الإسلام > الجنايات والحدود > أنواع القتل الذي تجب فيه الدية > لماذا تتحمل العاقلة الدية في قتل الخطأ؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةواختَلفَ أصحابُ مالِكٍ عنه، فقالَ ابنُ القاسِمِ كقَولِ أبي حَنيفةَ، وقالَ غيرُه: لا يَجبُ على الجاني الدُّخولُ مع العاقِلةِ.
وقالَ الشافِعيُّ: إنِ اتَّسعَتِ العاقِلةُ للدِّيةِ لم يَلزمِ الجانِيَ شَيءٌ، وإنْ لم تَتسِعِ العاقلةُ لها لَزمَه.
وقالَ أحمَدُ: لا يَلزمُه شَيءٌ، سَواءٌ اتَّسعَتِ العاقِلةُ لتَحمُّلِها أم لم تتَّسعْ، وعلى هذا فمَتى لم تَتسِعِ العاقلةُ لتحمُّلِ جَميعِ الدِّيةِ انتَقلَ باقي ذلكَ إلى بَيتِ المالِ، والأصلُ حَديثُ حُويصةَ ومَحيصةَ (١).
لماذا تَتحمَّلُ العاقِلةُ الدِّيةَ في قَتلِ الخَطأِ؟
الأصلُ وُجوبُ الدِّيةِ على الجاني نَفسِه؛ لأنَّ سبَبَ وُجوبِها هو القَتلُ وأنه وُجدَ منه، فكانَ يَنبغي أنْ يُؤاخَذَ هو بالدِّيةِ كما أنه يَتحمَّلُ ديَةَ العَمدِ وإتلافَ الأموالِ، لكنَّ الشارِعَ الحَكيمَ ترَكَ هذا الأصلَ في ديَةَ الخَطأِ بنَصِّ الحَديثِ أنه ﷺ جعَلَها على العاقِلةِ كما تقدَّمَ.
والحِكمةُ في ذلكَ كما يَقولُ العُلماءُ: أنَّ جِناياتِ الخَطأِ تَكثرُ، وديَةُ الآدَميِّ كَثيرةٌ، فإيجابها على الجاني في مالِه يُجحِفُ به، فاقتَضَتِ الحِكمةُ إيجابَها على العاقِلةِ على سَبيلِ المُواساةِ للقاتلِ والإعانةِ له تَخفيفًا عنه إذا كانَ مَعذورًا في فِعلِه، ويَنفردُ هو بالكفَّارةِ (٢).
(١) «الإفصاح» (٢/ ٢٤٧، ٢٤٨).
(٢) «المغني» (٨/ ٢٩٧)، و «المبدع» (٨/ ٣٢٨).
وقالَ الإمامُ أبو بكرٍ الجصَّاصُ رحمة الله عليه: فإنْ قيلَ: قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقالَ النبيُّ ﷺ: «لا يُؤخَذُ الرَّجلُ بجَريرةِ أبيهِ ولا بجَريرةِ أخيهِ»، وقالَ لأبي رَمثةَ وابنِه: «إنه لا يَجنِي عليكَ ولا تَجنِي عليهِ»، والعُقولُ أيضًا تَمنعُ أخْذَ الإنسانِ بذَنبِ غيرِه.
قيلَ له: أمَّا قولُه تعالَى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فلا دَلالةَ فيه على نَفيِ وُجوبِ الدِّيةِ على العاقِلةِ؛ لأنَّ الآيةَ إنما نفَتْ أنْ يُؤخَذَ الإنسانُ بذَنبِ غيرِه، وليسَ في إيجابِ الدِّيةِ على العاقِلةِ أخذُهم بذَنبِ الجاني، إنما الدِّيةُ عندَنا على القاتلِ، وأمَرَ هؤلاءِ القَومَ بالدُّخولِ معَه في تَحمُّلِها على وَجهِ المُواساةِ له مِنْ غيرِ أنْ يُلزِمَهم ذنْبَ جِنايتِه، وقد أوجَبَ اللهُ في أموالِ الأغنياءِ حُقوقًا للفُقراءِ مِنْ غيرِ إلزامِهم ذَنبًا لم يُذنبوهُ، بل على وَجهِ المُواساةِ، وأمَرَ بصِلةِ الأرحامِ بكُلِّ وَجهٍ أمكَنَ ذلكَ، وأمَرَ ببِرِّ الوالِدينِ، وهذهِ كلُّها أمورٌ مَندوبٌ إليها للمُواساةِ وصَلاحِ ذاتِ البَينِ، فكذلكَ أُمِرَتِ العاقِلةُ بتحمُّلِ الدِّيةِ عن قاتلِ الخَطأِ على جهةِ المُواساةِ مِنْ غيرِ إجحافٍ بهم به، وإنما يَلزمُ كلَّ رَجلٍ منهُم ثَلاثةُ دَراهمَ أو أربَعةُ دَراهمَ، ويُجعلُ ذلكَ في أُعطِياتِهم إذا كانَوا مِنْ أهلِ الدِّيوانِ، ومُؤجَّلةً ثَلاثَ سِنينَ، فهذا ممَّا نُدِبوا إليهِ مِنْ مَكارمِ الأخلاقِ.
وقد كانَ تَحمُّلُ الدِّياتِ مَشهورًا في العَربِ قبلَ الإسلامِ، وكانَ ذلكَ ممَّا يُعَدُّ مِنْ جَميلِ أفعالِهم ومَكارمِ أخلاقِهم، وقالَ النبيُّ ﷺ:
«بُعثْتُ لأتَمِّمَ مَكارمَ الأخلاقِ»، فهذا فِعلٌ مُستحسَنٌ في العَقلِ مَقبولٌ في الأخلاقِ والعاداتِ.
وكذلكَ قَولُ النبيِّ ﷺ: «لا يُؤخَذُ الرَّجلُ بجَريرةِ أبيهِ ولا بجَريرةِ أخيه»، «ولا يَجني عَليكَ ولا تَجني عليهِ» لا يَنفي وُجوبَ الدِّيةِ على العاقِلةِ على هذا النَّحوِ الذي ذكَرْناهُ مِنْ معنَى الآيةِ مِنْ غيرِ أنْ يُلامَ على فِعلِ الغيرِ أو يُطالَبَ بذَنبِ سِواهُ.
ولوُجوبِ الدِّيةِ على العاقِلةِ وُجوهٌ سائِغةٌ مُستحسَنةٌ في العُقولِ:
أحَدُها: أنه جائزٌ أنْ يُتعبَّدَ اللهُ تعالَى بَدِيًّا بإيجابِ المالِ عليهِم لهذا الرَّجلِ مِنْ غيرِ قَتلٍ كانَ منه، كما أوجَبَ الصَّدقاتِ في مالِ الأغنياءِ للفُقراءِ.
والثَّاني: أنَّ مَوضوعَ الدِّيةِ على العاقِلةِ إنما هو على النُّصرةِ والمَعونةِ، ولذلكَ أوجَبَها أصحابُنا على أهلِ دِيوانِه دونَ أقربائِه؛ لأنهُم أهلُ نُصرتِه، ألَا تَرى أنهُم يَتناصَرونَ على القتالِ والحِمايةِ والذبِّ عن الحَريمِ، فلمَّا كانُوا مُتناصِرينَ في القِتالِ والحِمايةِ أُمِروا بالتناصُرِ والتعاوُنِ على تحمُّلِ الدِّيةِ؛ ليَتساوَوا في حَملِها كما تَساوَوا في حِمايةِ بعضِهم بعضًا عندَ القتالِ.
والثالِثُ: أنَّ في إيجابِ الدِّيةِ على العاقِلةِ زوالَ الضَّغينةِ والعَداوةِ مِنْ بعضِهم لبعضٍ إذا كانَت قبلَ ذلكَ، وهو داعٍ إلى الأُلفةِ وصَلاحِ ذاتِ البَينِ، ألَا تَرى أنَّ رَجلَينِ لو كانَتْ بَينُهما عَداوةٌ فتَحمَّلَ أحَدُهما عن صاحبِه ما قد لَحِقَه لَأدَّى ذلكَ إلى زوالِ العَداوةِ وإلى الأُلفةِ وصَلاحِ ذاتِ البَينِ، كما لو
قصَدَه إنسانٌ بضَررٍ فعاوَنَه وحَماهُ عنه انسَلَّتْ سَخيمةُ قَلبِه وعادَ إلى سَلامةِ الصَّدرِ والمُوالاةِ والنُّصرةِ.
والرابعُ: أنه إذا تحمَّلَ عنه جِنايتَه حمَلَ عنه القاتلُ إذا جنَى أيضًا، فلَم يَذهبْ حَملُه للجِنايةِ عنه ضَياعًا، بل كانَ له أثرٌ مَحمودٌ يَستحقُّ مِثلَه عليهِ إذا وقَعَتْ منه جِنايةٌ.
فهذهِ وُجوهٌ كلُّها مُستحسَنةٌ في العُقولِ غيرُ مَدفوعةٍ، وإنما يُؤتَى المُلحِدُ المُتعلِّقُ بمِثلِه مِنْ ضِيقِ عَطنِه وقِلةِ مَعرفتِه وإعراضِه عن النَّظرِ والفِكرِ، والحَمدُ للهِ على حُسنِ هِدايتِه وتَوفيقِه (١).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وقالَ أبو بَكرٍ الأصَمُّ: يَتحملُ القاتلُ دونَ العاقِلةِ؛ لأنه لا يَجوزُ أنْ يُؤاخَذَ أحَدٌ بذَنبِ غيرِه؛ قالَ اللهُ ﷾: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقالَ جلَّتْ عظَمَتُه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ولهذا لم تَتحمَّلِ العاقِلةُ ضَمانَ الأموالِ ولا ما دُونَ نِصفِ عُشرِ الدِّيةِ، كذا هذا.
ولنا: أنه عليه الصلاة والسلام قضَى بالغُرَّةِ على عاقِلةِ الضارِبةِ، وكذا قضَى سَيدُنا عُمرُ رضي الله عنه بالدِّيةِ على العاقِلةِ بمَحضرٍ مِنْ الصَّحابةِ رضي الله عنهم مِنْ غيرِ نَكيرٍ.
وأما الآيةُ الشَّريفةُ فنَقولُ بمُوجَبِها، لكنْ لِمَ قُلتُم: «إنَّ الحَملَ على العاقِلةِ أخذٌ بغَيرِ ذنبِ»؟ فإنَّ حِفظَ القاتلِ واجِبٌ على عاقِلتِه، فإذا لم
(١) «أحكام القرآن» (٣/ ١٩٤، ١٩٥).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
وجوب الدية
التَّحْرِيرُ فِيهِ تَوْبَةً.
(وَجْهُ) الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ مُغَلَّظَةٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِيهَا ثَابِتَةٌ، بِخِلَافِ الْخَطَأِ فَلَا يَصْلُحُ التَّحْرِيرُ تَوْبَةً بِهَا كَمَا فِي الْعَمْدِ؟ وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْقَتْلُ الْخَطَأُ فَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فَنُفَصِّلُ الْكَلَامَ فِيهِ فَنَقُولُ: الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ إمَّا أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا حُرَّيْنِ، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا، وَالْمَقْتُولُ عَبْدًا، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ عَبْدًا، وَالْمَقْتُولُ حُرًّا، وَإِمَّا أَنْ كَانَا جَمِيعًا عَبْدَيْنِ، فَإِنْ كَانَا حُرَّيْنِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ مِنْهَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ وُجُودِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَهِيَ نَوْعَانِ: بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ، وَبَعْضُهَا إلَى الْمَقْتُولِ، أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ فَالْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْكَافِرِ، وَالْمَجْنُونِ، وَالصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِشَرَائِعَ هِيَ عِبَادَاتٌ، وَالْكَفَّارَةُ عِبَادَةٌ، وَالصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ لَا يُخَاطَبَانِ بِالشَّرَائِعِ أَصْلًا.
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَقْتُولِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَعْصُومًا فَلَا تَجِبُ بِقَتْلِ الْحَرْبِيِّ، وَالْبَاغِي لِعَدَمِ الْعِصْمَةِ.
ارجع إلى أنواع القتل الذي تجب فيه الدية للاطلاع على جميع المسائل.