مقدار الجزية

الإسلام > الجنايات والحدود > الجزية > مقدار الجزية

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 22 دقيقة قراءة

مقدار الجزية - الأقوال والأدلة

مِقدارُ الجِزيةِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في مِقدارِ الجِزيةِ:

فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الجِزيةَ على ضَربَيْن، هُما: جِزيةٌ تُوضَعُ بالتَّراضي والصُّلحِ، وجِزيةٌ يَبتدِئُ الإمامُ بوَضعِها على الكُفارِ إذا فتَحَ بِلادَهم عَنوةً.

فالضَّربُ الأولُ: الجِزيةُ الصُّلحيةُ، ليسَ لها حَدٌّ مُعيَّنٌ، بل تُقدَّرُ بحسَبِ ما يَقعُ عليه الاتِّفاقُ بينَ الإمامِ وأهلِ الذِّمةِ (١). واستدَلُّوا لذلك باختِلافِ مَقاديرِ الجِزيةِ الصُّلحيةِ من مَجموعةٍ إلى مَجموعةٍ أُخرى.

فقد صالَحَ النَّبيُّ أهلَ نَجرانَ على أَلفَي حُلةٍ، النِّصفُ في صَفَرَ، والبَقيةُ في رَجَبٍ يُؤدُّونَها إلى المُسلِمينَ (٢).

وأمَرَ النَّبيُّ مُعاذًا لمَّا وجَّهَه إلى اليَمنِ، «أنْ يَأخذَ مِنْ كلِّ حالِمٍ -يَعني مُحتَلِمًا- دِينارًا أو عَدلَهُ من المَعافِرِ -ثِيابٌ تَكونُ بِاليَمَنِ» (٣).

وصالَحَ عُمرُ رضي الله عنه بَني تَغلِبَ على أنْ يُؤدُّوا ضِعفَ زَكاةِ المُسلِمينَ.

رَوى البَيهَقيُّ عن عُبادةَ بنِ النُّعمانِ التَّغلِبيِّ في حَديثٍ طَويلٍ أنَّ عُمرَ رضي الله عنه لمَّا صالَحَهم -يَعني نَصارى بَني تَغلِبَ- على تَضعيفِ

(١) «أحكام القرآن» للجصاص (٤/ ٢٩١)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٢٧٦)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٥٠، ٥١)، و «الاختيار» (٤/ ١٣٧)، و «مختصر اختلاف العلماء» للطحاوي (٣/ ٤٨٦)، و «بداية المجتهد» (١/ ٥٤٢).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٣٠٤١).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (١٥٧٦).

الصَّدقةِ قالُوا: نَحنُ عَرَبٌ ولا نُؤدِّي ما تُؤَدِّي العَجَمُ، ولكنْ خُذْ منَّا كما يَأخذُ بَعضُكم من بَعضٍ، يَعنُونَ الصَّدَقةَ، فقالَ عُمرُ رضي الله عنه: لا، هذا فَرضٌ على المُسلمِينَ. فقالُوا: فَزِدْ ما شِئْتَ بهذا الاسمِ، لا باسمِ الجِزيةِ، ففعَل، فتَراضى هو وهُم على أنْ ضعَّفَ عليهم الصَّدَقةَ. وفي بعضِ طُرُقِه: (سَمُّوها ما شِئتُم) (١).

والضَّربُ الثانِي: الجِزيةُ العَنويةِ وهي جِزيةٌ يَبتدِئُ الإمامُ بوَضعِها إذا غلَبَ الإمامُ على الكُفارِ واستَولى عليهم وأقرَّهم على أملاكِهم. وهذا الضَّربُ من الجِزيةِ مُقدَّرٌ، الأَقلُّ والأكثَرُ.

فيَضعُ على الغَنيِّ الظاهِرِ الغِنى في كلِّ سَنةٍ ثَمانيةً وأربَعينَ دِرهمًا يَأخذُ منه في كلِّ شَهرٍ أربَعةَ دَراهمَ، وعلى المُتوسِّطِ الحالِ أربَعةً وعِشرين دِرهمًا في كلِّ شَهرٍ دِرهَمينِ.

وعلى الفَقيرِ المُعتمِلِ اثنَيْ عَشرَ دِرهمًا في كلِّ شَهرٍ دِرهمًا، والمُعتمِلُ هو الذي يَقدِرُ على تَحصيلِ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ بأيِّ وَجهٍ كانَ، وإنْ كانَ لا يُحسِنُ الحِرفةَ أصلًا.

وأمَّا الفَقيرُ الذي ليسَ بمُعتمِلٍ فلا جِزيةَ عليه.

وذلك لأنَّ عُمرَ بنَ الخَطابِ وضَعَ في الجِزيةِ على رُؤوسِ الرِّجالِ على

(١) أخرجه البيهقي في «الكبرى» (٩/ ٢١٦)، وأبو عبيد في «الأموال» ص (٤٠)، وابن زنجويه في «الأموال» (١/ ١٣١)، و «الخراج» لأبي يوسف ص (١٢٠).

الغَنيِّ ثَمانيةً وأربَعينَ دِرهمًا، وعلى المُتوسِّطِ أربَعةً وعِشرينَ دِرهمًا، وعلى الفَقيرِ اثنَيْ عشَر دِرهمًا (١).

قالَ السَّرخسيُّ رحمة الله عليه: ونَصبُ المَقاديرِ بالرأيِ لا يَكونُ، فعرَفْنا أنَّ عُمرَ اعتمَدَ السَّماعَ من النَّبيِّ فأخذْنا به (٢). وقد فعَلَ عُمرُ ذلك بمَحضَرَ من الصَّحابةِ.

واستدَلُّوا بقياسِ الجِزيةِ على خَراجِ الأرضِ، فقد جعَلَ الخَراجَ على مِقدارِ الطاقةِ، واختَلفَ بحسَبِ اختِلافِ الأرضِ وطاقَتِها الإنْتاجيةِ، فوجَبَ أنْ تَكونَ الجِزيةُ على قَدرِ الطاقةِ والإمكانِ، فتَختلِفَ بحسَبِ طاقةِ الشَّخصِ وإمْكاناتِه الماليةِ.

وبأنَّ الجِزيةَ إنَّما وجَبَت عِوضًا عن النُّصرةِ للمُسلِمينَ، والنُّصرةُ من المُسلِمينَ تَتفاوتُ، فالفَقيرُ يَنصرُ دارَ الإسلامِ راجِلًا، ومُتوسِّطُ الحالِ يَنصرُها راجِلًا ورَاكِبًا، والمُوسِرُ يَنصرُها بالرُّكوبِ بنَفسِه وإِركابِ غيرِه، فوجَبَ أنْ تَكونَ الجِزيةُ على قَدرِ طاقةِ الشَّخصِ وإِمكاناتِه الماليةِ (٣).

(١) أخرجه البيهقي في «الكبرى» (٩/ ١٩٦)، وأبو عبيد في «الأموال» (٥٦)، وابن زنجويه في «الأموال» (١/ ١٦٠).
(٢) «المبسوط» (١٠/ ٧٨).
(٣) «المبسوط» (١٠/ ٧٨)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ١١١)، و «العناية شرح الهداية» (٨/ ٩١)، و «البحر الرائق» (٥/ ١١٩)، و «درر الحكام» (٣/ ٤٠٠)، و «اللباب» (٤/ ١٤٣)، و «دستور العلماء» (١/ ٢٧٣)، و «أحكام القرآن» للجصاص (٤/ ٢٩١)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٢٧٦)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٥٠، ٥١)، و «الاختيار» (٤/ ١٣٧).

واختَلفَ الحَنفيةُ في المُرادِ بالغَنيِّ والمُتوسِّطِ والفَقيرِ على خَمسةِ أقوالٍ: المُختارُ عندَهم ما قالَه أبو جَعفَرٍ الطَّحاويُّ: يُنظَرُ إلى عادةِ كلِّ بَلدٍ في ذلك، فصاحِبُ خَمسينَ ألفًا ببَلخَ يُعَدُّ من المُكثِرينَ، وفي البَصرةِ لا يُعَدُّ مُكثِرًا، فيُعتبَرُ في كلِّ بَلدةٍ عُرفُها، فمَن عَدَّه الناسُ في بَلدِهم فَقيرًا أو وَسطًا أو غَنيًّا فهو كذلك، وهذا هو المُختارُ عندَ الحَنفيةِ.

قالَ المَوصِليُّ رحمة الله عليه: «والمُختارُ أنْ يُنظرَ في كل بَلدٍ إلى حالِ أهلِه، وما يَعتبِرونَه في ذلك؛ فإنَّ عادةَ البِلادِ في ذلك مُختلِفةٌ» (١).

وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الجِزيةَ ضَربان: صُلحيَّةٌ، وعَنويَّةٌ:

فالضَّربُ الأولُ: الجِزيةُ الصُّلحيَّةُ: وهي التي عُقِدت مع الذين منَعوا أنفُسَهم وأموالَهم وبِلادَهم من أنْ يَستوليَ عليها المُسلِمونَ بالقِتالِ، وهي تُقدَّرُ بحسَبِ ما يَتَّفقُ عليه الطَّرفانِ، ولا حَدَّ لأقلِّها ولا أكثَرِها عندَ بعضِ المالِكيةِ، واستظهَرَ ابنُ رُشدٍ أنَّ الصُّلحيَّ إنْ بُذِل القَدرُ الذي على العَنويِّ يَلزمُ الإمامَ أنْ يَقبلَه منه، ويَحرُمُ على الإمامِ أنْ يُقاتِلَه، واستدَلُّوا بأدِلةِ الحَنفيةِ السابِقةِ.

والضَّربُ الثانِي: الجِزيةُ العَنويَّةُ: وهي التي تُفرَضَ على أهلِ البِلادِ المَفتوحةِ عَنوةً، وتُقدَّرُ بأربَعةِ دَنانيرَ على أهلِ الذَّهَبِ، وأربَعينَ دِرهمًا على أهلِ الفِضةِ، بلا زِيادةٍ ولا نُقصانٍ.

(١) «الاختيار» (٤/ ١٤٥)، و «أحكام أهل الذمة» (١/ ٣٧).

وقد استدَلُّوا لذلك بما رَوى الإمامُ مالِكٌ عن نَافِعٍ عن أسْلَمَ مَولى عُمرَ بنِ الخَطابِ «أنَّ عُمرَ بنَ الخَطابِ ضرَب الجِزيةَ على أهلِ الذَّهبِ أربَعةَ دَنانيرَ وعلى أهلِ الوَرِقِ أربَعينَ دِرهمًا، مع ذلك أرزاقُ المُسلِمينَ وضيافةُ ثَلاثةِ أيامٍ» (١).

قالَ الباجيُّ رحمة الله عليه: المُرادُ بأرزاقِ المُسلِمينَ أقواتُ مَنْ عِندَهم من أجنادِ المُسلِمينَ على قَدرِ ما جرَت عادةُ أهلِ تلك الجِهةِ من الاقتِياتِ، والمُرادُ بالضيافةِ ضيافةُ المُجتازِ من المُسلِمينَ على أهلِ الذِّمةِ (٢).

وهو يَقتَضي أنَّه قدَّرَها بهذا المِقدارِ، وذلك لما رآهُ من الاجتِهادِ والنَّظرِ للمُسلِمينَ واحتِمالِ أحوالِ أهلِ الجِزيةِ.

وأمَّا أرزاقُ المُسلِمينَ والضِّيافةُ، فقد قالَ مالِكٌ رحمة الله عليه: «أَرى أنْ تُوضَعَ عنهم اليَومَ الضِّيافةُ والأَرزاقُ، لما حدَثَ عليهم من الجَورِ» وذلك سَدًّا للذَّريعةِ، ونقَلَ الدُّسوقيُّ عن الباجيِّ وأقرَّه أنَّه إنِ انتَفى الظُّلمُ لا تَسقُطُ (٣).

وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ أقلَّ الجِزيةِ دِينارٌ ذَهبيٌّ خالِصٌ، ولا حَدَّ لأكثرِها، فلا يَجوزُ للإمامِ التَّراضي مع أهلِ الذِّمةِ على أقَلَّ من دينارٍ في حالةِ القُوةِ، وتَجوزُ الزِّيادةُ على الدِّينارِ.

(١) أَخرَجه الإمام مالك في «الموطأ» (١/ ٢٧٩) رقم (٦١٧).
(٢) «المنتقى» (٢/ ١٧٣).
(٣) «حاشية الدسوقي» (٢/ ٢٠٢)، و «بلغة السالك» (٢/ ٢٠١)، و «التمهيد» (٢/ ١٢٨)، و «الاستذكار» (٣/ ٢٤٤)، و «بداية المجتهد» (١/ ٥٤٢)، و «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٥/ ٣٣١)، و «تفسير القرطبي» (٨/ ١١١)، و «فتح القدير» (٢/ ٣٥١)، و «المنتقى» (٢/ ١٧٣)، و «الفروق» (١/ ٣٤٨).

بل تُستحَبُّ المُماكَسةُ في الزِّيادةِ: بأنْ يَطلُبَ منهم أكثرَ من دِينارٍ إنْ ظَنَّ إجابتَهم إليها، أمَّا إذا علِمَ أو ظَنَّ أنَّهم لا يُجيبونه إلى تلك الزِّيادةِ، فلا مَعنى للمُماكَسةِ.

وفي حالة الضَّعفِ يَجوزُ للإمامِ التَّراضي مع أهلِ الذِّمةِ على أقَلَّ من الدِّينارِ.

واستدَلُّوا لذلك بحَديثِ مُعاذٍ السابِقِ، وأنَّ النَّبيَّ أمَرَ مُعاذًا لمَّا وَجَّهه إلى اليَمنِ «أنْ يَأخذَ مِنْ كلِّ حالِمٍ -يَعني مُحتَلِمًا- دِينارًا أو عَدلَهُ من المَعافِرِ -ثِيابٌ تَكونُ بِاليَمَنِ-» (١).

فالحَديثُ يَدلُّ على تَقديرِ الجِزيةِ بالدِّينارِ من الذهَبَ على كلِّ حالِمٍ، وظاهِرُ إطلاقِه سَواءٌ أكانَ غَنيًّا أم مُتوسِّطًا أم فَقيرًا.

وقد أخَذَها النَّبيُّ من أهلِ «أيْلَةَ»، حيثُ قدِمَ يُوحَنَّا بنُ رُؤبةَ على رَسولِ اللهِ في تَبوكَ، وصالَحه على كلِّ حالِمٍ بأرضِه في السَّنةِ دينارًا، واشتَرطَ عليهم قُرى مَنْ مرَّ بهم من المُسلِمينَ (٢).

وقد أخَذَ رَسولُ اللهِ من أهلِ نَجرانَ ألفَيْ حُلةٍ، أخَذَ نِصفَها في صَفَرَ والبَقيَّةَ في رَجَبٍ (٣).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (١٥٧٦).
(٢) أخرَجَه عبد الرزاق في «مصنفه» (٦/ ٨٦) رقم (١٠٠٩٣).
(٣) أخرَجَه البيهقي في «الكبرى» (٩/ ١٩٥).

قالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: سَمِعتُ بعضَ أهلِ العِلمِ من المُسلِمينَ ومن أهلِ الذِّمةِ من أهلِ نَجرانَ يَذكُرُ أنَّ قيمةَ ما أُخذَ من كلِّ واحِدٍ دينارٌ (١).

ورَوى الشافِعيُّ عن إبراهيمَ بنِ مُحمدٍ عن أبي الحُوَيرثِ أنَّ النَّبيَّ «ضرَبَ على نَصرانِيٍّ بمَكةَ يُقالُ له مَوهَبٌ دِينارًا كُلَّ سَنَةٍ» (٢) واستدَلُّوا لجَوازِ عَقدِها مع أهلِ الذِّمةِ على أقَلَّ من دينارٍ في حالةِ الضَّعفِ، بأنَّ من القَواعِدِ المُقرَّرةِ شَرعًا: (أنَّ تَصرُّفَ الإمامِ على الرَّعيةِ مَنوطٌ بالمَصلَحةِ) فإذا كانَ في عَقدِ الذِّمةِ على أقَلَّ من دينارٍ مَصلَحةٌ ظاهِرةٌ وجَبَ المَصيرُ إليه (٣).

أمَّا الإمامُ أحمدُ فقد ضمَّنَ مَذهبَه أربَعَ رِواياتٍ:

إحداها: أنَّه لا يُزادُ فيها ولا يُنْقَصُ على ما وضَعه عُمرُ رضي الله عنه.

والثانِيةُ: تَجوزُ الزِّيادةُ دونَ النُّقصانِ.

والثالِثةُ: أنَّ أهلَ اليَمنِ خاصةً لا يُزادُ عليهم ولا يُنْقَصُ.

والرابِعةُ: وهي المَذهبُ -نقَلَها عنه الأثرَمُ-: أنَّ المَرجِعَ في الجِزيةِ إلى الإمامِ، فله أنْ يَزيدَ ويَنقُصَ على قَدرِ طاقةِ أهلِ الذِّمةِ، وعلى ما يَراه.

(١) «الأم» (٤/ ١٧٩).
(٢) أخرَجَه الشافعي في «الأم» (٤/ ١٧٩)، ومن طريقه البيهقي في «الكبرى» (٩/ ١٩٥).
(٣) «الأم» (٤/ ١٧٩)، و «الحاوي الكبير» (١٤/ ٣٠٠)، و «روضة الطالبين» (١٠/ ٣١١)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٣٤٨)، و «الإقناع» (٢/ ٥٧٠)، و «أسنى المطالب» (٤/ ٢١٥)، و «نهاية المحتاج» (٨/ ٨٧، ٨٨)، و «الأحكام السلطانية» ص (١٤٤)، و «المنثور» (١/ ٣٠٩)، و «الأشباه والنظائر» (١/ ١٢١).

قالَ الأثرَمُ: قيلَ لأبي عبدِ اللهِ: فيُزادُ اليَومَ فيه ويُنقَصُ -يعني الجِزيةَ- قالَ: نَعمْ يُزادُ فيه ويُنقَصُ على قَدرِ طاقَتِهم على قَدرِ ما يَرى الإمامُ، وذكَرَ أنَّه زِيدَ عليهم فيما مَضى دِرهَمان فجعَلَه خَمسينَ، قالَ الخَلَّالُ: العَملُ في قَولِ أبي عبدِ اللهِ على ما رَواه الجَماعةُ بأنَّه لا بأسَ للإمامِ أنْ يَزيدَ في ذلك ويَنقُصَ على ما رَواه عنه أصحابُه في عَشرةِ مَواضِعَ، فاستَقرَّ قَولُه على ذلك، وهذا هو المَذهبُ كما قالَ المَرداويُّ في الإنصافِ، وهذا قَولُ الثَّوريِّ وأبي عُبيدٍ.

واستدَلُّوا لذلك بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.

فلَفظُ الجِزيةِ في الآيةِ مُطلَقٌ غيرُ مُقيَّدٍ بقَليلٍ أو كَثيرٍ، فيَنبَغي أنْ يَبقى على إِطلاقِه، غيرَ أنَّ الإمامَ لمَّا كانَ وَليَّ أمرِ المُسلِمينَ جازَ له أنْ يَعقِدَ مع أَهلِ الذِّمةِ عَقدًا على الجِزيةِ بما يُحقِّقُ مَصلَحةَ المُسلِمينَ؛ لأنَّ تَصرُّفَ الإمامِ على الرَّعيةِ مَنوطٌ بالمَصلَحةِ.

ولأنَّ النَّبيَّ أمَرَ مُعاذًا أنْ يَأخذَ من كلِّ حالِمٍ دينارًا، وصالَحَ أهلَ نَجرانَ على ألفَيْ حُلةٍ، نِصفُها في صَفَرَ والبَقيَّةُ في رَجَبٍ.

وجعَلَ عُمرُ بنُ الخَطابِ الجِزيةَ على ثَلاثِ طَبَقاتٍ، جعَلَ على الغَنيِّ ثَمانيةً وأربَعينَ دِرهمًا، وعلى المُتوسِّطِ أربَعةً وعِشرينَ دِرهمًا، وعلى الفَقيرِ اثنَيْ عَشرَ دِرهمًا، وصالَحَ بَني تَغلِبَ على ضِعفِ ما على المُسلِمينَ من الزَّكاةِ.

فهذا الاختِلافُ يَدلُّ على أنَّها إلى رأيِ الإمامِ، لولا ذلك لكانَت على قَدرٍ واحِدٍ في جَميعِ هذه المَواضِعِ ولم يَجزْ أنْ تَختلِفَ. ويُؤيِّدُ ذلك ما رَوى البُخاريُّ عن ابنِ عُيَينةَ عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، قُلتُ لمُجاهِدٍ: ما شَأنُ أهلِ الشامِ عليهم أربَعةُ دَنانِيرَ، وأهلُ اليَمنِ عليهم دِينَارٌ؟ قالَ: جُعِلَ ذلك من قِبَلِ اليسَارِ (١).

ولأنَّ المالَ المَأخوذَ على الأمانِ ضَربانِ: هُدنةٌ وجِزيةٌ، فلمَّا كانَ المَأخوذُ هُدنةً إلى اجتِهادِ الحاكِمِ، فكذلك المَأخوذُ جِزيةً، ولأنَّ الجِزيةَ عِوضٌ فلم تُقدَّرْ بمِقدارٍ واحِدٍ في جَميعِ المَواضعِ كالأُجرةِ (٢).

قالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وسَببُ اختِلافِهم اختِلافُ الآثارِ في هذا البابِ، وذلك أنَّه رُوي أنَّ رَسولَ اللهِ بعَثَ مُعاذًا إلَى اليَمنِ، وأمَرَه أنْ يَأخذَ مِنْ كُلِّ حالِمٍ دينارًا، أو عَدلَه مَعافِرَ، وهي ثِيابٌ باليَمنِ (٣).

وثبَتَ عن عُمرَ أنَّه ضرَبَ الجِزيةَ على أهلِ الذَّهبِ أربَعةَ دَنانيرَ، وعلى أهلِ الوَرِقِ أربَعينَ دِرهمًا، مع ذلك أرزاقُ المُسلِمينَ، وضِيافَة ثَلاثةِ أيامٍ.

ورُوي عنه أيضًا أنَّه بعَثَ عُثمانَ بنَ حُنَيفٍ فوضَعَ الجِزيةَ على أهلِ السَّوادِ ثَمانيةً وأربَعينَ، وأربَعةً وعِشرينَ واثنَيْ عَشرَ.

(١) رواه البخاري (٣/ ١١٥١).
(٢) «المغني» (١٢/ ٦٦٣، ٦٦٤)، و «أحكام أهل الذمة» (١/ ٣٨، ٣٩)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٢٣٠)، و «المبدع» (٣/ ٤١١)، و «كشاف القناع» (٣/ ١٢١)، و «الإنصاف» (٤/ ٢٢٧).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: وقد تَقدَّمَ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 490 - 498

ارجع إلى الجزية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 24 ربيع الأول
هلال متناقص اليوم 25.2 / 29.5
الإضاءة 19%
الهلال الجديد بعد 4 يوم
سبحان الله