الإسلام > الجنايات والحدود > أنواع القتل الذي تجب فيه الدية > جراح المرأة على النصف من جراح الرجل
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 23 دقيقة قراءةورُويَ عن عُمرَ وعُثمانَ وعليٍّ وابنِ عُمرَ وابنِ عبَّاسٍ وابنِ مَسعودٍ وزَيدِ ابنِ ثابتِ رضي الله عنهم وأرضاهُم أنهم قالُوا: «ديَةُ المَرأةِ نِصفُ ديَةِ الرَّجلِ»، ولا مُخالفَ لهُم في الصَّحابةِ رضي الله عنهم أجمَعينَ، فدَلَّ على أنه إجماعٌ (١).
وقالَ الوزير ابن هُبيرةَ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا على أنَّ ديَةَ المَرأةِ الحُرةِ في نَفسِها على النِّصفِ مِنْ دِيةِ الرَّجلِ الحُرِّ المُسلمِ (٢).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وإنْ كانَ أُنثى فديَةُ المَرأةِ على النِّصفِ مِنْ ديَةِ الرَّجلِ؛ لإجماعِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم، فإنه رُويَ عن سيِّدِنا عُمرَ وسيِّدِنا عليٍّ وابنِ مَسعودٍ وزَيدِ بنِ ثابِتٍ رِضوانُ اللهِ تعالَى عليهِم أنهم قالوا في ديَةِ المَرأةِ أنها على النِّصفِ مِنْ دِيةِ الرجلِ، ولم يُنقلْ أنه أنكَرَ عليهِم أحَدٌ، فيكونُ إجماعًا.
ولأنَّ المَرأةَ في مِيراثِها وشَهادتِها على النِّصفِ مِنْ الرَّجلِ، فكَذلكَ في دِيتِها (٣).
جِراحُ المرأةِ على النِّصفِ مِنْ جِراحِ الرَّجلِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ أطرافِ المَرأةِ وجِراحاتِها، هل هي على النِّصفِ مِنْ جِراحِ الرَّجلِ مُطلَقًا؟ أم تُعاقِلُه إلى ثُلثِ الدِّيةِ -أرشُ المَأمومةِ والجائِفةِ- ثم تكونُ على النِّصفِ منه فيما زادَ؟
(١) «البيان» (١١/ ٤٩٤، ٤٩٥).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ٢٤٢).
(٣) «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٥٤).
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيُّ في القَديمِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المَرأةَ تُساوِي الرَّجلَ في الجِراحِ فيما دُونَ ثُلثِ الدِّيةِ، فإذا بلَغَتْ ثُلثَ الدِّيةِ كانَتْ على النِّصفِ مِنْ دِيةِ الرَّجلِ، وبه قالَ مِنْ الصَّحابةِ عُمرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه، ومِن التابعِينَ سَعيدُ بنُ المُسيبِ والزُّهريُّ.
ففِي أصبعِها عَشرٌ مِنْ الإبلِ، وفي الإصبعَينِ عِشرونَ مِنْ الإبلِ، وفي الثَّلاثِ أصابعَ ثَلاثونَ، ولا نِزاعَ أنها فيما زادَ على الثُّلثِ على النِّصفِ، ففِي أربَعِ أصابعَ منها عِشرونَ، وفي يَدِها خَمسٌ وعِشرونَ.
وهيَ على النِّصفِ مِنْ ديَةِ الرَّجلِ مِنْ أهلِ دِينِها.
ورَوى الإمامُ مالكٌ عن رَبيعةَ بنِ أبي عبدِ الرَّحمنِ أنه قالَ: «سَألتُ سَعيدَ بنَ المُسيَّبِ: كم في أصبعِ المَرأةِ؟ فقالَ: عَشرٌ مِنْ الإبلِ، فقُلتُ: كم في أصبعَينِ؟ قالَ: عِشرونَ مِنْ الإبلِ، فقلتُ: كم في ثَلاثٍ؟ فقالَ: ثَلاثونَ مِنْ الإبلِ، فقلتُ: كم في أربَعٍ؟ قالَ: عِشرونَ مِنْ الإبلِ، فقلتُ: حِينَ عَظُمَ جُرحُها واشتَدَّتْ مُصيبتُها نقَصَ عَقلُها! فقالَ سَعيدٌ: أَعِراقيٌّ أنتَ؟! فقلتُ: بل عالِمٌ مُتثبِّتٌ أو جاهلٌ مُتعلِّمٌ، فقالَ سَعيدٌ: هي السُّنةُ يا ابنَ أخي» (١)، وهذا مُقتضَى سُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ، ولأنَّ ما دُونَ الثُّلثِ يَستوِي فيه الذَّكرُ والأُنثى؛ بدَليلِ الجَنينِ فإنه يَستوِي فيه الذَّكرُ والأُنثى.
وعن عَمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه مَرفوعًا: «عَقلُ المَرأةِ مِثلُ عَقلِ الرَّجلِ حتى يَبلغَ الثُّلثَ مِنْ دِيتِها» (٢)، وهو نَصٌّ يُقدَّمُ على ما سِواهُ.
(١) رواه الإمام مالك في «الموطأ» (٢/ ٦٨٠).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه النسائي (٤٨٠٥)، والدارقطني (٣١٢٨).
ولأنه إتلافٌ لآدَميٍّ مُوجبُه نَقصٌ عن ثُلثِ الدِّيةِ، فوجَبَ مُساواةُ الأُنثى للذَّكرِ فيه، أصلُه ديَةُ الجَنينِ، ولأنَّ كُلَّ فَرضٍ مُقدَّرٍ مِنْ المالِ وجَبَ بالمَوتِ فإنَّ الأُنثى تُساوِي الذكَرَ في اليَسيرِ منه، أصلُه السُّدسُ في حَقِّ الأخوَةِ لأمٍّ.
والفَرقُ فيما دُونَ الثُّلثِ وما زادَ عليهِ أنَّ ما دُونَه قَليلٌ، فجُبِرتْ مُصيبةُ المَرأةِ فيه بمُساواتِها للرَّجلِ (١).
إلا أنَّ الحَنابلة اختَلفُوا في الثُّلثِ نَفسِه هل يَستويانِ فيه؟ على رِوايتينِ:
إحداهُما: يَستويانِ فيه؛ لأنه لم يُعتبَرْ حَدُّ القلَّةِ، ولهذا صحَّتِ الوَصيةُ به.
والرِّوايةُ الثانيةُ -وهي المَذهبُ-: يَختلفانِ، فيَجبُ في جائِفتِها سُدسُ ديَةِ الرَّجلِ؛ لأنَّ الثلثَ في حَدِّ الكَثرةِ؛ لقَولِه عليه السلام: «الثُّلثُ، والثُّلثُ كثيرٌ»، ولأنَّ العاقِلةَ تَحملُه، فدَلَّ على أنه يُخالِفُ ما دُونَه (٢).
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ -ورُويَ عن عَليٍّ وعبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ، وبه قالَ الثَّوريُّ واللَّيثُ وابنُ أبي لَيلَى وابنُ شُبرمةَ وأبو ثَورٍ،
(١) «الموطأ» (٢/ ٦٨٠)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ١٢٦، ١٢٨)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ٤٣)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٢٨٥)، و «المغني» (٨/ ٣١٥)، و «الكافي» (٤/ ٧٧)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٤٤)، و «المبدع» (٨/ ٣٥٠، ٣٥١)، و «كشاف القناع» (٦/ ٢٣)، و «منار السبيل» (٣/ ٢٦٣، ٢٦٤).
(٢) «المغني» (٨/ ٣١٥)، و «الكافي» (٤/ ٧٧)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٤٤)، و «المبدع» (٨/ ٣٥٠، ٣٥١)، و «كشاف القناع» (٦/ ٢٣)، و «مطالب أولي النهى» (٦/ ٩٦)، و «إعلام الموقعين» (٢/ ١٦٩).
واختارُه ابنُ المُنذِرِ- إلى أنَّ المَرأةَ لا تُساوِي الرَّجلَ في شَيءٍ مِنْ الجِراحِ، بل جِراحُها على النِّصفِ مِنْ جِراحِه في القَليلِ والكَثيرِ؛ لأنها جِنايةٌ على حُرةٍ، فكانَ الواجِبُ فيها نِصفَ ما يَجبُ على الرَّجلِ الحُرِّ، أصلُه إذا زادَتْ على الثلثِ.
ولأنها جِنايةٌ لو زادَتْ على الثُّلثِ اعتُبِرتْ بالنَّفسِ، فإذا نقصَتْ مِنْ الثُّلثِ اعتُبِرتْ بالنَّفسِ كالجِنايةِ على الرَّجلِ، ولأنَّ زِيادةَ الجِنايةِ لها تَأثيرُ العَدمِ، وعندَهُم لو قطَعَ ثَلاثةَ أصابعَ مِنْ المَرأةِ وجَبَ لها ثَلاثونَ مِنْ الإبلِ، فإذا قطَعَ أربعًا وجَبَ عليهِ عِشرونَ، فيَصيرُ لزِيادةِ الجِنايةِ تَأثيرٌ في نُقصانِ الأرشِ، وهذا خِلافُ الأصولِ.
ولأنَّ نقْصَ الأُنوثةِ لمَّا منَعَ مِنْ مُساواةِ الرَّجلِ في ديَةِ النَّفسِ كانَ أَولى أنْ يَمنعَ مِنْ مُساواتِه فيما دونَها مِنْ ديَاتِ الأطرافِ والجِراحِ؛ لأنَّ ديَةَ النَّفسِ أغلَظُ؛ اعتِبارًا بالمُسلمِ مع الكافرِ، ولأنه لمَّا كانَ القِصاصُ فيما دُونَ النَّفسِ مُعتبَرًا بالقِصاصِ في النَّفسِ وجَبَ أنْ تَكونَ الدِّيةُ فيما دُونَ النَّفسِ مُعتبَرةً بديَةِ النَّفسِ، وهيَ فيه على النصفِ، فكذلكَ فيما دونَها.
ولأنهُما شَخصانِ تَختلفُ ديَتُهما، فاختَلفَ أرشُ أطرافِهما كالمُسلمِ والكافرِ، ولأنها جِنايةٌ لها أرشٌ مُقدَّرٌ، فكانَ مِنْ المرأةِ على النِّصفِ مِنْ الرَّجلِ كاليَدِ.
ولمَّا اتَّفقوا على أنَّ ما فوقَ الثلثِ على النِّصفِ فكذلكَ ما دونَه.
وأمَّا الجَوابُ عن حَديثِ عَمرِو بنِ شُعيبٍ فلَم يُسنِدْه؛ لأنَّ جَدَّه مُحمدَ
بنَ عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ لا صُحبةَ له، وإنما يكونُ مُسنَدًا إذا رَواهُ عن جَدِّه عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو، ولأنه هو الصَّحابيُّ، وقد قالَ الشافِعيُّ: «لم أجِدْ له نَفاذًا» يعني: طَريقًا لصُحبتِه.
وأما المِيراثُ فقدْ تكونُ فيه على النِّصفِ مِنْ الرَّجلِ فيما نَقصَ مِنْ الثُّلثِ عندَ مُقاسمةِ الإخوَةِ، وإنما ساوَتْ ولَدَ الأمِّ لأنَّ الإدلاءَ فيه بالرَّحمِ الذي يُوجِبُ تَساويَ الذُّكورِ والإناثِ فيه كفَرضِ الأبوَينِ، فإنْ تَكنِ العلَّةُ فيه تَقديرَه بالثُّلثِ فلمْ يَجُزْ أنْ يَحصلَ اختِلافٌ (١).
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: وعن إبراهيمَ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ وعليِّ ابنِ أبي طالِبٍ رضي الله عنه أنهُما قالَا: «عَقلُ المَرأةِ على النِّصفِ مِنْ ديَةِ الرَّجلِ في النَّفسِ وفيما دُونَها»، فقدِ اجتَمعَ عُمرُ وعليٌّ على هذا، فليسَ يَنبغِي أنْ يُؤخَذَ بغَيرِه، وممَّا يُستدَلُّ به على صَوابِ قَولِ عُمرَ وعليٍّ أنَّ المَرأةَ إذا قُطعَتْ أصبعُها خطَأً وجَبَ على قاطِعِها في قَولِ أهلِ المَدينةِ عُشرُ ديَةِ الرَّجلِ، فإنْ قطَعَ أصبعَينِ وجَبَ عليهِ عُشرَا الدِّيةِ، فإنْ قطَعَ ثَلاثَ أصابعَ وجَبَ عليهِ ثَلاثةُ أعشارِ الدِّيةِ، فإنْ قطَعَ أربعَ أصابعَ وجَبَ عليهِ عُشرَا الدِّيةِ، فإذا عَظُمَتِ الجِراحةُ قَلَّ العَقلُ.
قالَ الشافِعيُّ: القِياسُ الذي لا يَدفعُه أحَدٌ يَعقلُ ولا يُخطِئُ به أحَدٌ فيما نَرى أنَّ نفْسَ المَرأةِ إذا كانَ فيها مِنْ الدِّيةِ نِصفُ ديَةِ الرَّجلِ وفي يَدِها نِصفُ
(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٥/ ١٠٥، ١٠٦)، و «التجريد» للقدوري (١١/ ٥٧٢٠، ٥٧٢١)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٢٣٤)، و «الحاوي الكبير» (١٢/ ٢٨٩، ٢٩٠).
ما في يَدِه يَنبغي أنْ يَكونَ ما صَغُرَ مِنْ جِراحِها هكذا، فلما كانَ هذا مِنْ الأمورِ التي لا يَجوزُ لأحَدٍ أنْ يُخطئَ بها مِنْ جهةِ الرَّأيِ وكانَ ابنُ المُسيِّبِ يَقولُ: «في ثَلاثِ أصابعِ المَرأةِ ثَلاثونَ، وفي أربَعٍ عِشرونَ» ويقالَ له: «حينَ عَظُمَ جُرحُها نَقصَ عَقلُها! فيَقولُ: هي السُّنةُ» وكانَ يَروِي عن زَيدِ بنِ ثابتٍ أنَّ المَرأةَ تُعاقِلُ الرَّجلَ إلى ثُلثِ ديَةِ الرَّجلِ ثم تكونُ على النِّصفِ مِنْ عَقلِه؛ لم يَجُزْ أنْ يُخطئَ أحَدٌ هذا الخَطأَ مِنْ جِهةِ الرَّأيِ؛ لأنَّ الخَطأَ إنما يَكونُ مِنْ جِهةِ الرَّأيِ فيما يُمكِنُ مِثلُه، فيكونُ رَأيٌ أصَحَّ مِنْ رأيٍ، فأما هذا فلا أحسَبُ أحَدًا يُخطِئُ بمِثلِه إلا اتِّباعًا لمَن لا يُجوِّزُ خِلافَه عندَه، فلمَّا قالَ ابنُ المُسيِّبِ: «هي السُّنةُ» أشبَهَ أنْ يكونَ عن النبيِّ ﷺ أو عن عامَّةٍ مِنْ أصحابِه، ولم يُشبهْ زَيدٌ أنْ يَقولَ هذا مِنْ جِهةِ الرَّأيِ؛ لأنه لا يَحتملُه الرأيُ.
فإنْ قالَ قائلٌ: فقدْ يُروَى عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه خِلافُه.
قيلَ: فلا يَثبتُ عن عَليٍّ ولا عن عُمرَ، ولو ثبَتَ كانَ يُشبهُ أنْ يكونَا قالَاهُ مِنْ جِهةِ الرأيِ الذي لا يَنبغي لأحَدٍ أنْ يَقولَ غيرَه، فلا يكونُ قِلةَ عِلمٍ مِنْ قِبلِ أنَّ كلَّ أحَدٍ يَعقلُ ما قالَا إذا كانَتِ النفسُ على نِصفِ عَقلِ نفسِه واليَدُ كانَ كذلكَ ما دونَهما، ولا يَكونُ فيما قالَ سَعيدٌ السُّنةُ إذا كانَتْ تُخالِفُ القِياسِ والعَقلَ، إلا عن عِلمِ اتِّباعٍ فيما نَرَى، واللهُ تعالَى أعلَمُ.
وقد كُنَّا نقولُ به على هذا المعنَى، ثم وقَفْتُ عنه، وأسأَلُ اللهَ تعالَى الخِيرةَ مِنْ قِبلِ أنَّا قد نَجِدُ منهُم مَنْ يَقولُ: «السُّنةُ» ثمَّ لا نَجدُ لقَولِه: «السُّنة»
نَفاذًا بأنها عن النبيِّ ﷺ، فالقِياسُ أَولى بنا فيها على النِّصفِ مِنْ عَقلِ الرَّجلِ، ولا يَثبتُ عن زَيدٍ كثُبوتِه عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه، واللهُ تعالَى أعلَمُ (١).
وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: اختَلفُوا هل تُساوِي المَرأةُ الرَّجلَ في الجِراحِ إلى ثُلثِ الدِّيةِ؟
فقالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ في الجَديدِ: لا تُساويهِ في شَيءٍ مِنْ الجِراحِ، بل جِراحُها على النِّصفِ مِنْ جِراحِه في القَليلِ والكَثيرِ.
وقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ في القَديمِ وأحمَدُ في إحدَى رِوايتَيهِ: تُساوِي المَرأةُ الرَّجلَ في الجِراحِ فيما دُونَ ثُلثِ الدِّيةِ، فإذا بلَغَتْ ثُلثَ الدِّيةِ كانَتْ على النِّصفِ مِنْ ديَةِ الرَّجلِ.
وقالَ أحمَدُ في الرِّوايةِ الأُخرى -وهي أظهَرُ رِوايتَيهِ واختارَها الخِرقيُّ-: تُساوِي المَرأةُ الرَّجلَ في ارشِ الجِراحِ إلى ثُلثِ الدِّيةِ، فإذا زادَتْ على الثُّلثِ فهي على النِّصفِ مِنْ الرَّجلِ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: واختَلفُوا في ديَاتِ الشِّجاجِ وأعضائِها، فقالَ جُمهورُ فُقهاءِ المَدينةِ: تُساوِي المَرأةُ الرَّجلَ في عَقلِها مِنْ الشِّجاجِ والأعضاءِ إلى أنْ تَبلغَ ثُلثَ الدِّيةِ، فإذا بلَغَتْ ثُلثَ الدِّيةِ عادَتْ دِيتِها إلى النِّصفِ مِنْ دِيةِ الرَّجلِ، أعني ديَةَ أعضائِها مِنْ أعضائِه، مِثالُ ذلكَ: أنَّ في
(١) «الأم» (٧/ ٣١١، ٣١٢).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ٢٤٢).
كُلِّ أصبعٍ مِنْ أصابعِها عَشرًا مِنْ الإبلِ، وفي اثنانِ مِنها عُشرونَ، وفي ثَلاثةٍ ثَلاثونَ، وفي أربَعةٍ عِشرونَ، وبه قالَ مالكٌ وأصحابُه والليثُ بنُ سعدٍ، ورواهُ مالكٌ عن سعيدِ بنِ المسيبِ وعن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ، وهو قولُ زَيدِ بنِ ثابتٍ ومَذهبُ عُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ.
وقالَتْ طائِفةٌ: بل ديَةُ جِراحةِ المَرأةِ مثلُ ديَةِ جِراحةِ الرَّجلِ إلى المُوضِحةِ، ثم تكونُ دِيتُها على النِّصفِ مِنْ ديةِ الرَّجلِ، وهو الأشهَرُ مِنْ قَولَي ابنِ مَسعودٍ، وهو مَرويٌّ عن عُثمانَ، وبه قالَ شُريحٌ وجَماعةٌ.
وقالَ قَومٌ: بل ديَةُ المَرأةِ في جِراحِها وأطرافِها على النِّصفِ مِنْ ديَةِ الرَّجلِ في قَليلِ ذلكَ وكَثيرِه، وهو قَولُ عليٍّ رضي الله عنه، ورُويَ ذلكَ عن ابنِ مَسعودٍ، إلا أنَّ الأشهَرَ عنه ما ذكَرْناهُ أولًا، وبهذا القَولِ قالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ والثوريُّ.
وعُمدةُ قائِلِ هذا القَولِ أنَّ الأصلَ هو أنَّ ديَةَ المَرأةِ نِصفُ ديَةِ الرَّجلِ، فواجِبٌ التمسُّكُ بهذا الأصلِ حتى يأتِيَ دَليلٌ مِنْ السَّماعِ الثابتِ؛ إذ القِياسُ في الدِّياتِ لا يَجوزُ، وبخِاصةٍ لكَونِ القَولِ بالفرقِ بينَ القليلِ والكثيرِ مُخالِفًا للقياسِ، ولذلكَ قالَ رَبيعةُ لسَعيدٍ ما يَأتي ذِكرُه عنه، ولا اعتِمادَ للطائِفةِ الأُولى إلا مَراسيلَ وما رُويَ عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ حينَ سَألَه رَبيعةُ بنُ أبي عبدِ الرَّحمنِ: «كم في أربعٍ مِنْ أصابعِها؟ قالَ: عِشرونَ، قلتُ: حينَ عَظُمَ جُرحُها واشتَدتْ بَليَّتُها نقَصَ عَقلُها! قالَ: أَعِراقيٌّ أنتَ؟! قلتُ: بل عالِمٌ مُتثبِّتٌ أو جاهلٌ مُتعلِّمٌ، قالَ: هي السُّنةُ».
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
فصل في الجروح التي يجب فيها أرش مقدر
جِنَايَةً أُخْرَى وَدَفَعَهُ بِالْجِنَايَتَيْنِ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ فَيَدْفَعُهَا إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْأُولَى، وَمَعْلُومٌ أَنَّ نِصْفَ الْقِيمَةِ عِوَضٌ عَنْ نَصْفِ الرَّقَبَةِ الَّذِي سَلَّمَ لَهُ فَقَدْ اجْتَمَعَ فِي مِلْكِهِ، وَهُوَ نِصْفُ الْعَبْدِ الْعِوَضُ وَالْمُعَوَّضُ لِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ اجْتِمَاعُ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ فِي مِلْكِ رَجُلٍ بِعَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ هُنَاكَ؛ لِأَنَّ وَلِيَّ الْجِنَايَةِ إنَّمَا يَأْخُذُ عِوَضًا عَنْ جِنَايَتِهِ لَا عَنْ الْمَالِ، وَاجْتِمَاعُ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ فِي مِلْكِ رَجُلٍ وَاحِدٍ بِغَيْرِ عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ جَائِزٌ كَمَنْ اسْتَوْهَبَ الْمَبِيعَ مِنْ الْبَائِعِ وَالثَّمَنَ مِنْ الْمُشْتَرِي أَوْ وَرِثَهُمَا، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
وَإِنْ كَانَ الْجَانِي عَبْدًا وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ حُرًّا، أَوْ كَانَا جَمِيعًا عَبْدَيْنِ فَحُكْمُ هَذِهِ الْجِنَايَةِ وُجُوبُ الدَّفْعِ إلَّا أَنْ يَخْتَارَ الْمَوْلَى الْفِدَاءَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي جِنَايَاتِ الْعَبِيدِ، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي الْجُرُوحِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ
ارجع إلى أنواع القتل الذي تجب فيه الدية للاطلاع على جميع المسائل.