الإسلام > الجنايات والحدود > أنواع القتل الذي تجب فيه الدية > النوع الثاني: الدية في قتل الخطأ
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةولا يَختصُّ ذلكَ بدِيةِ النَّفسِ، بل بثُلثِ المُقدَّرِ في العَمدِ في غيرِ النَّفسِ كالطرَفِ (١).
إلا أنَّ الدِّيةَ تكونُ حالَّةً عندَ الجُمهورِ في مالِ الجاني، وعندَ الحَنفيةِ تكونُ مُؤجَّلةً في ثَلاثِ سِنينَ؛ لأنَّ الأجَلَ ثبَتَ بإجماعِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم بقَضيةِ سيِّدِنا عُمرَ رضي الله عنه بمَحضرٍ منهُم، فصارَ الأجَلُ وَصفًا لكُلِّ ديَةٍ وجَبَتْ بالنصِّ (٢).
النَّوعُ الثاني: الدِّيةُ في قَتلِ الخَطأِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنه لا قِصاصَ في القَتلِ الخَطأِ، وأنَّ الواجِبَ على مَنْ قتَلَ غيرَه خَطأً الدِّيةُ على عاقِلتِه والكفَّارةُ في مالِه، واستَدلُّوا على ذلكَ بالكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ.
أمَّا الكِتابُ: فقَولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ [النساء: ٩٢].
(١) «الحاوي الكبير» (١٢/ ٢١٣)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٢٧٩)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٤٥٦)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٢٩٢)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ٤٣٤).
(٢) «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٥٦، ٢٥٧)، وباقي المصادر السابقة.
وأمَّا السُّنةُ: فعن المُغيرةِ بنِ شُعبةَ «أنَّ امرَأةً قتَلَتْ ضرَّتَها بعَمودِ فُسطاطٍ، فأُتِيَ فيه رَسولُ اللهِ ﷺ، فقَضَى على عاقِلتِها بالدِّيةِ، وكانَتْ حامِلًا فقَضَى في الجَنينِ بغُرةٍ، فقالَ بعضُ عَصَبتِها: أنَدِي مَنْ لا طَعِمَ ولا شَرِبَ ولا صاحَ فاستَهلَّ، ومِثلُ ذلكَ يُطلُّ؟ قالَ: فقالَ: سَجعٌ كسَجعِ الأعرابِ» (١).
وفي سُننِ ابنِ ماجَه عن المُغيرةِ بنِ شُعبةَ رضي الله عنه قالَ: «قَضَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ بالدِّيةِ على العاقِلةِ» (٢).
وحَديثُ أبي هُريرةَ رضي الله عنه: «اقتَتلَتِ امرَأتانِ مِنْ هُذيلٍ، فرَمَتْ إحداهُما الأُخرى بحَجرٍ، فقتَلَتْها وما في بَطنِها، فقَضَى النبيُّ ﷺ أنَّ دِيةَ جَنينها عَبدٌ أو وَليدةٌ، وقَضَى بدِيةِ المَرأةِ على عاقلتِها» (٣).
وأمَّا الإجماعُ:
فقالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ ديَةَ الخَطأِ على العاقِلةِ (٤).
وقالَ الإمامُ أبو بكرٍ الجصَّاصُ رحمة الله عليه: الفُقهاءُ مُتفِقونَ على وُجوبِ الدِّيةِ فيه، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾، ولم يَذكرْ في الآيةِ مَنْ عليهِ الدِّيةُ مِنْ القاتلِ أو العاقِلةِ،
(١) أخرجه مسلم (١٦٨٢).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن ماجه (٢٦٣٣).
(٣) أخرجه البخاري (٦٩١٠)، ومسلم (١٦٨١).
(٤) «الإشراف» (٨/ ٧)، و «الإجماع» (٦٩٩).
وقد ورَدَتْ آثارٌ مُتواتِرةٌ عن النبيِّ ﷺ في إيجابِ ديَةِ الخَطأِ على العاقِلةِ، واتَّفقَ الفُقهاءُ عليهِ …
فقدْ تَواترَتِ الآثارُ عن النبيِّ ﷺ في إيجابِ دِيةِ الخَطأِ على العاقِلةِ، واتَّفقَ السَّلفُ وفُقهاءُ الأمصارِ عليهِ (١).
وقالَ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: قالَ الطَّبريُّ: دِيةُ الخَطأِ على عاقِلةِ القاتلِ والكفَّارةُ على القاتلِ بإجماعٍ (٢).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: فأمَّا دِيةُ الخَطأِ المَحضِ وعَمدِ الخَطأِ فالذي عليهِ جُمهورُ الأمَّةِ مِنْ المُتقدِّمينَ والمُتأخِّرينَ أنها واجِبةٌ على العاقِلةِ تَتحمَّلُها عن القاتلِ، وشَذَّ منهُم الأصَمُّ وابنُ عُليَّةَ وطائِفةٌ مِنْ الخَوارجِ فأَوجَبوها على القاتلِ دونَ العاقِلةِ كالعَمدِ (٣).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: الخَطأُ تَجبُ به الدِّيةُ على العاقِلةِ والكفَّارةُ في مالِ القاتلِ بغَيرِ خِلافٍ نَعلمُه.
والأصلُ في وُجوبِ الدِّيةِ والكفَّارةِ قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]، وسَواءٌ كانَ المَقتولُ مُسلِمًا أو كافِرًا له عَهدٌ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].
(١) «أحكام القرآن» (٣/ ١٩٣، ١٩٤).
(٢) «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٥١٤).
(٣) «الحاوي الكبير» (١٢/ ٢٤٠).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
وجوب الدية
التَّحْرِيرُ فِيهِ تَوْبَةً.
(وَجْهُ) الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ مُغَلَّظَةٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِيهَا ثَابِتَةٌ، بِخِلَافِ الْخَطَأِ فَلَا يَصْلُحُ التَّحْرِيرُ تَوْبَةً بِهَا كَمَا فِي الْعَمْدِ؟ وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْقَتْلُ الْخَطَأُ فَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فَنُفَصِّلُ الْكَلَامَ فِيهِ فَنَقُولُ: الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ إمَّا أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا حُرَّيْنِ، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا، وَالْمَقْتُولُ عَبْدًا، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ عَبْدًا، وَالْمَقْتُولُ حُرًّا، وَإِمَّا أَنْ كَانَا جَمِيعًا عَبْدَيْنِ، فَإِنْ كَانَا حُرَّيْنِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ مِنْهَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ وُجُودِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَهِيَ نَوْعَانِ: بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ، وَبَعْضُهَا إلَى الْمَقْتُولِ، أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ فَالْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْكَافِرِ، وَالْمَجْنُونِ، وَالصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِشَرَائِعَ هِيَ عِبَادَاتٌ، وَالْكَفَّارَةُ عِبَادَةٌ، وَالصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ لَا يُخَاطَبَانِ بِالشَّرَائِعِ أَصْلًا.
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَقْتُولِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَعْصُومًا فَلَا تَجِبُ بِقَتْلِ الْحَرْبِيِّ، وَالْبَاغِي لِعَدَمِ الْعِصْمَةِ.
ارجع إلى أنواع القتل الذي تجب فيه الدية للاطلاع على جميع المسائل.