الإسلام > الجنايات والحدود > الاستعانة بغير المسلمين وبالمسلمين > حكم الاستعانة بالمسلمين في قتال غير المسلمين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 23 دقيقة قراءةحُكمُ الاستِعانةِ بالمُسلِمينَ في قِتالِ غيرِ المُسلِمينَ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَ فَريقان من الكُفارِ يُقاتِلُ بَعضُهم بَعضًا هل يَجوزُ للمُسلِمينَ أنْ يُقاتِلوا مع إحدى الطائِفتَين من الكُفارِ الطائِفةَ الأُخرى أو لا؟
فنَصَّ فُقهاءُ الحَنفيةِ والمالِكيةِ على عَدمِ جَوازِ إعانةِ المُسلِمينَ لإحدى الطائِفتَينِ من الكُفارِ على قِتالِ الأُخرى.
وإذا كانَ قَومٌ من المُسلِمينَ مُستأمَنينِ في دارِ الحَربِ فأغارَ على تلك الدارِ قَومٌ من أهلِ الحَربِ لم يَحِلَّ لهؤلاء المُسلِمينَ أنْ يُقاتِلوهم؛ لأنَّ في القِتالِ تَعريضَ النَّفسِ للخَطرِ، فلا يَحِلُّ ذلك إلا على وَجهِ إعلاءِ كَلِمةِ اللهِ ﷿ وإعزازِ الدِّينِ، وذلك لا يُوجَدَ ههنا؛ لأنَّ أحكامَ أهلِ الشِّركِ غالِبةٌ فيهم، فلا يَستطيعُ المُسلِمونَ أنْ يَحكُموا بأحكامِ أهلِ الإسلامِ، فكانَ قِتالُهم في الصُّورةِ لإعلاءِ كَلِمةِ الشِّركِ وذلك لا يَحِلُّ إلا أنْ يَخافُوا على أنفُسِهم من أولئك، فحينَئذٍ لا بأسَ بأنْ يُقاتِلوهم للدَّفعِ عن أنفُسِهم لا لإعلاءِ كَلِمةِ الشِّركِ، والأصلُ فيه حَديثُ جَعفَرٍ رضي الله عنه؛ فإنَّه قاتَلَ بالحَبشةِ مع العَدوِّ الذي كانَ قصَدَ النَّجاشيَّ وإنَّما فعَلَ ذلك لأنَّه لمَّا كانَ مع
المُسلِمينَ يَومَئذٍ آمِنًا عندَ النَّجاشيِّ فكانَ يَخافُ على نَفسِه وعلى المُسلِمينَ من غيرِه فعَرَفنا أنَّه لا بأسَ بذلك عندَ الخَوفِ (١).
وجاءَ في كِتابِ السِّيَرِ الكَبيرِ وشَرحِه للإمامِ مُحمدِ بنِ الحَسنِ الشَّيبانِيِّ رحمة الله عليه: بابُ قِتالِ أهلِ الإسلامِ أهلَ الشِّركِ مع أهلِ الشِّركِ.
قالَ: لا يَنبَغي للمُسلِمينَ أنْ يُقاتِلوا أهلَ الشِّركِ مع أهلِ الشِّركِ؛ لأنَّ الفِئتَين حِزبُ الشَّيطانِ وحِزبُ الشَّيطانِ هُمْ الخاسِرونَ، فلا يَنبَغي للمُسلِمِ أنْ يَنضَمَّ إلى إحدى الفِئتَينِ فيَكثُرَ سَوادُهم، ويُقاتِلَ دَفعًا عنهم، وهذا لأنَّ حُكمَ الشِّركِ هو الظاهِرُ، والمُسلِمُ إنَّما يُقاتِلُ لإظهارِ أهلِ الحَقِّ، لا لإظهارِ حُكمِ الشِّركِ، ولا يَنبَغي أنْ يُقاتِلَ أحَدٌ من أهلِ العَدلِ أحَدًا من الخَوارِجِ، مع قَومٍ آخَرينَ من الخَوارِجِ، إذا كانَ حُكمُ الخَوارِجِ هو الظاهِرَ؛ لأنَّه إباحةُ القِتالِ مع الفِئةِ الباغيةِ من المُسلِمينَ إنْ رجَعوا إلى أمرِ اللهِ لا يَحصُلُ هذا المَقصودُ بهذا القِتالِ إذا كانَ حُكمُ الخَوارِجِ هو الظاهِرَ.
ولا بأسَ بأنْ يُقاتِلَ المُسلِمونَ مِنْ أهلِ العَدلِ مع الخَوارِجِ، المُشرِكينَ من أهلِ الحَربِ؛ لأنَّهم يُقاتِلون الآنَ لدَفعِ فِتنةِ الكُفرِ، ولإظهارِ الإسلامِ، فهذا قِتالٌ على الوَجهِ المَأمورِ به، وهو إعلاءُ كَلِمةِ اللهِ تَعالى، بخِلافِ ما سبَقَ، فالقِتالُ هناك لإظهارِ ما هو مائِلٌ عن طَريقِ الحَقِّ، وههنا لإثباتِ أصلِ الطَّريقِ، ثم إنَّما يُباحُ ذلك إذا لم يَكنْ فيه نَقضُ عَهدٍ منهم.
فأمَّا إذا أمِنوا قَومًا ثم غَدَروا بهم فإنَّه لا يَسَعُهم القِتالُ معهم لأهلِ
(١) «المبسوط» (١٠/ ٩٧، ٩٨).
العَدلِ؛ لأنَّ الوَفاءَ بالأمانِ واجِبٌ، فقد كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَكتُبُ في كلِّ عَهدٍ وَفاءً لا غَدرَ فيه، وإذا كانَ المَنعُ لأهلِ العَدلِ يَختصُّ بذلك المحَلِّ حتى يَجوزَ أنْ يُقاتِلَ معهم قَومًا آخَرينَ من أهلِ الحَربِ ممَّن لم يُؤمِّنوهم؛ لأنَّه ليسَ في هذا القِتالِ مَعنى الغَدرِ، بل فيه إظهارُ الإسلامِ. ولو قالَ أهلُ الحَربِ لأُسَراءَ فيهم: «قاتِلوا معنا عَدوَّنا من المُشرِكينَ»، وهم لا يَخافونَهم على أنفُسِهم إنْ لم يَفعَلوا فليسَ يَنبَغي أنْ يُقاتِلوهم معهم؛ لأنَّ في هذا القِتالِ إظهارَ الشِّركِ، ولأنَّ المُقاتِلَ يُخاطِرُ بنَفسِه فلا رُخصةَ في ذلك إلا على قَصدِ إعزازِ الدِّينِ، أو الدَّفعِ عن نَفسِه. فإذا كانُوا يَخافونَ أولئك الآخَرينَ على أنفُسِهم فلا بأسَ بأنْ يُقاتِلوهم؛ لأنَّهم يَدفَعون الآنَ شَرَّ القَتلِ عن أنفُسِهم؛ فإنَّهم يَأمَنونَ الذين هُمْ في أيديهم على أنفُسِهم، ولا يَأمَنونَ الآخَرينَ إنْ وقَعوا في أيديهم، فحَلَّ لهم أنْ يُقاتِلوا دَفعًا عن أنفُسِهم. وإنْ قالُوا لهم: «قاتِلوا معَنا عَدوَّنا من المُشرِكينَ وإلا قتَلناكم» فلا بأسَ بأنْ يُقاتِلوا دَفعًا لهم؛ لأنَّهم يَدفَعونَ الآنَ أشَرَ القَتلِ عن أنفُسِهم، وقَتلُ أولئك المُشرِكينَ لهم حَلالٌ، ولا بأسَ بالإقدامَ على ما هو حَلالٌ عندَ تَحقُّقِ الضَّرورةِ بسَببِ الإكراهِ، ورُبَّما يَجبُ ذلك كما في تَناوُلِه المَيتةَ وشُربِ الخَمرِ، وإنْ قالُوا لهم: «قاتِلوا مَعنا المُسلِمينَ وإلا قتَلناكم» لم يَسَعْهم القِتالُ مع المُسلِمينَ؛ لأنَّ ذلك حَرامٌ على المُسلِمينَ بعَينِه، فلا يَجوزُ الأقدامَ عليه بسَببِ التَّهديدِ بالقَتلِ، كما لو قالَ له: «اقتُلْ هذا المُسلِمَ وإلا قتَلتُك»؛ فإنْ هَدَّدوهم يَقِفونَ معهم في صَفِّهم ولا يُقاتِلونَ المُسلِمينَ، رَجَوتُ أنْ يَكونوا في سَعةٍ؛ لأنَّهم الآنَ لا يَصنَعونَ بالمُسلِمينَ شَيئًا، فهذا ليسَ مِنْ جُملةِ
المَظالِمِ، أكبَرُ ما فيه أنْ يَلحَقَ المُسلِمينَ هَمٌّ لكَثرةِ سَوادِ المُشرِكينَ في أعيُنِهم، فهو بمَنزِلةِ ما لو أُكرِه على إتلافِ مالِ المُسلِمينَ بوَعيدٍ مُتلِفٍ، فإنْ كانُوا لا يَخافونَ المُشرِكينَ على أنفُسِهم فليسَ لهم أنْ يَقِفوا معهم في صَفٍّ وإنْ أمَرُوهم بذلك؛ لأنَّ فيه إرهابَ المُسلِمينَ وإلقاءَ الرُّعبِ والفَشلِ فيهم، وبدونِ تَحقُّقِ الضَّرورةِ لا يَسعُ المُسلِمَ الأقدامَ على شَيءٍ منه.
ولو قالُوا للأُسَراءِ: «قاتِلوا مَعنا عَدوَّنا من أهلِ حَربٍ آخَرينَ، على أنْ نُخَلِّيَ سَبيلَكم إذا انقَضَت حَربُنا» لو وقَعَ في قُلوبِهم أنَّهم صادِقونَ فلا بأسَ بأنْ يُقاتِلوا معهم؛ لأنَّهم يَدفَعونَ بهذا الأسْرَ عن أنفُسِهم، ولا يَكونُ هذا دونَ ما إذا كانُوا يَخافونَ على أنْفُسِهم من أولئك المُشرِكينَ، فكما يَسَعُهم الإقدامَ هناك، فكَذلك يَسَعُهم ههنا؛ فإنْ قيل: كيف يَسَعُهم هذا وفيه قُوةٌ لهم على المُسلِمينَ؟ لأنَّهم إذا ظَفِروا بعَدوِّهم فأمِنوا جانِبَهم أقبَلوا على قِتالِ المُسلِمينَ، ورُبَّما يأخُذونَ منهم الكُراعَ والسِّلاحَ فيَتقوَّونَ بها على المُسلِمينَ، قُلنا: ذلك مَوهومٌ، وما يَحصُلُ لهم الآنَ من النَّجاةِ من أسْرِ المُشرِكينَ بهذا القِتالِ مَعلومٌ، فيَترجَّحُ هذا الجانِبُ، ألَا تَرى أنَّهم لو طلَبوا من إمامِ المُسلِمينَ أنْ يُفاديَهم بأعدادِهم من المُشرِكينَ أو بالكُراعِ والسِّلاحِ جازَ له أنْ يَفعلَ لتَخلُّصِهم به من الأسْرِ وإنْ كانُوا يَتقوَّوْن بما يأخُذون على المُسلِمينَ. ولو قالُوا: أعينونا على المُسلِمينَ بقِتالٍ أو بتَكثيرِ سَوادٍ على أنْ نُخلِّيَ سَبيلَكم لم يَحِلَّ لهم هذا؛ لأنَّه لا رُخصةَ لهم في قِتالِ المُسلِمينَ بحالٍ، ولا في إلقاءِ الرُّعبِ في قُلوبِهم ما لم تَتحقَّقِ الضَّرورةُ، بخَوفِ الهَلاكِ على أنفُسِهم، وذلك غيرُ مَوجودٍ ههنا، ولو قالُوا: «قاتِلوا مَعنا عَدوَّنا من
المُشرِكينَ على أنْ نُخلِّيَكم في بِلادِنا وألَّا نَدَعَكم تَرجِعونَ إلى أهليكم» فليسَ يَنبَغي لهم أنْ يُقاتِلوا معهم؛ لأنَّهم إنْ كانُوا آمِنينَ على أنفُسِهم، لا يَخافونَ من جانِبِهم تَلَف نَفسٍ أو عُضوٍ فلا فَرقَ بينَ أنْ يَكونوا مَحبوسينَ في بِلادِهم، وبينَ أنْ يَكونوا في سُجونِهم؛ لأنَّهم في الوَجهَينِ يَلحَقُهم هَمٌّ بالانقِطاعِ عن أهاليهم، وعن إخوانِهم من المُؤمِنينَ، فلا يَنبَغي لهم أنْ يُقاتِلوا لإظهارِ حُكمِ الشِّركِ، بدونِ مَنفَعةٍ ظاهِرةٍ لهم في ذلك.
وإنْ كانُوا في ضُرٍّ وبَلاءٍ يَخافونَ على أنفُسِهم الهَلاكَ، فلا بأسَ بأنْ يُقاتِلوا معهم المُشرِكينَ، إذا قالُوا: نُخرِجُكم من ذلك؛ لأنَّ لهم في هذا القِتالِ غَرضًا صَحيحًا، وهو دَفعُ البَلاءِ والضُرِّ الذي نزَلَ بهم. ولو أنَّهم خَلَّوْا سَبيلَهم ليَرجِعوا إلى دارِ المُسلِمينَ فظَفِروا بمالٍ من أموالِهم، فلا بأسَ بأنْ يَأخذوها سِرًّا منهم، فيُخرِجوها إلى دارِ الإسلامِ؛ لأنَّهم أُسراءُ في أيديهم ما لم يَخرُجوا، وإنْ خَلَّوْا سَبيلَهم فليسَ في أخذِ أموالِهم وقَتلِ نُفوسِهم إنْ تَمكَّنوا من ذلك غَدرٌ بأمانٍ بَينَهم وبينَ أهلِ الحَربِ، وإنَّما هو إصابةٌ من الحَلالِ، فحالُهم في ذلك كحالِ المُتلصِّصينَ في دارِ الحَربِ، حتى إذا أخرَجُوا ذلك فإنْ كانُوا أهلَ مَنَعةٍ خُمِّسَ، والباقي بينَهم على سِهامِ الغَنيمةِ؛ لأنَّهم إنَّما تَمَّ إحرازُهم لذلك بالإخراجِ إلى دارِ الإسلامِ (١).
وجاء في «المُدوَّنةِ الكُبرى»: (قُلتُ): أرأيتَ لو أنَّ قَومًا من المُسلِمينَ أُسارى في بِلادِ الشِّركِ، أو أنَّ تُجارًا استَعانَ بهم صاحِبُ تلك البِلادِ على
(١) «شرح السير الكبير» (٤/ ١٥١٥، ١٥١٩).
قَومٍ من المُشرِكينَ ناوَؤوه من أهلِ مَملَكتِه أو مِنْ غيرِ أهلِ مَملَكتِه أتَرى أنْ يُقاتِلوا معه أو لا؟
(قالَ): سَمِعتُ مالِكًا يَقولُ في الأُسارى يَكونونَ في بِلادِ المُشرِكينَ يَستَعينُ بهم المَلِكُ على أنْ يُقاتِلوا عَدوًّا له ويُخلِّيَهم إلى بِلادِ الإسلاِم (قالَ): قالَ مالِكٌ: لا أَرى أنْ يُقاتِلوا على هذا، ولا يَحِلُّ لهم أنْ يَسفِكوا دِماءَهم على هذا (قالَ مالِكٌ): وإنَّما يُقاتَلَ الناسُ ليَدخُلوا في الإسلامِ من الكُفرِ، فأمَّا أنْ يُقاتِلوا الكُفارَ ليُدخِلوهم من الكُفرِ إلى الكُفرِ ويَسفِكوا في ذلك دِماءَهم فهذا ممَّا لا يَنبَغي لمُسلمٍ أنْ يَسفِكَ دَمَه على هذا (١).
وذهَبَ الإمامُ ابنُ حَجرٍ الهَيتَميُّ إلى جَوازِ قِتالِ المُسلِمينَ مع الكُفارِ لقِتالِ فِئةٍ أُخرى من الكُفارِ.
سُئلَ رحمة الله عليه: هل يَجوزُ حُضورُ المُسلِمينَ الحُروبَ التي تَقَعُ فيما بينَ الكَفرةِ للمُشاهَدةِ والتَّفرُّجِ أو لا يَجوزُ لما في ذلك من تَكثيرِ جَمعِهم وإعانَتِهم على ظُلمِهم وتَحسينِ طائِفةٍ وتَقبيحِ أُخرى ووُجودِ الخَطرِ؛ فإنَّه رُبَّما تَصِلُ أسهُمُهم إلى الناظِرينَ وكانَ مَشايِخُنا من أهلِ مَلِّيبارَ يَمنَعونَ المُسلِمينَ من حُضورِ حُروبِهم.
وهل يَجوزُ قِتالُ المُسلِمِ مع إحدى الطائِفتَينِ من الكُفارِ حتى يُقتَلَ مَثلًا أو يَقتُلَ من غيرِ حاجةٍ إلى ذلك، أو لا؟ وهل يُؤجَرُ؛ لأنَّه إمَّا أنْ يَقتُلَ كافرًا أو يَقتُلَه كافِرٌ، وهل يُعامَلُ به مُعامَلةَ الشَّهيدِ؟
(١) «المدونة الكبرى» (٣/ ٣١، ٣٢).
فأجاب رحمة الله عليه تبارك وتعالى بقَولِه: إذا وقَعَ قِتالٌ بينَ طائِفتَينِ من الحَربيِّينَ لم يَحرُمِ الحُضورُ؛ لأنَّ كُلًّا من الطائِفتَينِ مُهدَرٌ فالقَتلُ فيهما واقِعٌ في مَحَلِّه فليسَ ثَمَّ مَعصيةٌ أُقِرَّ عليها المُتفرِّجُ بحُضورِه.
نَعمْ إنْ خُشِي -لا على نُدورِ عَودٍ- ضَررٌ عليه من الحُضورِ حرُمَ عليه ولَعلَّ مَنعَ المَشايخِ المَذكورينَ الحُضورَ كانَ لأجلِ ذلك.
ولِلمُسلِمينَ أنْ يُقاتِلوا كُلًّا من الطائِفتَينِ وأنْ يُقاتِلوا إحداهُما -أي: مع الأُخرى- لا بقَصدِ نُصرةِ الطائِفةِ الأُخرى، بل بقَصدِ إعلاءِ كَلِمةِ الإسلامِ وإلحاقِ النِّكايةِ بأعداءِ اللهِ تَعالى، ومَن فعَلَ ذلك بهذا القَصدِ حصَلَ له أجرُ المُجاهِدِ لقَولِه ﷺ في خبَرِ البُخاريِّ وغيرِه: «مَنْ قاتَلَ لتَكونَ كَلِمةُ اللهِ هي العُليا فهو في سَبيلِ اللهِ»، ولا شَكَّ أنَّ من قاتَلَ إحدى الطائفَتَينِ بقَصدِ ذلك كانَ كذلك حتى إذا قُتلَ في الحَربِ أو انقَضَت وحَرَكتُه حَركةُ مَذبوحٍ أو ليسَ به حَياةٌ مُستقِرةٌ عُومِل مُعامَلةَ الشَّهيدِ في الدُّنيا والآخِرةِ فلا يُغسَّلُ ولا يُصلَّى عليه، نَعمْ يُشترطُ أنْ يَعلَمَ مُريدُ القِتالِ أنَّه يَبلُغُ نَوعَ نِكايةٍ فيهم.
أمَّا لو علِمَ أنَّه بمُجرَّدِ أنْ يَبرُزَ للقِتالِ بادَرَه بالقَتلِ من غيرِ أدْنى نِكايةٍ فيهم فلا يَجوزُ له قِتالُهم حينَئذٍ؛ لأنَّه يَقتُلُ نَفسَه من غيرِ فائِدةٍ ألبَتةَ فيَكونُ عليه إثْمُ قاتِلِ نَفسِه واللهُ ﷾ أعلَمُ (١).
فالأمرُ كلُّه راجِعٌ إلى نِيَّةِ المُجاهِدِ، فأغلَبَ أحاديثِ الجِهادِ الأمرُ فيها راجِعٌ على نِيةِ المُجاهِدِ، فالجَميعُ في المَعركةِ يُقاتِلونَ لكنْ تَختلِفُ نيَّةُ كلِّ واحِدٍ منهم، فمِنهم مَنْ يُقاتِلُ رِياءً وسُمعةً، ومنهم مَنْ يُقاتِلُ مِنْ أجلِ
(١) «الفتاوى الفقهية الكبرى» (٤/ ٢٢٢).
الغَنيمةِ ومنهم مَنْ يُقاتِلُ دِفاعًا عن المَظلومينَ، ومنهم مَنْ يُقاتِلُ لتَكونَ كَلِمةُ اللهِ هي العُليا.
فمِن أجلِ هذا قالَ النَّبيُّ ﷺ: «مَنْ قاتَلَ لتَكونَ كَلِمةُ اللهِ هي العُليا فهو في سَبيلِ اللهِ»، ويَدخُلُ في هذا كلُّ مَنْ جاهَدَ لإيصالِ كَلِمةِ اللهِ العُليا للناسِ.
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: وقد يُقاتِلونَ وفيهم مُؤمِنٌ يَكتُمُ إيمانَه يَشهَدُ القِتالَ معهم -أي: مع الكُفارِ ضِدَّ المُؤمِنينَ- ولا يُمكِنُه الهِجرةُ وهو مُكرَهٌ على القِتالِ ويُبعَثَ يَومَ القيامةِ على نِيَّتِه كما في الصَّحيحِ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «يَغزو جَيشٌ هذا البَيتَ فبينَما هُمْ ببَيداءَ من الأرضِ إذْ خُسِف بهم، فقيل: يا رَسولَ اللهِ، وفيهم المُكرَهُ؟ فقالَ: يُبعَثونَ على نِيَّاتِهم»، وهذا في ظاهِرِ الأمرِ، وإنْ قُتلَ وحُكِم عليه بما يُحكَمَ على الكُفارِ فاللهُ يَبعَثَه على نِيَّتِه كما أنَّ المُنافِقينَ مِنَّا يُحكَمَ لهم في الظاهِرِ بحُكمِ الإسلامِ ويُبعَثونَ على نِيَّاتِهم فالجَزاءُ يَومَ القيامةِ على ما في القُلوبِ لا على مُجرَّدِ الظَّواهِرِ.
ولِهذا رُوي أنَّ العَبَّاسَ قالَ: يا رَسولَ اللهِ: كُنْتُ مُكرَهًا، قالَ: «أمَّا ظاهِرُك فكانَ علَينا، وأمَّا سَريرَتُك فإلى اللهِ».
وبالجُملةِ لا خِلافَ بينَ المُسلِمينَ أنَّ مَنْ كانَ في دارِ الكُفرِ وقد آمَنَ وهو عاجِزٌ عن الهِجرةِ لا يَجبُ عليه مِنْ الشَّرائِعِ ما يَعجِزُ عنها، بل الوُجوبُ بحسَبِ الإمكانِ» (١).
(١) «منهاج السُّنة النبوية» (٥/ ١٢١، ١٢٢).
كتاب الهدنة والصلح مع أهل الحرب
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب السرقة)
(باب قطاع الطريق)
(باب قطاع الطريق)
(مسألة)
قال الشافعي: " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ إِذَا قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ قُتِّلُوا وَصُلِّبُوا وَإِذَا قَتَلُوا وَلَمْ يَأْخُذُوا الْمَالَ قُتِّلُوا وَلَمْ يُصَلَّبُوا وَإِذَا أَخَذُوا الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلُوا قُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ وَنَفْيُهُمْ إِذَا هَرَبُوا أَنْ يُطْلَبُوا حَتَّى يُؤْخَذُوا فَيُقَامَ عَلَيْهِمُ الْحَدُّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) فبهذا أقول) .
قال الماوردي: والأصل في الحرابة وقطاع الطرق مُجَاهَرَةً قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} المائدة: ٣٣ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَأُرِيدَ بِهَا عَلَى أربعة أقاويل:
أحدها: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَهْدٌ فَنَقَضُوهُ وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ، فَحَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ فِيهِمْ، فَيَكُونُ حُكْمُهَا مَقْصُورًا عَلَى نَاقِضِي الْعَهْدِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
ارجع إلى الاستعانة بغير المسلمين وبالمسلمين للاطلاع على جميع المسائل.