الإسلام > الجنايات والحدود > الجزية > سابعا: السلامة من العاهات المزمنة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 7 دقيقة قراءةعُلماءِ المُسلِمينَ، ومِثلُ هذا لا يَفعَلُه مَنْ يُؤمِنُ باللهِ ورَسولِه، وإنَّما يَفعلُه الكُفارُ والمُنافِقونَ ومَن لبَّسوا عليه ذلك مِنْ وُلاةِ أُمورِ المُسلِمينَ، فإذا عرَف وُلاةُ أُمورِ المُسلِمينَ الحالَ عَمِلوا في ذلك ما أمَرَ اللهُ ﷾ بهِ ورَسولُه ﷺ، واللهُ ﷾ أعلَمُ، وصَلَّى اللهُ على مُحمدٍ (١).
سابِعًا: السَّلامةُ من العاهاتِ المُزمِنةِ:
إذا أُصيبَ المُطالَبُ بالجِزيةِ بعاهةٍ مُزمِنةٍ، كالمَرضِ أو العَمى أو الكِبَرِ المُقعِدِ عن العَملِ والقِتالِ، فهل تُؤخذُ منه الجِزيةُ أو لا؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في ذلك:
فظاهِرُ الرِّوايةِ عندَ الحَنفيةِ وما هو مَذهبُ المالِكيةِ والحَنابِلةِ، والشافِعيِّ في أحدِ قَولَيه: أنَّ الجِزيةَ لا تُؤخذُ من هؤلاء، ولو كانُوا مُوسِرينَ، واستدَلُّوا بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩]. ففَحوى الآيةِ يَدلُّ على أنَّ الجِزيةَ تُؤخذُ ممَّن كانَ منهم من أهلِ القِتالِ؛ لاستِحالةِ الخِطابِ بالأمرِ بقِتالِ مَنْ ليسَ من أهلِ القِتالِ؛ إذِ القِتالُ لا يَكونُ إلا بينَ اثنَينِ، ومَن يُمكِنُه أداؤُه من المحتَرِفينَ، ولذلك لا تُؤخذُ الجِزيةُ ممَّن لم يَكنْ من أهلِ القِتالِ: كالأعمى والزَّمِنِ والمَفلوجِ والشَّيخِ الكَبيرِ الفاني؛ سَواءٌ أكانَ مُوسِرًا أم غيرَ مُوسِرٍ؛ ولأنَّ الجِزيةَ تُؤخذُ ممَّن أُبيحَ قَتلُه من الحَربيِّينَ، وهؤلاء لا يُقتَلون (٢).
(١) «مجموع الفتاوي» (٢٨/ ٦٥٩، ٦٦٣).
(٢) «المبسوط» للسرخسي (١٠/ ٧٩)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٥٠، ٥١)، و «الكافي» لابن عبد البر (١/ ٤٧٩)، و «بلغة السالك» (٢/ ١٩٨)، و «المغني» (١٢/ ٦٧٣)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٢٢٢)، و «كشاف القناع» (٣/ ١٢٠)، و «الإنصاف» (٤/ ٢٢٢)، و «أحكام أهل الذمة» (١/ ٥٣، ٥٤)، و «المهذب» (٢/ ٢٥٢).
وذهَبَ أبو يُوسفَ من الحَنفيةِ إلى أنَّ الجِزيةَ تُؤخذُ من الزَّمْنى والعُميانِ والشُّيوخِ الكِبارِ إذا كانَ لهم مالٌ ورأيٌ.
واستَدلَّ لذلك بأنَّ هؤلاء المُصابين بالعاهاتِ المُزمِنةِ أهلٌ للقِتالِ؛ إذْ إنَّهم يُقتَلونَ إذا كانُوا ذَوي رأيٍ في الحَربِ والقِتالِ، فتَجِبُ عليهم الجِزيةُ كما تَجِبُ على غيرِهم.
ولأنَّ الجِزيةَ تَجِبُ على الفَقيرِ المُعتمِلِ، ووُجودُ المالِ عندَ هؤلاء المُصابينَ أكثَرُ من القُدرةِ على العَملِ، فتَجِبُ عليهم الجِزيةُ إذا كانُوا مُوسِرينَ، ولا تَجِبُ عليهم إذا كانُوا مُعسِرينَ (١).
ويَدلُّ على ذلك ما في كِتابِ الصُّلحِ بينَ خالِدِ بنِ الوَليدِ رضي الله عنه وأهلِ الحِيَرةِ: (وجَعَلتُ لهم: أيُّما شَيخٍ ضعُفَ عن العَملِ، أو أصابَتْه آفةٌ من الآفاتِ، أو كانَ غَنيًّا فافتُقِر وصارَ أهلُ دِينِه يَتصدَّقُون عليه طُرحَت جِزيَتُه، وعِيلَ من بَيتِ مالِ المُسلِمينَ وعِيالُه ما أقامَ بدارِ الهِجرةِ ودارِ الإسلامِ؛ فإنْ خرَجُوا إلى غيرِ دارِ الهِجرةِ ودارِ الإسلامِ فليسَ على المُسلِمينَ النَّفقةُ على عيالِهم) (٢).
(١) «المبسوط» للسرخسي (١٠/ ٧٩)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٥٠، ٥١)، و «الاختيار» (٤/ ١٣٨).
(٢) «الخراج» لأبي يوسف (١٥٨).
ومَذهبُ الشافِعيةِ وأبي ثَورٌ أنَّ الجِزيةَ تُؤخذُ من المُصابينَ بالعاهاتِ المُزمِنةِ، ولو لمْ يَكونوا مُوسِرينَ.
واستدَلُّوا لذلك بعُمومِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فهو يَشمَلُ الزَّمْنى والعُميانَ والشُّيوخَ الكِبارَ.
وبعُمومِ الأحاديثِ القاضيةِ بأخْذِ الجِزيةِ من كلِّ حالِمٍ، كحَديثِ مُعاذٍ السابِقِ، الذي أمَرَه فيه أنْ يَأخذَ من كلِّ حالِمٍ دِينارًا، وحَديثِ عُمرَ بنِ الخَطابِ السابِقِ: ولا يَضرِبوها إلا على مَنْ جرَت عليه المُوسى.
واستدَلُّوا من المَعقولِ بأنَّ الجِزيةَ عِوضٌ عن حَقنِ الدَّمِ، وهؤلاء كغيرِهم في الانتِفاعِ بحَقنِ الدَّمِ، فلا تَسقُطُ عنهم الجِزيةُ بتلك الإصاباتِ، وأنَّ الجِزيةَ عِوضٌ عن سُكنى دارِ الإسلامِ، وهؤلاء كغيرِهم في الانتِفاعِ بالدارِ، فلا تَسقُطُ عنهم الجِزيةُ، كما أنَّ الأُجرةَ لا تَسقُطُ عن أصحابِ الأعذارِ، فعلى التَّقديرَينِ لا يُقَرُّونَ بغيرِ جِزيةٍ (١).
(١) «روضة الطالبين» (١٠/ ٣٠٧)، و «أحكام أهل الذمة» (١/ ٥٣، ٥٤)، و «المهذب» (٢/ ٢٥٢)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٤٦)، و «نهاية المحتاج» (٨/ ٨٥).
ارجع إلى الجزية للاطلاع على جميع المسائل.