الإسلام > الجنايات والحدود > أنواع القتل الذي تجب فيه الدية > الدية من الفضة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةقالُوا: وفي إجماعِ عُلماءِ الأمصارِ في كلِّ عَصرٍ وزَمانٍ إلا مَنْ شَذَّ عنهُم على أنها لا تُزادُ على ألفِ دِينارٍ ولا تنقصُ عنها أوضَحُ الدَّليلِ على أنها الواجِبةُ على أهلِ الذَّهبِ وُجوبَ الإبلِ على أهلِ الإبلِ؛ لأنها لو كانَت قِيمةً لمِائةٍ مِنْ الإبلِ لَاختَلفَ ذلكَ بالزِّيادةِ والنُّقصانِ؛ لتَغيُّرِ أسعارِ الإبلِ.
وهذا القَولُ هو الحَقُّ في ذلكَ؛ لِما ذكَرْنا مِنْ إجماعِ الحُجَّةِ عليهِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: لم تَختلِفِ الرِّواياتُ عن عُمرَ في الذَّهبِ أنَّ الدِّيةَ منه ألفُ دِينارٍ، ولا اختَلفَ فيه العُلماءُ قَديمًا ولا حَديثًا (٢).
وقالَ الإمامُ السَّرخسيُّ رحمة الله عليه: لا خِلافَ أنها مِنْ الدَّنانيرِ ألفُ دِينارٍ، وكانَتْ قِيمةُ كلِّ دِينارٍ على عَهدِ رَسولِ اللهِ عليه السلام اثنَي عشَرَ دِرهمًا (٣).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: لا خِلافَ في أنَّ الواجِبَ مِنْ الذَّهبِ ألفُ دِينارٍ (٤).
الدِّيةُ مِنْ الفِضةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الدِّيةِ إذا كانَتْ مِنْ الفِضةِ، هل تَكونُ عَشرةَ الآفِ دِرهمٍ؟ أم اثنَي عشَرَ ألفًا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنها عَشرةُ آلافِ دِرهمٍ وَزنًا وَزن سَبعة؛ لِما رُويَ عن
(١) «تفسير الطبري» (٥/ ٢١٢).
(٢) «الاستذكار» (٨/ ٣٩).
(٣) «المبسوط» (٢٦/ ٧٨).
(٤) «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٥٤).
سيِّدِنا عُمرَ رضي الله عنه أنه قالَ: «الدِّيةُ عَشرةُ آلافِ دِرهمٍ» بمَحضرٍ مِنْ الصَّحابةِ رضي الله عنه، ولم يُنقَلْ أنه أنكَرَ عليهِ أحَدٌ فيكونُ إجماعًا، مع ما أنَّ المَقاديرَ لا تُعرَفُ إلا سَماعًا، فالظاهِرُ أنه سَمعَ مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ في القَديمِ والحَنابلةُ إلى أنها تكونُ اثنَي عشَرَ ألفَ دِرهمِ فِضةٍ مِنْ دَراهمِ الإسلامِ التي كلُّ عَشرةِ دَراهمَ مِنها سَبعةُ مَثاقيلَ؛ لِما رواهُ عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن أبيه عن جدِّهِ قالَ: «كانَتْ قِيمةُ الدِّيةِ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ثَمانِمائةِ دِينارٍ أو ثَمانيةَ آلافِ دِرهمٍ، ودِيةُ أهلِ الكِتابِ يَومئذٍ النِّصفُ مِنْ دِيةِ المُسلمينَ، قالَ: فكانَ ذلكَ كذلكَ حتى استُخلِفَ عُمرُ رضي الله عنه، فقامَ خَطيبًا فقالَ: ألَا إنَّ الإبلَ قد غَلَتْ، قالَ: ففرَضَها عُمرُ على أهلِ الذَّهبِ ألفَ دِينارٍ، وعلى أهلِ الوَرِقِ اثنَي عشَرَ ألفًا، وعلى أهلِ البَقرِ مِائتَي بَقرةٍ، وعلى أهلِ الشاءِ ألفَي شاةٍ، وعلى أهلِ الحُلَلِ مِائتَي حُلَّةٍ، قالَ: وترَكَ دِيةَ أهلِ الذِّمةِ لم يَرفَعْها فيما رفَعَ مِنْ الدِّية» (٢)، فعُمرُ رضي الله عنه قوَّمَ الدِّيةَ على أهلِ الذَّهبِ ألفَ دِينارٍ وعلى أهلِ الوَرقِ اثنَي عشَرَ ألفًا، ولم يُخالِفْ عليهِ أحَدٌ، ولأنه نَوعُ مالٍ يَجوزُ إخراجُه في الدِّيةِ، فكانَ أصلًا بنَفسِه كالإبلِ، ولأنَّ الدِّيةَ معنًى جُعلَتِ الإبلُ فيه أصلًا، فكانَ الذهبُ والوَرقُ فيه أصلًا كالزَّكاةِ (٣).
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٥٤)، و «الاختيار» (٥/ ٤٥)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٢٣٣)، و «اللباب» (٢/ ٢٥٥).
(٢) حَسَنٌ: رواه أبو داود (٤٥٤٢).
(٣) «الموطأ» (٢/ ٨٥٦)، و «التمهيد» (١٧/ ٣٤٥، ٣٤٦)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ١١٦)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٤٦٥)، و «كشاف القناع» (٦/ ٢٠)، و «منار السبيل» (٣/ ٢٥٨).
إلا أنَّ الشافِعيةَ في الجَديدِ قالوا: ولو عُدِمَتِ الإبلُ فقِيمتُها وقتَ وُجوبِ تَسليمِها بالِغةً ما بلَغَتْ؛ لأنها بَدلُ مُتلَفٍ، فيُرجَعُ إلى قِيمتِها عندَ إعوازِ أصلِه، وتُقوَّمُ بنَقدِ بَلدِه الغالِبِ؛ لأنه أقرَبُ مِنْ غيرِه وأضبَطُ، فإنْ كانَ فيهِ نَقدانِ فأكثَرُ لا غالِبَ فيهما تَخيَّرَ الجاني بينَهُما.
وإنْ وُجدَ بَعضٌ مِنْ الإبلِ الواجِبةِ أخَذَ المَوجودَ منها وقِيمةَ الباقي، كما لو وجَبَ له على إنسانٍ مِثلٌ ووجَدَ بعضَ المِثلِ فإنه يَأخذُه وقِيمةَ الباقي.
واستَدلُّوا على أنها تُؤخذُ قيمتُها بما رَواهُ عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن أبيه عن جدِّهِ قالَ: «كانَتْ قِيمةُ الدِّيةِ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ثَمانِمائةِ دِينارٍ أو ثَمانيةَ آلافِ دِرهمٍ، ودِيةُ أهلِ الكِتابِ يَومئذٍ النِّصفُ مِنْ دِيةِ المُسلمينَ، قالَ: فكانَ ذلكَ كذلكَ حتى استُخلِفَ عُمرُ رضي الله عنه، فقامَ خَطيبًا فقالَ: ألَا إنَّ الإبلَ قد غَلَتْ، قالَ: ففرَضَها عُمرُ على أهلِ الذَّهبِ ألفَ دِينارٍ، وعلى أهلِ الوَرِقِ اثنَي عشَرَ ألفًا، وعلى أهلِ البَقرِ مِائتَي بَقرةٍ، وعلى أهلِ الشاءِ ألفَي شاةٍ، وعلى أهلِ الحُلَلِ مِائتَي حُلَّةٍ، قالَ: وترَكَ دِيةَ أهلِ الذِّمةِ لم يَرفَعْها فيما رفَعَ مِنْ الدِّية» (١)، قالَ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: ومَوضعُ الدَّليلِ مِنْ الخبَرِ أنه قالَ: «كانَتْ قِيمةُ الدِّيةِ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ كذا وكذا»، فدَلَّ على أنَّ الواجِبَ هو الإبلُ.
(١) حَسَنٌ: رواه أبو داود (٤٥٤٢).
ولأنَّ عُمرَ رضي الله عنه وأرضاهُ قالَ: «ألَا إنَّ الإبلَ قد غَلَتْ»، وفرَضَ عليهِم ألفَ دِينارٍ أو اثنَي عشَرَ ألفَ دِرهمٍ، فتَعلَّقَ بغَلاءِ الإبلِ، فدَلَّ على أنَّ ذلكَ مِنْ طَريقِ القِيمةِ؛ لأنَّ ما وجَبَتْ قيمتُه اختَلفَ بالزِّيادةِ والنُّقصانِ، ولم يُخالِفْه أحَدٌ مِنْ الصَّحابةِ.
وما رُويَ مِنْ الأخبارِ للأولِ .. فنَحملُه على أنَّ ذلكَ مِنْ طَريقِ القِيمةِ.
فعَلى هذا: لا يَكونُ للدِّيةِ إلا أصلٌ واحِدٌ وهي الإبلُ، فإنْ كانَتِ الدِّيةُ مُغلَّظةً وأعوزَتِ الإبلُ، فإنْ قُلنَا بقَولِه الجَديدِ .. قُوِّمتْ مُغلَّظةً ثَلاثينَ حِقَّةً وثَلاثينَ جَذعةً وأربعِينَ خَلفةً، وإنْ قُلنا بقَولِه القَديمِ .. ففيه وَجهانِ حَكاهُما في «العُدَّة»:
أحَدُهما: تُغلَّظُ بثُلثِ الدِّيةِ، ولم يَذكرْ في «المُهذَّب» غيرَه؛ لِما ذكَرْناهُ عن عُمرَ وعُثمانَ وابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهم وأرضاهُم.
والثَّاني: يَسقطُ التَّغليظُ؛ لأنَّ التغليظَ عندَنا إنما هو بالصِّفةِ في الأصلِ لا بالزِّيادةِ في العَددِ، وذلكَ إنما يُمكِنُ في الإبلِ دُونَ النَّقدِ، ألَا تَرى أنَّ العبدَ لمَّا لم يَجبْ فيه إلا القِيمةُ لم يَجبْ فيه التغليظُ؟ وما رُويَ عن الصَّحابةِ رضي الله عنهم وأرضاهُم .. فقدْ ذكَرْنا أنما ذلكَ هو قِيمةُ ما أَوجَبوهُ، هذا مَذهبُنا (١).
(١) «البيان» (١١/ ٤٩١)، و «الحاوي الكبير» (١٢/ ٢٢٨)، و «المهذب» (٢/ ١٩٦)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٤٦٥)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٢٩٦)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ٤٤١).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
وجوب الدية
التَّحْرِيرُ فِيهِ تَوْبَةً.
(وَجْهُ) الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ مُغَلَّظَةٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِيهَا ثَابِتَةٌ، بِخِلَافِ الْخَطَأِ فَلَا يَصْلُحُ التَّحْرِيرُ تَوْبَةً بِهَا كَمَا فِي الْعَمْدِ؟ وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْقَتْلُ الْخَطَأُ فَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فَنُفَصِّلُ الْكَلَامَ فِيهِ فَنَقُولُ: الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ إمَّا أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا حُرَّيْنِ، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا، وَالْمَقْتُولُ عَبْدًا، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ عَبْدًا، وَالْمَقْتُولُ حُرًّا، وَإِمَّا أَنْ كَانَا جَمِيعًا عَبْدَيْنِ، فَإِنْ كَانَا حُرَّيْنِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ مِنْهَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ وُجُودِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَهِيَ نَوْعَانِ: بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ، وَبَعْضُهَا إلَى الْمَقْتُولِ، أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ فَالْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْكَافِرِ، وَالْمَجْنُونِ، وَالصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِشَرَائِعَ هِيَ عِبَادَاتٌ، وَالْكَفَّارَةُ عِبَادَةٌ، وَالصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ لَا يُخَاطَبَانِ بِالشَّرَائِعِ أَصْلًا.
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَقْتُولِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَعْصُومًا فَلَا تَجِبُ بِقَتْلِ الْحَرْبِيِّ، وَالْبَاغِي لِعَدَمِ الْعِصْمَةِ.
ارجع إلى أنواع القتل الذي تجب فيه الدية للاطلاع على جميع المسائل.