خامسا: المقدرة المالية

الإسلام > الجنايات والحدود > الجزية > خامسا: المقدرة المالية

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 7 دقيقة قراءة

خامسا: المقدرة المالية - الأقوال والأدلة

وقد رُوي عن النَّبيِّ أنَّه قالَ: «لَا جِزيةَ عَلَى عَبْدٍ» (١)، وفي رَفعِه نَظرٌ، وهو ثابِتٌ عن ابنِ عُمرَ، وإنَّ العبدَ مَحقونُ الدَّمِ فأشبَهَ النِّساءَ والصِّبيانَ، ولأنَّه لا مالَ له فهو أسوأُ حالًا من الفَقيرِ العاجِزِ، ولأنَّها لو وجَبَت عليه لوجَبَت على سَيِّده؛ إذْ هو المُؤدِّي لها عنه، فيَجبُ عليه أكثَرُ من جِزيةٍ، ولأنَّه تَبعٌ فلمْ تَجِبْ عليه الجِزيةُ كذُرِّيةٍ الرَّجلِ وامرأتِه، ولأنَّه مَملوكٌ فلمْ تَجِبْ عليه كبَهائِمِه ودَوابِّه.

وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخرى أنَّها تَجِبُ عليه (٢).

خامِسًا: المَقدرةُ الماليةُ:

اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الجِزيةَ تُوضَعُ على الفَقيرِ المُعتمِلِ (المُتكسِّبِ) وهو القادِرُ على العَملِ.

واختَلفُوا في الفَقيرِ غيرِ المُعتمِلِ غيرِ القادِرِ على أدائِها:

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ والشافِعيُّ في قَولٍ إلى أنَّ الجِزيةَ لا تَجِبُ على الفَقيرِ العاجِزِ عن العَملِ (٣).

واستدَلُّوا لذلك بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ووَجهُ الاستِدلالِ من الآيةِ أنَّ الفَقيرَ العاجِزَ عن الكَسبِ ليسَ في وُسعِه أنْ يَدفعَ الجِزيةَ، ومتى كانَ الأمرُ كذلك فلا يُكلَّفُ بها.

(١) قال الحافظ ابن حجر رحمة الله عليه في «تلخيص الحبير» (٤/ ١٢٣): رُوي مَرفوعًا ومَوقوفًا على عُمرَ، وليسَ له أصلٌّ بل المَرويُّ عنها خِلافَه.
(٢) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٥٨).
(٣) «المغني» (١٢/ ٦٧٢).

وقد وضَعَ عُمرُ بنُ الخَطابِ الجِزيةَ على رُؤوسِ الرِّجالِ، وضَعَها على الغَنيِّ ثَمانيةً وأربَعينَ دِرهمًا، وعلى المُتوسِّطِ أربَعةً وعِشرينَ دِرهمًا، وعلى الفَقيرِ المُكتسِبِ اثنَيْ عَشرَ دِرهمًا (١).

فقد فرَضَها عُمرُ رضي الله عنه على طَبقاتٍ ثَلاثٍ، أَدناها الفَقيرُ المُعتمِلُ، فدلَّ بمَفهومِه على أنَّ الجِزيةَ لا تَجِبُ على الفَقيرِ غيرِ المُعتمِلِ، وقد كانَ ذلك بمَحضَرَ الصَّحابةِ رِضوانُ اللهِ عليهم، ولم يُنكِرْ عليه أحدٌ، فهو إجماعٌ (٢).

وقالُوا: إنَّ الجِزيةَ مالٌ يَجبُ بحُلولِ الحَولِ، فلا يَلزمُ الفَقيرَ العاجِزَ عن الكَسبِ كالزَّكاةِ والدِّيةِ (٣).

أمَّا الشافِعيةُ: فقالَ منهم الشِّيرازيُّ رحمة الله عليه: وفي الفَقيرِ الذي لا كَسبَ له قَولانِ:

أحدُهما: أنَّه (لا تَجِبُ عليه الجِزيةُ)؛ لأنَّ عُمرَ رضي الله عنه جعَلَ أهلَ الجِزيةِ طَبقاتٍ، وجعَلَ أدناهم الفَقيرَ المُعتمِلَ، فدلَّ على أنَّها لا تَجِبُ على غيرِ المُعتمِلِ، ولأنَّه إذا لم يَجبْ خَراجُ الأرضِ في أرضٍ لا نَباتَ لها لم

(١) «السنن الكبرى» (٩/ ١٩٦).
(٢) «تبيين الحقائق» (٣/ ٢٧٦)، و «الاختيار» (٤/ ١٤٦)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ١١٢)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ١٣٠)، و «الحاوي الكبير» (١٤/ ٣٠١)، و «المهذب» (٢/ ٢٥٢)، و «المغني» (١٢/ ٦٧٢)، و «الكافي» (٤/ ١٢٥)، و «أحكام أهل الذمة» (١/ ٥٢، ٥٣).
(٣) «المغني» (١٢/ ٦٧٢).

يَجبْ خَراجُ الرِّقابِ في رَقبةٍ لا كَسبَ لها، فعلى هذا يَكونُ مع الأغنياءِ في عَقدِ الذِّمةِ، فإذا أيسَرَ استُؤنِفَ الحَولُ.

والثانِي: أنَّها تَجِبُ عليه؛ لأنَّها تَجِبُ على سَبيلِ العِوضِ فاستَوى فيه المُعتمِلُ وغيرُ المُعتمِلِ، كالثَّمنِ والأُجرةِ، ولأنَّ المُعتمِلَ وغيرَ المُعتمِلِ يَستويانِ في القَتلِ بالكُفرِ فاستَويا في الجِزيةِ، فعلى هذا يُنظَرُ إلى المَيسرةِ، فإذا أيسَرَ طُولِب بجِزيةِ ما مَضى.

ومِن أصحابِنا مَنْ قالَ: لا يُنظَرُ؛ لأنَّه يَقدِرُ على حَقنِ الدَّمِ بالإسلامِ، فلم يُنظَرْ كما لا يُنظَرُ من وجَبَت عليه كَفارةٌ ولا يَجدُ رَقبةً وهو يَقدِرُ على الصَّومِ، فعلى هذا يَقولُ له: إنْ تَوصَّلت إلى أداءِ الجِزيةِ خَلَّيناكَ، وإنْ لم تَفعَلَ نَبذْنا إليكَ العَهدَ (١).

وقالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: ولا جِزيةَ على فَقيرٍ عاجِزٍ عن أَدائِها، هذا قَولُ الجُمهورِ.

وللشافِعيِّ ثَلاثةُ أقوالٍ: هذا أحدُها.

والثانِي: يَجبُ عليه، وعلى هذا قَولانِ:

أحدُهما: أنَّه يَخرجُ من بِلادِ الإسلامِ أو لا سَبيلَ إلى إِقامَتِه في دارِ الإِسلامِ بغيرِ جِزيةٍ.

والثانِي: تَستقرُّ في ذِمَّتِه وتُؤخذُ منه إذا قدِرَ عليها.

(١) «المهذب» (٢/ ٢٥٢)، وانظر: «الحاوي الكبير» (١٤/ ٣٠١).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 476 - 478

ارجع إلى الجزية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.8 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله