دية العمد في مال الجاني

الإسلام > الجنايات والحدود > أنواع القتل الذي تجب فيه الدية > دية العمد في مال الجاني

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

دية العمد في مال الجاني - الأقوال والأدلة

والجَمعُ بينَهُما يُمكنُ إذا رُفعَ دليلُ الخِطابِ مِنْ ذلكَ، فإنْ كانَ الجَمعُ واجبًا ومُمكِنًا فالمَصيرُ إلى الحَديثِ الثاني واجِبٌ، والجُمهورُ على أنَّ الجَمعَ واجِبٌ إذا أمكَنَ، وأنه أَولى مِنْ التَّرجيحِ.

وأيضًا فإنَّ اللهَ ﷿ يَقولُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وإذا عُرضَ على المُكلَّفِ فِداءُ نَفسِه بمالٍ فواجِبٌ عليهِ أنْ يَفديَها، أصلُه إذا وجَدَ الطَّعامَ في مَخمصةٍ بقِيمةِ مِثلِه وعندَه ما يَشتريهِ، أعني أنه يُقضَى عليهِ بشِرائهِ، فكيفَ بشراءِ نَفسهِ؟! ويَلزمُ على هذهِ الرِّوايةِ إذا كانَ للمَقتولِ أولياءُ صِغارٌ وكِبارٌ أنْ يُؤخرَ القتلُ إلى أنْ يَكبَرَ الصغارُ فيَكونَ لهُم الخيارُ، ولا سيَّما إذا كانَ الصغارُ يَحجبونَ الكِبارَ مثلَ البَنينَ مع الإخوةِ.

قالَ القاضي: وقد كانَتْ وقَعَتْ هذه المَسألةُ بقُرطبةَ حَياةَ جَدِّي رحمة الله عليه، فأفتَى أهلُ زَمانِه بالرِّوايةِ المَشهورةِ، وهو أنْ لا يُنتظرَ الصغيرُ، فأفتَى هو رحمة الله عليه بانتِظارِه على القِياسِ، فشنَّعَ أهلُ زَمانِه ذلكَ عليهِ لِمَا كانُوا عليهِ مِنْ شِدةِ التَّقليدِ، حتى اضطرَّ أنْ يَضعَ في ذلكَ قولًا يَنتصرُ فيه لهذا المَذهبِ، وهو مَوجودٌ بأيدي الناسِ (١).

دِيَةُ العَمدِ في مالِ الجانِي:

إذا أُخذَتِ الدِّيةُ في القتلِ العَمدِ فهي مِنْ مالِ الجانِي بالإجماعِ؛ لقَولِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «لا تَحمِلُ العاقِلةُ عَمدًا، ولا عَبدًا، ولا صُلحًا، ولا اعتِرافًا» (٢).

(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٠١).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه البيهقي (٨/ ١٠٤).

قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا على أنَّ العاقِلةَ لا تَحملُ دِيةَ العَمدِ، وأنها تَحملُ ديةَ الخَطأِ (١).

وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ العاقِلةَ لا تَحملُ دِيةَ العَمدِ، وأنها في مالِ الجاني (٢).

وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: لا خِلافَ أنَّ دِيةَ العَمدِ لا تَحملُها العاقِلةُ، سَواءٌ وجَبَ فيها القَودُ أو لم يَجبْ، كجِنايةِ الوالدِ على الوَلدِ وما لا قِصاصَ فيه مِنْ الجائفةِ وسائرِ الجِراحِ، وتَكونُ الدِّيةُ حالَّةً في مالِ الجاني.

وقالَ أبو حَنيفةَ: «ما لا قِصاصَ فيه مِنْ العَمدِ تَجبُ الدِّيةُ فيه على الجاني مُؤجَّلةً كالخَطأِ»، وهذا خَطأٌ لأمورٍ:

أحَدُها: أنَّ سُقوطَ القَودِ في العَمدِ لا يُوجِبُ تأجيلَ ديَتِه كسُقوطهِ بالعَفوِ.

والثَّاني: أنْ غُرمَ المُتلَفِ إذا لم يَدخلْه التحمُّلُ حَلَّ كالأموالِ.

والثالثُ: أنه لمَّا لم يَتعجَّلْ دِيةَ الخَطأِ باختِلافِ أحوالِه لم تَتأجَّلْ دِيةُ العَمدِ باختِلافِ أحوالِه (٣).

وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: مالكٌ عن ابنِ شِهابٍ أنه قالَ: مضَتِ السُّنةُ أنَّ العاقِلةَ لا تَحملُ شَيئًا مِنْ دِيةِ العَمدِ، إلا أنْ يَشاؤُوا ذلكَ.

مالكٌ عن يَحيَى بنِ سَعيدٍ مثلُ ذلكَ، قالَ مالِكٌ: إنَّ ابنَ شِهابٍ قالَ:

(١) «الإجماع» (٧٠٥).
(٢) «تفسير القرطبي» (٥/ ٣٣١).
(٣) «الحاوي الكبير» (١٢/ ٣٤٠).

مضَتِ السُّنةُ في قَتلِ العَمدِ حينَ يَعفُو أولياءُ المَقتولِ أنَّ الدِّيةَ تكونُ على القاتلِ في مالِه خاصَّةً، إلا أنْ تُعِينَه العاقِلةُ عن طِيبٍ نَفسٍ منها.

قالَ أبو عُمرَ: هذهِ الآثارُ كلُّها في معنًى واحدٍ، وهو أنَّ العاقِلةَ ليسَ عليها أنْ تَحملَ شَيئًا مِنْ دِية العَمدِ، والعَمدُ لا ديَةَ فيه، إنما فيه القَودُ، إلا أنْ يَعفوَ أولياءُ المَقتولِ عن القاتلِ ليَأخُذوا الدِّيةَ ويَصطلِحوا على ذلكَ، أو يَعفوَ أحَدُهم ممَّن له العَفوُ، فيَرتفعُ القتلُ وتَجبُ الدِّيةُ لمَن لم يَعْفُ بشَرطٍ أو بغيرِ شَرطٍ، أو تكونُ الجِنايةُ فيما دُونَ النفسِ مِنْ الجِراحِ عَمدًا تَبلغُ الثُّلثَ فصاعِدًا، أو لم يَكنْ إلى القِصاصِ سَبيلٌ كالجائِفةِ وشِبهِها (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ ديَةَ العَمدِ تَجبُ في مالِ القاتلِ لا تَحملُها العاقِلةُ، وهذهِ قَضيةُ الأصلِ، وهو أنَّ بدَلَ المتلَفِ يَجبُ على المُتلِفِ، وأرشُ الجِنايةِ على الجاني، قالَ النبيُّ : «لا يَجنِي جانٍ إلا عَلى نَفسِه»، وقالَ لبَعضِ أصحابِه حينَ رَأى معَه ولَدَه: «ابنُكَ هذا؟ قالَ: نعَمْ، قالَ: أمَا أنه لا يَجنِي عليكَ ولا تَجني عليهِ»، ولأنَّ مُوجبَ الجِنايةِ أثَرُ فِعلِ الجاني، فيَجبُ أنْ يَختصَّ بضَررِها كما يَختصُّ بنَفعِها، فإنه لو كسَبَ كانَ كَسبُه له دونَ غيرِه، وقد ثبَتَ حُكمُ ذلكَ في سائِرِ الجِناياتِ والأكسابِ، وإنما خُولِفَ هذا الأصلُ في قَتلِ المَعذورِ فيه؛ لكَثرةِ الواجِبِ وعَجزِ الجاني في الغالبِ عن تَحمُّلِه مع وُجوبِ الكفَّارةِ

(١) «الاستذكار» (٨/ ١٢٥).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
في الأعضاء التي تجب فيها الدية كاملة

وَقْتُهُ مَا بَعْدَ الْجِنَايَةِ وَلَا يُنْتَظَرُ (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّهُ وَجَبَ الْقِصَاصُ لِلْحَالِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْوَاجِبَ لِلْحَالِ.

(وَلَنَا) مَا رُوِيَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ «لَا يُسْتَقَادُ مِنْ الْجِرَاحَةِ حَتَّى يَبْرَأَ» .

وَرُوِيَ أَنَّ «رَجُلًا جَرَحَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ رحمة الله عليه فِي فَخِذِهِ بِعَظْمٍ فَجَاءَ الْأَنْصَارُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَطَلَبُوا الْقِصَاصَ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام انْتَظِرُوا مَا يَكُونُ مِنْ صَاحِبِكُمْ فَأَنَا وَاَللَّهِ مُنْتَظِرُهُ» ، وَهُوَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ السِّرَايَةَ، وَالْجِرَاحَةُ عِنْدَ السِّرَايَةِ تَصِيرُ قَتْلًا فَيُتَبَيَّنُ أَنَّهُ اسْتَوْفَى غَيْرَ حَقِّهِ، وَهَذَا فَرْعُ مَسْأَلَةٍ ذَكَرْنَاهَا، وَهِيَ أَنَّ الْمَجْرُوحَ إذَا مَاتَ بِالْجِرَاحَةِ يَجِبُ الْقِصَاصُ بِالنَّفْسِ عِنْدَنَا لَا فِي الطَّرَفِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمة الله عليه يُفْعَلُ بِهِ مِثْلُ مَا فَعَلَ، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

فِي الأعضاء الَّتِي تجب فِيهَا الدِّيَة كاملة

وَأَمَّا الَّذِي فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ فَالْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي بَيَانِ سَبَبِ الْوُجُوبِ وَالثَّانِي فِي بَيَانِ شَرَائِطِهِ.

أَمَّا السَّبَبُ فَهُوَ تَفْوِيتُ الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ الْعُضْوِ عَلَى الْكَمَالِ، وَذَلِكَ فِي الْأَصْلِ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إبَانَةُ الْعُضْوِ وَإِذْهَابُ مَعْنَى الْعُضْوِ مَعَ بَقَاءِ الْعُضْوِ صُورَةً.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 412 - 414

ارجع إلى أنواع القتل الذي تجب فيه الدية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 40%
البدر بعد 8 يوم
أستغفر الله