الجزية

الإسلام > الجنايات والحدود > الجزية

مسائلُ فقهيةٌ في الجزية على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 6 دقيقة قراءة

تعريف الجزية وحكمها

فصل في الجِزيةِ

تَعريفُ الجِزيةِ:

قالَ الجَوهَريُّ: الجِزيةُ ما يُؤخَذُ من أهلِ الذِّمةِ، والجَمعُ الجِزَى (بالكَسرِ)، مِثلَ لحيةٍ وَلِحًى. وهي عِبارةٌ عن المالِ الذي يَعقِدُ الكِتابيُّ عليه الذِّمةَ، وهي فَعلةٌ من الجَزاءِ كأنَّها جزَت عن قَتلِه.

وقالَ ابنُ مَنظورٍ رحمة الله عليه: الجِزيةُ أيضًا خَراجُ الأرضِ (١).

وقالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: الجِزيةُ (بكَسرِ الجِيمِ) جَمعُها جِزًى (بالكَسرِ) أيضًا كقِربةٍ وقِرَبٍ ونَحوِه، وهي مُشتقةٌ من الجَزاءِ كأنَّها جَزاءُ إسكانَنا إيَّاه في دارِنا، وعِصمَتِنا دَمَه ومالَه وعِيالَه، وقيلَ: هي مُشتقةٌ من جَزَى يَجزِي إذا قَضى، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] أي: لا تَقضي (٢).

قد اختَلفَت وُجهاتُ نَظرِ الفُقهاءِ في تَعريفِ الجِزيةِ اصطِلاحًا تَبعًا لاختِلافِهم في طَبيعَتِها، وفي حُكمِ فَرضِها على المَغلوبينَ الذين فُتِحت أرضُهم عَنوةً (أي: قَهرًا لا صُلحًا).

(١) «لسان العرب» (١٤/ ١٤٧).
(٢) «تهذيب الأسماء» (٣/ ٤٨).

فعرَّفَها الحَنفيةُ بأنَّها: اسمٌ لما يُؤخَذُ من أهلِ الذِّمةِ؛ لأنَّها تُجزِئُ من القَتلِ، أي: تَعصِمُ.

وعرَّفَها الإمامُ نَجمُ الدِّينِ الطُّرسوسيُّ رحمة الله عليه بقَولِه: هي اسمٌ لما يُؤخذُ من أهلِ الذِّمةِ كلَّ سَنةٍ، وهي شِبهُ ضَريبةٍ تَقومُ مَقامَ الزَّكاةِ التي يَلتزِمونَ بها لو كانُوا مُسلِمينَ، الجَمعُ جِزًى، كلِحيةٍ، لحًى، وهي ضَربانِ، ضَربٌ يُوضَعُ بالتَّراضي والصُّلحِ قبلَ انتِصارِ المُسلِمينَ، وقِسمٌ يُفرَضَ بعدَ النَّصرِ.

وبدَفعِ هذه الجِزيةِ يُصبِحُ لهم الحقُّ في الأمانِ والحِمايةِ من الدَّولةِ الإِسلاميةِ، والحقُّ في مُمارَسةِ شُؤونِهم الدِّينيةِ بحُرِّيةٍ.

وفي أحوالِهم الشَّخصيةِ لهم الاختيارُ بينَ القَضاءِ الإسلاميِّ وبينَ قَضاءِ طائِفَتِهم، كما أنَّ لهم حُقوقَ المُواطَنةِ والكَرامةِ الإنسانيةِ؛ فإنْ لم يُؤدُّوا الجِزيةَ وامتنَعوا عن ذلك لا تَسقُطُ حُقوقُهم عندَ أبي حَنيفةَ، وإنَّما تَبقى دَينًا في ذِمَّتِهم (١).

وعرَّفَها المالِكيةُ بأنَّها: إذنُ الإمامِ لكافرٍ في سُكنى مَوضِعٍ مَخصوصٍ على إعطاءِ مالٍ مَخصوصٍ بشَرطِ كَونِ الكافِرِ على وَصفٍ مَخصوصٍ، ويَكونُ العاقِدُ الإمامَ لا غيرَه، فلو عَقدَها مُسلِمٌ ابتِداءً بغيرِ إذنِ الإمامِ لم تَصحَّ لكنْ يُمنَعُ الاغتيالُ، أي: من القَتلِ والأسْرِ (٢).

(١) «تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك» (١/ ٨٠).
(٢) «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٤٤)، و «منح الجليل» (٣/ ٢١٤)، و «الذخيرة» (٣/ ٤٥١).

وعرَّفَها الإمامُ الحِصنيُّ من الشافِعيةِ بأنَّها: المالُ المأخوذُ بالتَّراضي لإسكانَنا إيَّاهم في دِيارِنا، أو لحَقنِ دِمائِهم وذَراريِّهم وأموالِهم، أو لكَفِّنا عن قِتالِهم.

ثم قالَ: واختارَ القاضي حُسَينٌ الأخيرَ، وضعَّفَ الأولَ بالمَرأةِ؛ فإنَّها تَسكُنُ دارَنا ولا جِزيةَ عليها، وضَعَّف الثانِي بأنَّها تُكرَّرُ، أي: الجِزيةُ، بتَكرُّرِ السِنينَ، وبَذلُ الحَقِّ لا يَتكرَّرُ.

وقالَ إمامُ الحَرمَينِ: الوَجهُ أنْ يَجمَعَ مَقاصِدَهم ويَقولَ: هي -أي: مَقاصِدُهم- تُقابِلُ الجِزيةَ (١).

وعرَّفَها الحَنابِلةُ بأنَّها: مالٌ يُؤخَذُ منهم على وَجهِ الصَّغارِ كلَّ عامٍ بَدلًا من قَتلِهم وإقامَتِهم بدارِنا (٢).

وقالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: فالجِزيةُ هي الخَراجُ المَضروبُ على رُؤوسِ الكُفارِ إذلالًا وصَغارًا، والمَعنى: حتى يُعطُوا الخَراجَ عن رِقابِهم.

واختُلفَ في اشتِقاقِها، فقالَ القاضي في «الأحكامِ السُّلطانيةِ»: اسمُها مُشتَقٌّ من الجَزاءِ؛ إمَّا جَزاءً على كُفرِهم لأخذِها منهم صَغارًا، أو جَزاءً على أمانِنا لهم لأخذِها منهم رِفقًا.

(١) «كفاية الأخيار» (١/ ٥٠٨).
(٢) «المبدع» (٢/ ١٦)، و «الروض المربع» (٢/ ١٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (١/ ٦٥٩)، و «كشاف القناع» (٣/ ١١٧).

مسائل الجزية الفقهية

ارجع إلى الجنايات والحدود للاطلاع على جميع الأبواب.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20 / 29.5
الإضاءة 72%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل