (١).

و «لأنه لمَّا سُئلَ عن المَرأةِ التي ضرَبَتْ ضرَّتَها بعَمودِ فُسطاطٍ فقتَلَتْها وجَنينَها، فقضَى في الجَنينِ بغُرةٍ، وقَضَى بالديَةِ على عاقِلتِها» (٢).

وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على هذا، قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ على الضارِبِ بطْنَ المَرأةِ فتَطرحُ جَنينًا مَيتًا لوَقتِه الغُرةُ (٣).

وقالَ: ثبَتَ أنَّ رَسولَ اللهِ حكَمَ في الجَنينِ بغُرةٍ عَبدٍ، وبه قالَ عَوامُّ أهلِ العِلمِ.

وأجمَعَ كلُّ مَنْ أحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ أنه يَجبُ على الضارِبِ بطْنَ المَرأةِ مع الغُرَّةِ الرَّقبةُ.

وفي جَنينِ اليَهوديةِ والنَّصرانيةِ عُشرُ دِيةِ أمِّه، وبه قالَ جَماعةٌ مِنْ الفُقهاءِ، ولم أحفَظْ فيه مِنْ خِلافِ قَولِهم.

وإنْ لم تُلْقِه وماتَ في جَوفِها ولم يَخرجْ فلا شَيءَ فيهِ ولا حُكمَ له، وهو أيضًا إجماعٌ لا خِلافَ فيه.

(١) أخرجه البخاري (٦٩١٠)، ومسلم (١٦٨١).
(٢) أخرجه مسلم (١٦٨٢).
(٣) «الإجماع» (٧١١).

وجَماعةُ فُقهاءِ الأمصارِ يَقولونَ في المَرأةِ إذا ماتَتْ مِنْ ضَربةِ بَطنِها ثم خرَجَ الجَنينُ مَيتًا بعدَ مَوتها أنه لا يُحكَمُ فيه بشَيءٍ، وأنه هَدرٌ إذا ألقَتْه بعدَ مَوتِها، إلا الليثَ وداودَ فإنهُما قالَا: إذا ضرَبَ بطن امرأةٍ وهيَ حيَّةٌ فألقَتْ جَنينًا مَيتًا ففيهِ الغُرةُ، وسَواءٌ ألقَتْه بعدَ مَوتِها أو قبلَ مَوتِها.

وسائرُ الفُقهاءِ يَقولونَ: إذا عُلِمتْ حَياتَه بحَركةٍ أو عُطاسٍ أو استِهلالٍ أو بغيرِ ذلكَ ممَّا يُستيقَنُ به حَياتُه ثم ماتَ ففيهِ الدِّيةُ كامِلةً.

واتَّفقَ الجَميعُ على أنَّ الضارِبَ العامِدَ لضَربِ بَطنِ المرأةِ لو ألقَتْ جَنينًا مَيتًا أنه لا يَجبُ عليهِ قَودٌ ولا دِيةٌ (١).

وقالَ الإمامُ أبو عُمرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: أجمَعَ العُلماءُ أنَّ الغُرةَ تَجبُ في الجَنينِ الذي يَسقطُ مِنْ بَطنِ أمِّه مَيتًا وهي حَيةٌ في حينِ سُقوطِه، وأنَّ الذكَرَ والأُنثى في ذلكَ سواءٌ، في كلِّ واحدٍ منهُما الغُرةُ (٢).

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: واتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ ديَةَ الجَنينِ هي الغُرةُ، سَواءٌ كانَ الجَنينُ ذكَرًا أو أُنثى، قالَ العُلماءُ: وإنما كانَ كذلكَ لأنه قد يَخفَى فيَكثرُ فيه النِّزاعُ، فضبَطَه الشرعُ بضابطٍ يَقطعُ النزاعَ، وسَواءٌ كانَ خَلقُه كامِلَ الأعضاءِ أم ناقِصَها، أو كانَ مُضغةً تَصوَّرَ فيها خَلقُ آدَميٍّ، ففي كلِّ ذلكَ الغُرةُ بالإجماعِ (٣).

(١) «الإقناع» (٢/ ٢٩٥، ٢٩٧)، و «الإشراف» (٤/ ٢٦٢، ٢٦٣)، و «الإجماع» (٧٠٦، ٦٠٧، ٧٠٨، ٧٠٩).
(٢) «الاستذكار» (٨/ ٧٤).
(٣) «شرح صحيح مسلم» (١١/ ١٧٦)، و «البيان» (١١/ ٤٩٥، ٤٩٧).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مسألة: قال: (وإذا شَربَتِ الحامِلُ دَواءً فألقَتْ به جَنينًا فعَليها غُرةٌ لا تَرثُ منها شَيئًا وتُعتِقُ رَقبةً).

ليسَ في هذهِ الجُملةِ اختِلافٌ بينَ أهلِ العِلمِ نَعلمُه، إلا ما كانَ مِنْ قولِ مَنْ لم يُوجِبْ عِتقَ الرقبةِ على ما قدَّمْنا؛ وذلكَ لأنها أسقَطَتِ الجَنينَ بفِعلِها وجِنايتِها، فلَزمَها ضَمانُه بالغُرةِ كما لو جنَى عليهِ غيرُها، ولا تَرثُ مِنْ الغُرةِ شَيئًا؛ لأنَّ القاتلَ لا يَرثُ المَقتولَ، وتكونُ الغُرةُ لسائرِ وَرثتِه، وعليهَا عِتقُ رَقبةٍ كما قدَّمْنا، ولو كانَ الجاني المُسقِطُ للجَنينِ أباهُ أو غيرَه مِنْ وَرثتِه فعَليهِ غُرةٌ لا يَرثُ منها شَيئًا ويُعتِقُ رقبةً، وهذا قولُ الزُّهريِّ والشافِعيِّ وغيرِهما (١).

وقالَ قبلَ ذلكَ: مَسألةٌ: قالَ: (وعلى كلِّ مَنْ ضرَبَ ممَّن ذَكرتُ عِتقُ رقبةٍ مُؤمنةٍ، سواءٌ كانَ الجَنينُ حيًّا أو مَيتًا).

هذا قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، منهُم الحَسنُ وعَطاءٌ والزُّهريُّ والحَكمُ ومالكٌ والشافِعيُّ وإسحاقُ، قالَ ابنُ المُنذرِ: كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ أوجَبَ على ضاربِ بَطنِ المَرأةِ تُلقي جَنينًا الرَّقبةَ مع الغُرةِ، ورُويَ ذلكَ عن عُمرَ رضي الله عنه، وقالَ أبو حَنيفةَ: لا تَجبُ الكفَّارةُ؛ لأنَّ النبيَّ لم يُوجِبِ الكفَّارةَ حينَ أوجَبَ الغُرةَ.

ولنا: قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وقالَ: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ

(١) «المغني» (٨/ ٣٢٧)، و «كشاف القناع» (٦/ ٢٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
وجوب الدية

التَّحْرِيرُ فِيهِ تَوْبَةً.

(وَجْهُ) الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ مُغَلَّظَةٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِيهَا ثَابِتَةٌ، بِخِلَافِ الْخَطَأِ فَلَا يَصْلُحُ التَّحْرِيرُ تَوْبَةً بِهَا كَمَا فِي الْعَمْدِ؟ وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا الْقَتْلُ الْخَطَأُ فَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فَنُفَصِّلُ الْكَلَامَ فِيهِ فَنَقُولُ: الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ إمَّا أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا حُرَّيْنِ، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا، وَالْمَقْتُولُ عَبْدًا، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ عَبْدًا، وَالْمَقْتُولُ حُرًّا، وَإِمَّا أَنْ كَانَا جَمِيعًا عَبْدَيْنِ، فَإِنْ كَانَا حُرَّيْنِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ مِنْهَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ وُجُودِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَهِيَ نَوْعَانِ: بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ، وَبَعْضُهَا إلَى الْمَقْتُولِ، أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ فَالْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْكَافِرِ، وَالْمَجْنُونِ، وَالصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِشَرَائِعَ هِيَ عِبَادَاتٌ، وَالْكَفَّارَةُ عِبَادَةٌ، وَالصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ لَا يُخَاطَبَانِ بِالشَّرَائِعِ أَصْلًا.

وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَقْتُولِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَعْصُومًا فَلَا تَجِبُ بِقَتْلِ الْحَرْبِيِّ، وَالْبَاغِي لِعَدَمِ الْعِصْمَةِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 463 - 466

ارجع إلى أنواع القتل الذي تجب فيه الدية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله