الإسلام > الجنايات والحدود > أنواع القتل الذي تجب فيه الدية > تغليظ الدية في شبه العمد
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةولأنَّ كلَّ دِيةٍ تَجبُ بالقَتلِ مِنْ غَيرِ صُلحٍ ولا عَفوٍ لبَعضٍ فإنها تَجبُ على العاقِلةِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: والدِّيةُ -أي في قَتلِ شِبهِ العَمدِ- على العاقِلةِ في قَولِ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، وجعَلَه مالِكٌ عَمدًا مُوجِبًا للقِصاصِ (١).
وهذهِ الدِّيةُ تكونُ مُغلَّظةً على العاقِلةِ، ولا يَشتركُ فيها الجاني عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ، وعندَ الحَنفيةِ يَشتركُ فيها معَهُم كأحَدِهم، وقد تَقدَّمَ بَيانُه في قِسمِ قَتلِ الخَطأِ.
تَغليظُ الدِّيةِ في شِبهِ العَمدِ:
اتَّفقَ كلُّ مَنْ قالَ بالدِّيةِ في قَتلِ شِبهِ العَمدِ أنها مُغلَّظةٌ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ: «ألَا إنَّ قَتيلَ الخَطإِ شِبهِ العَمدِ قَتيلَ السَّوطِ والعَصا دِيَةٌ مُغلَّظةٌ منها أربَعونَ في بُطونِها أولادُها» (٢).
إلا أنهُم اختَلفُوا في كَيفيةِ تَغليظِها:
(١) «المغني» (٨/ ٢١٦).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤٥٤٧)، والنسائي (٤٧٩٣)، وأحمد (٦٥٥٢)، وابن حبان في «صحيحه» (٦٠١١).
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلة في رِوايةٍ والإمامُ مُحمدُ بنُ الحَسنِ إلى أنَّ ديَةَ شِبهِ العَمدِ تَكونُ أثلاثًا: ثَلاثونَ حِقةً وثَلاثونَ جَذعةً وأربَعونَ ثَنيةً حامِلاتٍ في بُطونِها أولادُها، يعني الأربعين. لقَولِ النبي ﷺ: «ألَا إنَّ قَتيلَ الخَطإِ شِبهِ العَمدِ قَتيلَ السَّوطِ والعَصا دِيَةٌ مُغلَّظةٌ منها أربَعونَ في بُطونِها أولادُها» (١).
وعن عَمرِو بنِ العاصِ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ قتَلَ مُؤمِنًا مُتعمِّدًا فإنه يُدفعُ إلى أولِياءِ القَتيلِ، فإنْ شاؤُوا قَتَلوا وإنْ شاؤُوا أخَذُوا الدِّيةَ، وهِي ثَلاثونَ حِقةٌ وثَلاثونَ جَذعةٌ وأَربعونَ خَلفةً، فذلكَ عَقلُ العَمدِ، وما صالَحُوا عليهِ مِنْ شَيءٍ فهو لهُم، وذلكَ شَديدُ العَقلِ، وعَقلُ شِبهِ العَمدِ مُغلَّظةٌ مثلَ عَقلِ العَمدِ ولا يُقتلُ صاحِبُه» (٢).
وفي رِوايةٍ: «عَقلُ شبْهِ العَمْدِ مغَلَّظٌ مثْلُ عَقلِ العَمْدِ ولا يقْتَلُ صَاحِبهُ» (٣) (٤).
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤٥٤٧)، والنسائي (٤٧٩٣)، وأحمد (٦٥٥٢)، وابن حبان في «صحيحه» (٦٠١١).
(٢) رواه الإمام أحمد (٧٠٣٣).
(٣) حَسَنٌ: رواه أبو داود (٤٥٦٥)، وأحمد (٧٠٨٨).
(٤) «مختصر اختلاف العلماء» (٥/ ٩٣، ٩٤)، و «أحكام القرآن» (٣/ ٢٠٧) «الاختيار» (٥/ ٤٤)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٢٣١)، و «اللباب» (٢/ ٢٥٣، ٢٥٤)، و «الأم» (٧/ ٣٣٠)، و «الحاوي الكبير» (١٢/ ٣١٢، ٣١٤)، و «المهذب» (٢/ ١٩٥)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٤٦١)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٢٩٤)، و «الإفصاح» (٢/ ٢٣١).
وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنها مِائةٌ مِنْ الإبلِ أرباعًا: خَمسٌ وعِشرُونَ بنتَ مَخاضٍ -هي التي طعَنَتْ في السَّنةِ الثانِيةِ- وخَمسٌ وعِشرونَ بنتَ لَبونٍ -هيَ التي طعَنَتْ في السَّنةِ الثالِثةِ- وخَمسٌ وعِشرونَ حِقَّةً -هي التي طعَنَتْ في السَّنةِ الرابِعةِ- وخَمسٌ وعِشرونَ جَذعةً -هي التي طعَنَتْ في السَّنةِ الخامِسةِ.
ولا يَثبتُ التَّغليظُ إلا في الإبلِ خاصَّةً؛ لأنَّ الصحابةَ رضي الله عنهم لم يُثبِتوهُ إلا فيها، فإنْ قُضيَ بالدِّيةِ مِنْ غَيرِ الإبلِ لم تَتغلَّظْ، حتى إنَّه لا يُزادُ في الفضَّةِ على عَشرةِ آلافٍ، ولا في الذَّهبِ على ألفِ دِينارٍ (١).
وقالَ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: وأما دِيةُ شِبهِ العَمدِ فقالَ أحمَدُ وأبو حَنيفةَ: هي مِثلُ ديَةِ العَمدِ المَحضِ.
واختَلفتِ الرِّوايةُ عن مالِكٍ، فرُويَ عنه رِوايتانِ: إحداهُما: نَفيُها على الإطلاقِ، والأخرَى: إثباتُها في مِثلِ قَتلِ الأبِ ابنَه على وَجهِ الشبَهِ دونَ العَمدِ، وديَةُ ذلكَ عندَه أثلاثًا: ثَلاثونَ حقَّةً وثَلاثونَ جَذعةً وأربَعونَ خِلفةً في بُطونِها أولادُها.
وقالَ الشافِعيُّ: دِيتُها ثَلاثونَ حقَّةً وثَلاثونَ جَذعةً وأربَعونَ خَلفةً وهي الحوامِلُ (٢).
(١) «الاختيار» (٥/ ٤٤)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٢٣١)، و «اللباب» (٢/ ٢٥٣، ٢٥٤)، و «الكافي» (٤/ ٧٢)، و «كشاف القناع» (٦/ ٢١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٩٥).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ٢٣١)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٣٠٧).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
وجوب الدية
التَّحْرِيرُ فِيهِ تَوْبَةً.
(وَجْهُ) الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ مُغَلَّظَةٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِيهَا ثَابِتَةٌ، بِخِلَافِ الْخَطَأِ فَلَا يَصْلُحُ التَّحْرِيرُ تَوْبَةً بِهَا كَمَا فِي الْعَمْدِ؟ وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْقَتْلُ الْخَطَأُ فَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فَنُفَصِّلُ الْكَلَامَ فِيهِ فَنَقُولُ: الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ إمَّا أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا حُرَّيْنِ، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا، وَالْمَقْتُولُ عَبْدًا، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ عَبْدًا، وَالْمَقْتُولُ حُرًّا، وَإِمَّا أَنْ كَانَا جَمِيعًا عَبْدَيْنِ، فَإِنْ كَانَا حُرَّيْنِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ مِنْهَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ وُجُودِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَهِيَ نَوْعَانِ: بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ، وَبَعْضُهَا إلَى الْمَقْتُولِ، أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ فَالْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْكَافِرِ، وَالْمَجْنُونِ، وَالصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِشَرَائِعَ هِيَ عِبَادَاتٌ، وَالْكَفَّارَةُ عِبَادَةٌ، وَالصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ لَا يُخَاطَبَانِ بِالشَّرَائِعِ أَصْلًا.
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَقْتُولِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَعْصُومًا فَلَا تَجِبُ بِقَتْلِ الْحَرْبِيِّ، وَالْبَاغِي لِعَدَمِ الْعِصْمَةِ.
ارجع إلى أنواع القتل الذي تجب فيه الدية للاطلاع على جميع المسائل.