مصاريف الجزية

الإسلام > الجنايات والحدود > الجزية > مصاريف الجزية

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 32 دقيقة قراءة

مصاريف الجزية - الأقوال والأدلة

مَصاريفُ الجِزيةِ:

قالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا المَسألةُ السادِسةُ وهي: في ماذا تُصرَفُ الجِزيةُ؟ فإنَّهم اتَّفقوا على أنَّها مشتَرَكةٌ لمَصالحِ المُسلِمينَ من غيرِ تَحديدٍ، كالحالِ في الفَيءِ عندَ مَنْ رأى أنَّه مَصروفٌ إلى اجتِهادِ الإمامِ، حتى لقد رأى كَثيرٌ من الناسِ أنَّ اسمَ الفَيءِ إنَّما يُطلَقُ على الجِزيةِ في آيةِ الفَيءِ، وإذا كانَ الأمرُ هكذا، فالأموالُ الإِسلاميةُ ثَلاثةُ أصنافٍ: صَدقةٌ وفَيءٌ وغَنيمةٌ (١).

مُسقِطاتُ الجِزيةِ:

تَسقُطُ الجِزيةُ بالإسلامِ أو المَوتِ أو التَّداخُلِ أو العَجزِ الماليِّ أو عَجزِ الدَّولةِ عن تَوفيرِ الحِمايةِ لأهلِ الذِّمةِ أو بالإصابةِ بالعاهاتِ المُزمِنةِ أو اشتِراكِ الذِّمِّيين في القِتالِ.

وفي بعضِ هذه الأُمورِ خِلافٌ يَتبيَّنُ بما يَلي:

الأولُ: الإسلامُ:

اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ الجِزيةَ تَسقطُ عمَّن دخَلَ في الإسلامِ من أهلِ الذِّمةِ في أثناءِ الحَولِ، فلا يُطالَبُ بها فيما يُستقبَلُ من الزَّمانِ.

واختَلفُوا فيما إذا أسلَمَ بعدَ الحَولِ قبلَ أنْ تُؤخَذَ منه.

فذهَبَ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ -الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ- إلى أنَّها تَسقطُ عنه ولا يُطالَبُ بها.

(١) «بداية المجتهد» (١/ ٥٤٤)، وانظر: «أحكام أهل الذمة» (١/ ٨٩).

قالَ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واختَلفُوا فيما إذا وجَبَت عليه الجِزيةُ فلم يُؤدِّها حتى أسلَمَ.

فقالَ مالِكٌ وأبو حَنيفةَ وأحمدُ: سقَطَت عنه الجِزيةُ بإسلامِه، وكذلك لو كانَت جِزيةَ سنتَينِ لم يُؤدِّها ثم أسلَمَ قبلَ الأداءِ؛ فإنَّها تَسقُطُ عنه، وسَواءٌ كانَ إسلامُه في أثناءِ الحَولِ أو بعدَ تَمامِه.

وقالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: لا يُسقِطُها الإسلامُ بعدَ الحَولِ، وله في أثناءِ الحَولِ قَولانِ (١).

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ومَن وجَبَت عليه الجِزيةُ فأسلَمَ قبلَ أنْ تُؤخَذَ منه سقَطَت عنه الجِزيةُ.

وجُملتُه أنَّ الذِّميَّ إذا أسلَمَ في أثناءِ الحَولِ لم تَجِبْ عليه الجِزيةُ، وإنْ أسلَمَ بعدَ الحَولِ سقَطت عنه، وهذا قَولُ مالِكٍ والثَّوريِّ وأبي عُبيدٍ وأصحابِ الرأيِ، وقالَ الشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وابنُ المُنذِرِ: إنْ أسلَمَ بعدَ الحَولِ لم تَسقُطْ؛ لأنَّها دَينٌ يَستحِقُّه صاحِبُه واستحَقَّ المُطالَبةَ به في حالِ الكُفرِ، فلم يَسقُطْ بالإسلامِ كالخَراجِ وسائرِ الدُّيونِ، وللشافِعيِّ فيما إذا أسلَمَ في أثناءِ الحَولِ قَولانِ، أحدُهما: عليه من الجِزيةِ بالقِسطِ كما لو أَفاقَ بعدَ الحَولِ.

(١) «الإفصاح» (٢/ ٣٢٩)، وانظر: «الكافي» (١/ ٢١٧)، و «تفسير القرطبي» (٨/ ١١٣)، و «القوانين الفقهية» (١/ ١٠٥)، و «الإنصاف» (٤/ ٢٢٨)، و «كشاف القناع» (٣/ ١١٢).

ولنا: قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وروى ابنُ عَباسٍ عن النَّبيِّ أنَّه قالَ: «ليسَ على المُسلِمِ جِزيةٌ» (١) رَواه الخَلَّالُ وذكَرَ أنَّ أحمدَ سُئلَ عنه فقالَ ليسَ يَرويه غيرُ جَريرٍ، قالَ أحمدُ: وقد رُوي عن عُمرَ أنَّه قالَ: إنْ أخَذها في كَفِّه ثم أسلَمَ ردَّها عليه، ورُوي عن النَّبيِّ أنَّه قالَ: «لا يَنبَغي للمُسلِمِ أنْ يُؤدِّيَ الخَراجَ» (٢) يَعني الجِزيةَ، ورُوي أنَّ ذِميًّا أسلَمَ فطُولبَ بالجِزيةِ، وقيلَ: إنَّما أسلَمَ تَعوُّذًا، قالَ: إنَّ في الإسلامِ مَعاذًا، فرُفعَ إلى عُمرَ، فقالَ عُمرُ: إنَّ في الإسلامِ مَعاذًا، وكتَبَ ألَّا تُؤخَذَ منه الجِزيةُ، رَواه أبو عُبيدٍ بنَحوٍ من هذا المَعنى (٣)، ولأنَّ الجِزيةَ صَغارٌ فلا تُؤخذُ منه كما لو أسلَمَ قبلَ الحَولِ، ولأنَّ الجِزيةَ عُقوبةٌ تَجِبُ بسَببِ الكُفرِ فيُسقِطُها الإسلامُ، كالقَتلِ، وبهذا فارَقَ سائِرَ الدُّيونِ (٤).

وقالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: ومَن أسلَمَ سقَطت عنه الجِزيةُ، سَواءٌ أسلَمَ في أَثناءِ الحَولِ أو بعدَه.

ولو اجتمَعَت عليه جِزيةُ سِنينَ ثم أسلَمَ سقَطَت كلُّها، هذا قَولُ فُقهاءِ المَدينةِ وفُقهاءِ الرأيِ وفُقهاءِ الحَديثِ إلا الشافِعيَّ وأصحابَه؛ فإنَّه قالَ:

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٣٠٥٣).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٣٠٤٧)، بلفظِ: «إنَّما العُشورُ على اليَهودِ والنَّصارى وليسَ على المُسلِمينَ خَراجٌ».
(٣) رواه أبو عبيد في «الأموال» ص (٥٠) رقم (١٢٢)، وعبد الرزاق في «مصنفه» (٦/ ٩٤).
(٤) «المغني» (١٢/ ٦٧٥).

إنْ أسلَمَ بعدَ الحَولِ لم تَسقُطْ؛ لأنَّه دَينٌ استحَقَّه صاحِبُه واستحَقَّ المُطالَبةَ به في حالِ الكُفرِ فلم تَسقُطْ بالإسلامِ كالخَراجِ وسائرِ الدُّيونِ، وله فيما إذا أسلَمَ في أثناءِ الحَولِ قَولانِ:

أحدُهما: أنَّها تَسقُطُ.

والثانِي: أنَّها تُؤخذُ بقِسطِه.

والصَّحيحُ الذي لا يَنبَغي القَولُ بغيرِه سُقوطُها، وعليه تَدلُّ سُنةُ رَسولِ اللهِ وسُنةُ خُلفائِه، وذلك من مَحاسنِ الإسلامِ وتَرغيبِ الكُفارِ فيه، وإذا كانَ رَسولُ اللهِ يُعطي الكُفارَ على الإسلامِ حتى يُسلِموا يَتألَّفهم بذلك، فكيف يُنفِّرُ عن الدُّخولِ في الإسلامِ من أجلِ دينارٍ؟! فأينَ هذا مِنْ تَركِ الأموالِ للدُّخولِ في الإسلامِ.

قالَ سُفيانُ الثَّوريُّ عن قابوسِ بنِ أبي ظَبيانَ عن أبيه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ : «ليسَ على مُسلمٍ جِزيةٌ» (١).

قالَ أبو عُبيدٍ: تأويلُ هذا الحَديثِ: لو أنَّ رَجلًا أسلَم في آخِرِ السَّنةِ وقد وجَبَت الجِزيةُ عليه إسلامُه يُسقِطُها عنه فلا تُؤخذُ منه.

وإنْ كانَت قد لزِمَته قبلَ ذلك؛ لأنَّ المُسلِمَ لا يُؤدِّي الجِزيةَ ولا تَكونُ عليه دَينًا كما لا تُؤخذُ منه فيما يُستأنَفُ بعدَ الإسلامِ، وقد رُوي عن عُمرَ وعلِيٍّ وعُمَر بنِ عبدِ العَزيزِ ما يُحقِّقُ هذا المَعنى.

(١) رواه أبو عبيد في «الأموال» ص (٥٩) رقم (١٢١)، وابن زنجويه في «الأموال» (١/ ١٦٨)، والدارقطني في «سننه» (٤/ ١٥٦) بإسنادٍ ضَعيفٍ، انظر: «نصب الراية» (٣/ ٤٥٣).

ثم قالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: والجِزيةُ وُضِعت في الأصلِ إذلالًا للكُفارِ وصَغارًا فلا تُجامِعُ الإسلامَ بوَجهٍ، ولأنَّها عُقوبةٌ تَسقُطُ بالإسلامِ، وإذا كانَ الإسلامُ يَهدِمُ ما قبلَه من الشِّركِ والكُفرِ والمَعاصي، فكيفَ لا يَهدِمُ ذُلَّ الجِزيةِ وصَغارَها؟ وإنَّ المَقصودَ تألُّفُ الناسِ على الإسلامِ بأنواعِ الرَّغبةِ، فكيفَ لا يُتألَّفون بإسقاطِ الجِزيةِ؟ وكانَ رَسولُ اللهِ يُعطي على الإسلامِ عَطاءً لا يُعطيه على غيرِه، وقد جعَلَ اللهُ سُبحانَه سَهمًا في الزَّكاةِ للمُؤلَّفةِ قُلوبُهم، فكيفَ لا يُسقِطُ عنهم الجِزيةَ بإسلامِهم؟ وكيفَ يُسلَّطُ الكُفارُ أنْ يَتحدَّثوا بَينَهم بأنَّ مَنْ أسلَمَ منهم أُخذَ بالضَّربِ والحَبسِ ومُنِع ما يَملِكُه حتى يُعطيَ ما عليه من الجِزيةِ؟ (١)

ثانيًا: المَوتُ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في سُقوطِ الجِزيةِ بالمَوتِ:

فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والقاضي من الحَنابِلةِ إلى أنَّ الجِزيةَ تَسقُطُ بالمَوتِ مُطلَقًا، سَواءٌ حصَلَ المَوتُ في أثناءِ الحَولِ أو بعدَ انتِهائِه، واستدَلُّوا على ذلك بأنَّ الجِزيةَ وجَبَت عُقوبةً على الكُفرِ، فتَسقُطُ بالمَوتِ كالحُدودِ، ولأنَّ الجِزيةَ وجَبَت وَسيلةً إلى الإسلامِ، وهذا المَعنى لا يَتحقَّقُ بعدَ المَوتِ (٢).

(١) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٦٠، ٦٢)، وانظر: «بداية المجتهد» (١/ ٥٤١).
(٢) «تبيين الحقائق» (٣/ ٢٧٨)، و «الهداية» (٢/ ١٦١)، و «تحفة الفقهاء» (٣/ ٣٠٨)، و «المنتقى» للباجي (٢/ ١٧٦)، و «حاشية الدسوقي» (٢/ ٢٠٢)، و «الشرح الصغير» (٢/ ٢٠٠)، و «منح الجليل» (١/ ٧٥٩)، و «الإفصاح» (٢/ ٣٢٨).

وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الجِزيةَ لا تَسقُطُ بالمَوتِ إذا حصَلَ بعدَ انتِهاءِ الحَولِ (١).

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: لأنَّه دَينٌ وجَبَ عليه في حَياتِه فلم يَسقُطْ بمَوتِه كدُيونِ الآدَميِّينَ، والحَدُّ يَسقُطُ بفَواتِ محَلِّه وتَعذُّرِ استِيفائِه بخِلافِ الجِزيةِ، وفارَقَ الإسلامَ؛ فإنَّه الأصلُ، والجِزيةُ بَدلٌ عنه، فإذا أُتي بالأصلِ استُغنيَ عن البَدلِ، كمَن وجَدَ الماءَ لا يَحتاجُ معه إلى التَّيمُّمِ بخِلافِ المَوتِ، ولأنَّ الإسلامَ قُربةٌ وطاعةٌ يَصلُحُ أنْ يَكونَ مَعاذًا من الجِزيةِ كما ذكَرَ عُمرُ رضي الله عنه والمَوتُ بخِلافِه (٢).

أمَّا إذا ماتَ في أثناءِ الحَولِ، فتَسقُطُ عنه عندَ الحَنابِلةِ والشافِعيةِ في قَولٍ؛ لأنَّها لا تَجِبُ ولا تُؤخذُ قبلَ كَمالِ الحَولِ، والمُعتمَدُ عندَ الشافِعيةِ أنَّها لا تَسقُطُ وتُؤخذُ من تَرِكتِه بقِسطِ ما مَضى من الحَولِ.

قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: ولو ماتَ أو أسلَمَ في أثناءِ السَّنةِ فهل يَجبُ قِسطُ ما مَضى كالأُجرةِ أو لا يَجبُ شَيءٌ كالزَّكاةِ؟ قَولانِ: أظهَرُهما: الأولُ، وقيلَ: تَجِبُ قَطعًا، وقيلَ عَكسُه، وقيلَ: لا تَجِبُ في المَوتِ، وفي الإسلامِ القَولانِ (٣).

(١) «روضة الطالبين» (١٠/ ٣١٢)، و «الأحكام السلطانية» للماوردي ص (١٤٥)، و «المغني» (١٢/ ٦٧٦)، و «الإفصاح» (٢/ ٣٢٨)، و «الإنصاف» (٤/ ٢٢٨).
(٢) «المغني» (١٢/ ٦٧٦).
(٣) «روضة الطالبين» (١٠/ ٣١٢)، وانظر: «الحاوي الكبير» (١٤/ ٣١٥).

وقالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: فإنْ ماتَ الكافِرُ في أثناءِ الحَولِ سقَطَت عنه ولم تُؤخَذْ بقَدرِ ما أدرَكَ منه، وإنْ ماتَ بعدَ الحَولِ، ذهَبَ الشافِعيُّ إلى أنَّها لا تَسقُطُ وتُؤخذُ من تَرِكتِه وهو ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ.

وقالَ أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه: تَسقُطُ بالمَوتِ وحَكاه أبو الخَطابِ عن شَيخِه القاضي.

قالَ أبو عُبيدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا مَوتُ الذِّميِّ في آخِرِ السَّنةِ فقد اختُلِف فيه، فحدَّثَنا سَعيدُ بنُ عُفَيرٍ عن عبدِ اللهِ بنِ لهيعةَ عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ جُنادةَ كاتِبِ حَيَّانَ بنِ شُرَيجٍ، وكانَ حَيَّانُ بنُ شُرَيجٍ بعَثَ إلى عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ وكتَبَ إليه يَستَفتيه أيَجعَلَ جِزيةَ مَوتى القِبطِ على أحيائِهم؟ فسأَلَ عُمرُ عن ذلك عِراكَ بنَ مالِكٍ -وعبدُ الرَّحمنِ يَسمَعُ- فقالَ: ما سَمِعتُ لهم بعَقدٍ ولا عَهدٍ، إنَّما أُخِذوا عَنوةً بمَنزِلةِ الصَّيدِ، فكتَبَ عُمرُ إلى حَيَّانَ بنِ شُرَيجٍ يَأمُره أنْ يَجعلَ جِزيةَ الأمواتِ على الأحياءِ، وكانَ حَيَّانُ واليَه على مِصرَ.

قالَ: وقد رُوي من وَجهٍ آخَر عن مَعقِلِ بنِ عُبَيدِ اللهِ عن عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ أنَّه قالَ: ليسَ على من ماتَ ولا مَنْ أبَقَ جِزيةٌ، يَقولُ: لا تُؤخذُ من وَرثَتِه بعدَ مَوتِه ولا يَجعَلُها بمَنزِلةِ الدَّينِ ولا تُؤخذُ من أهلِه إذا هرَبَ عنهم منها؛ لأنَّهم لمْ يَكونوا ضامِنينَ لذلك.

قالَ الآخِذونَ لها: هي دَينٌ وجَبَ عليه في حَياتِه فلم يَسقُطْ بمَوتِه كدُيونِ الآدَميِّينَ.

وقالَ المُسقِطونَ: هي عُقوبةٌ فتَسقُطُ بالمَوتِ كالحُدودِ، ولأنَّها صَغارٌ وإذلالٌ، فزال بزَوالِ مَحَلِّه، وقَولُكم: إنَّها دَينٌ فلا تَسقُطُ بالمَوتِ إنَّما يَتأتَّى على أصلِ مَنْ لا يُسقِطُها بالإسلامِ، وأمَّا من أسقَطها بالإسلامِ فلا يَصحُّ منه، هذا الاستِدلالُ ولا رَيبَ أنَّ الجِزيةَ عُقوبةٌ وحقٌّ عليه، ففيها الأَمرانِ، فمَن غلَبَ جانِبَ العُقوبةِ أسقَطها بالمَوتِ كما تَسقُطُ العُقوباتُ الدُّنيويةُ عن المَيِّتِ، ومن غلَبَ فيها جانِبَ الدَّينِ لم يُسقِطْها والمَسألةُ تَحتمِلُه، واللهُ أعلَمُ (١).

ثالِثًا: اجتِماعُ جِزيةِ سَنتَينِ فأكثَرَ:

اختَلفَ العُلماءُ في الذِّميِّ تَجتمِعُ عليه جِزيةُ سَنتَينِ أو أكثَرَ، هل تَتداخَلُ وتُؤخذُ منه جِزيةٌ واحِدةٌ أو تُستَوفى منه كلُّها؟

فذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ والصاحِبانِ من الحَنفيةِ (أبو يُوسفَ ومُحمدٌ) إلى أنَّها لا تَتداخَلُ وتُستَوفى منه كلُّها.

واستدَلُّوا على ذلك بأنَّ الجِزيةَ حقٌّ ماليٌّ يَجبُ في آخِرِ كلِّ حَولٍ، فلم تَتداخَلْ كالزَّكاةِ والدِّيةِ وغيرِهما.

ولأنَّ المُدةَ لا تأثيرَ لها في إسقاطِ الواجِبِ كخَراجِ الأرضِ (٢).

(١) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٦٢).
(٢) «تبيين الحقائق» (٣/ ٢٧٩)، و «الخراج» لأبي يوسف ص (١٢٣)، و «المغني» (١٢/ ٦٧٦)، و «حاشية الدسوقي» (٢/ ٢٠٢)، و «المنتقى» (٢/ ١٧٦)، و «بلغة السالك» (٢/ ٢٠١)، و «مواهب الجليل» (٣/ ٣٨٢)، و «روضة الطالبين» (١٠/ ٣١٢)، و «أحكام أهل الذمة» (١/ ٦٢)، و «الإفصاح» (٢/ ٣٢٩).

وذهَبَ أبو حَنيفةَ إلى أنَّه إذا مضَت على الجِزيةِ سَنةٌ ودخَلت ثانيةٌ؛ فإنَّ الجِزَى تَتداخَلُ، فتَسقُطُ جِزى السَّنواتِ الماضيةِ ويُطالَبُ بجِزيةِ السَّنةِ الحاليةِ (١).

واستَدلَّ لذلك بما يأتي:

بأنَّ الجِزيةَ وجَبَت عُقوبةً على الكُفرِ، فالعُقوباتُ إذا تَراكَمت تَداخَلت، خُصوصًا إذا كانَت من جِنسٍ واحِدٍ كالحُدودِ، ألَا تَرى أنَّ مَنْ زَنَى مِرارًا ثم رُفعَ أمرُه إلى الإمامِ لم يَستَوفِ منه إلا حَدًّا واحِدًا بجَميعِ الأفعالِ؟

ولأنَّ الجِزيةَ وجَبَت بَدلًا من حَقنِ الدَّمِ في المُستقبَلِ، فإذا صارَ دَمُه مَحقونًا في السَّنةِ الماضيةِ لا تُؤخذُ الجِزيةُ لأجلِها؛ لانعدامِ الحاجةِ إلى ذلك، كما إذا أسلَمَ أو ماتَ تَسقُطُ عنه الجِزيةُ؛ لعَدمِ الحاجةِ إلى الحَقنِ بالجِزيةِ.

ولأنَّ الجِزيةَ ما وجَبَت إلا لرَجاءِ الإسلامِ، وإذا لم يُوجَدَ حتى دخَلَت سَنةٌ أُخرى انقطَعَ الرَّجاءُ فيما مَضى، وبَقي الرَّجاءُ في المُستقبَلِ فيُؤخَذُ للسَّنةِ المُستقبَلةِ (٢).

وقالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: فإنِ اجتمَعت عليه جِزيةُ سِنينَ استُوفِيت كلُّها عند الجُمهورِ.

(١) «تبيين الحقائق» (٣/ ٢٧٩)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ١١٢)، و «الهداية» (٢/ ١٦١)، و «فتح القدير» (٥/ ٢٩٧)، و «المغني» (١٢/ ٦٧٦)، و «أحكام أهل الذمة» (١/ ٦٢).
(٢) المصادر السابقة.

وقالَ أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه: تَتداخَلُ وتُؤخذُ منه جِزيةٌ واحِدةٌ وأَجراها مَجرى العُقوبةِ، فتَتداخَلُ كالحُدودِ، والجُمهورُ جَعلوها بمَنزِلةِ سائرِ الحُقوقِ الماليةِ كالدِّيةِ والزَّكاةِ وغيرِهما.

وقَولُ الجُمهورِ أصَحُّ، إلا أنْ يُناسِبَ الأمرَ التَّخفيفُ عنه بتَركِ أداءِ ما وجَبَ عليه للمُسلِمينَ ولا سيَّما إذا كانَ ممَّن لا يُعذَرَ بالتَّأخيرِ.

ولو قيلِ بمُضاعَفتِه عليه عُقوبةً له، لكانَ أقوى من القَولِ بسُقوطِها، واللهُ أعلَمُ (١).

رابِعًا: طُروءُ الإعسارِ.

خامِسًا: التَّرهُّبُ والانعِزالُ عن الناسِ.

سادِسًا: الجُنونُ.

سابِعًا: العَمى والزَّمانةُ والشَّيخوخةُ.

تَقدَّمَ الكَلامُ عن هذا كلِّه فيمَن تَجِبُ عليهم الجِزيةُ.

ثامِنًا: عَدمُ حِمايةِ أهلِ الذِّمةِ:

على المُسلِمينَ في مُقابِلِ الجِزيةِ تَوفيرُ الحِمايةِ لأهلِ الذِّمةِ، والذَّبُّ عنهم، ومَنعُ مَنْ يَقصِدُهم بالاعتِداءِ من المُسلِمينَ والكُفارِ، واستِنقاذُ مَنْ أُسرَ منهم، واستِرجاعُ ما أُخذَ من أموالِهم، سَواءٌ أكانُوا يَعيشونَ مع المُسلِمينَ أم كانُوا مُنفرِدينَ في بَلدٍ لهم؛ فإنْ لم تَتمكَّنِ الدَّولةُ الإِسلاميةُ من حِمايَتِهم والدَّفعِ عنهم حتى مَضى الحَولُ، فهل يُطالَبونَ بالجِزيةِ أو تَسقُطُ عنهم؟

(١) «أحكام أهل الذمة» (١/ ٦٣).

صرَّحَ الشافِعيةُ بأنَّ الجِزيةَ تَسقُطُ عن أهلِ الذِّمةِ إذا لمْ تَتمكَّنِ الدَّولةُ من حِمايةِ الذِّميِّينِ؛ لأنَّهم بذَلوا الجِزيةَ لحِفظِهم وحِفظِ أموالِهم؛ فإنْ لمْ تَدفَعِ الدَّولةُ عنهم لم تَجِبِ الجِزيةُ عليهم؛ لأنَّ الجِزيةَ للحِفظِ وذلك لمْ يُوجَدْ، فلم يَجبْ ما في مُقابَلتِه، كما لا تَجِبُ الأُجرةُ إذا لم يُوجَدَ التَّمكينُ من المَنفَعةِ.

قالَ الإمامُ الشِّيرازيُّ رحمة الله عليه: فَصلٌ: ويَجبُ على الإمامِ الذَّبُّ عنهم، ومَنعُ مَنْ يَقصِدُهم من المُسلِمينَ والكُفارِ، واستِنقاذُ مَنْ أُسرَ، منهم واستِرجاعُ ما أُخذَ من أموالِهم، سَواءٌ كانُوا مع المُسلِمينَ أو كانُوا مُنفرِدينَ عنهم في بَلدٍ لهم؛ لأنَّهم بذَلوا الجِزيةَ لحِفظِهم وحِفظِ أموالِهم.

فإنْ لم يَدفَعْ عنهم حتى مَضى حَولٌ لم تَجِبِ الجِزيةُ عليهم؛ لأنَّ الجِزيةَ للحِفظِ، وذلك لم يُوجَدَ فلم يَجبْ ما في مُقابَلتِه كما لا تَجِبُ الأُجرةُ إذا لم يُوجَدَ التَّمكينُ من المَنفَعةِ (١).

ولم أجِدْ لغيرِ الشافِعيةِ تَصريحًا بالسُّقوطِ إذا لم تَحصُلِ الحِمايةُ مع قَولِهم جَميعًا بوُجوبِ الحِمايةِ.

وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: ويُلتزَمُ لهم -يَعني أهلَ الذِّمةِ- ببَذلِ الجِزيةِ حَقانِ:

أحدُهما: الكَفُّ عنهم.

والآخَرُ: الحِمايةُ لهم؛ ليَكونوا بالكَفِّ آمِنينَ، وبالحِمايةِ مَحروسينَ (٢).

(١) «المهذب» (٢/ ٢٥٥).
(٢) «الأحكام السلطانية» ص (١٦٢).

وقد حَكى ابنُ حَزمٍ في «مَراتِبِ الإجماعِ» له أنَّ مَنْ كانَ في الذِّمةِ وجاءَ أهلُ الحَربِ إلى بِلادِنا يَقصِدونَه وجَبَ علينا أنْ نَخرُجَ لقتالِهم بالكُراعِ والسِّلاحِ ونَموتَ دونَ ذلك؛ صَونًا لمَن هو في ذِمةِ اللهِ تَعالى وذِمةِ رَسولِه ؛ فإنَّ تَسليمَه دونَ ذلك إهمالٌ لعَقدِ الذِّمةِ (١).

ويَشهَدُ التاريخُ بكَثيرٍ من المَواقِفِ التي تَدلُّ على التِزامِ المُسلِمينَ بذلك، ومِن صُورِه الجَديرةِ بالتَّسجيلِ ما ذكَرَه أبو يُوسفَ رحمة الله عليه عن أبي عُبيدةَ بنِ الجَرَّاحِ رضي الله عنه أنَّه صالَحَ أهلَ الشامِ على دَفعِ الجِزيةِ وأنْ يَردَّ المُسلِمونَ على أهلِ الذِّمةِ ما أخَذوه إذا لم يَستَطيعوا الدِّفاعَ عنهم، فلمَّا رأى أهلُ الذِّمةِ وَفاءَ المُسلِمينَ لهم وحُسنَ السِّيرةِ فيهم، صاروا أشِداءَ على عَدوِّ المُسلِمينَ وعَونًا للمُسلِمينَ على أعدائِهم؛ فبعَثَ أهلُ كلِّ مَدينةٍ ممَّن جرَى الصُّلحُ بينَهم وبينَ المُسلِمينَ رِجالًا من قِبَلِهم يَتجَسَّسون الأَخبارَ عن الرُّومِ وعن مَلكِهم وما يُريدونَ أنْ يَصنَعوا؛ فأتى أهلَ كلِّ مَدينةٍ رُسلُهم يُخبِرونَهم بأنَّ الرُّومَ قد جمَعوا جَمعًا لمْ يُرَ مِثلُه.

فأتى رُؤساءُ أهلِ كلِّ مَدينةٍ إلى الأميرِ الذي خَلَّفه أبو عُبيدةَ عليهم فأخبَروه بذلك، فكتَبَ والي كلِّ مَدينةٍ ممَّن خلَّفَه أبو عُبيدةَ إلى أبي عُبيدةَ يُخبِرُه بذلك، وتتابَعت الأخبارُ على أبي عُبيدةَ.

(١) انظر: «الفروق» للقرافي (٣/ ٣٠)، و «المبسوط» (٢٦/ ٨٥)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٢٤٣)، و «العناية» (١٥/ ٢٦٠)، و «ابن عابدين» (٦/ ٥٣٤)، و «الكافي» (٤/ ٣٦٤)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٢٠٠).

فاشتَدَّ ذلك عليه وعلى المُسلِمينَ؛ فكتَبَ أبو عُبيدةَ إلى كلِّ والٍ ممَّن خَلفَه في المُدنِ التي صالَحَ أهلَها يأمُرُهم أنْ يَرُدُّوا عليهم ما جُبِي منهم من الجِزيةِ والخَراجِ، وكتَبَ إليهم أنْ يَقولوا لهم: «إنَّما رَدَدنا عليكم أموالَكم لأنَّه قد بلَغَنا ما جُمِع لنا من الجُموعِ، وأنَّكم اشتَرطتُم علينا أنْ نَمنعَكم، وإنَّا لا نَقدِرُ على ذلك، وقد رَدَدنا عليكم ما أخَذنا منكم، ونحن لكم على الشَّرطِ وما كَتَبنا بينَنا وبينَكم إنْ نصَرنا اللهُ عليهم» فلمَّا قالُوا ذلك لهم ورَدُّوا عليهم الأموالَ التي جَبَوْها منهم، قالُوا: (رَدَّكم اللهُ علينا، ونصَركم عليهم، فلو كانُوا هُمْ لم يَردُّوا علينا شَيئًا وأخَذوا كلَّ شَيءٍ بَقي لنا حتى لا يَدعوا لنا شَيئًا) وإنَّما كانَ أبو عُبيدةَ يُجيبُهم إلى الصُّلحِ على هذه الشَّرائطِ ويُعطيهم ما سأَلوا، يُريدُ بذلك تألُّفَهم، وليسَمعَ بهم غيرُهم من أهلِ المُدنِ التي لم يَطلُبْ أهلُها الصُّلحَ فيُسارِعوا إلى طَلبِ الصُّلحِ.

والتَقى المُسلِمونَ والمُشرِكونَ فاقتَتلوا قِتالًا شَديدًا، وقُتلَ من الفَريقَينِ خَلقٌ كَثيرٌ، ثم نصَر اللهُ المُسلِمينَ على المُشرِكينَ ومنَحَ أكتافَهم وهزَمَهم وقتَلَهم المُسلِمونَ قَتلًا لمْ يَرَ المُشرِكونَ مِثلَه.

فلمَّا رَأى أهلُ المُدنِ التي لمْ يُصالِحْ عليها أبو عُبيدةَ ما لقي أصحابُهم من المُشرِكينَ من القَتلِ، بعَثوا إلى أبي عُبيدةَ يَطلُبون الصُّلحَ فأعطاهم الصُّلحَ على مِثلِ ما أعطى الأوَّلينَ، إلا أنَّهم اشتَرَطوا عليه إنْ كانَ عندَهم من الرُّومِ الذين جاؤُوا لقتالِ المُسلِمينَ وصاروا عندَهم؛ فإنَّهم آمِنونَ يَخرُجونَ بمَتاعِهم وأَموالِهم وأَهلِهم إلى الرُّومِ ولا يُتعرَّضُ لهم في شَيءٍ من ذلك؛ فأَعطاهم ذلك أبو عُبيدةَ فأدَّوا إليه الجِزيةَ وفتَحُوا له أبوابَ

المُدنِ، وأقبَلَ أبو عُبيدةَ راجِعًا؛ فكُلَّما مَرَّ بمَدينةٍ مما لم يَكنْ صالَحَه أهلُها بعَثَ رُؤساؤُها يَطلُبونَ الصُّلحَ؛ فأَجابَهم إليه وأَعطاهم مِثلَ ما أَعطى الأوَّلينَ، وكتَبَ بينَه وبينَهم كِتابَ الصُّلحَِ.

وكُلَّما مرَّ على مَدينةٍ ممَّا كانَ صالَحَ أهلَها، وكانَ واليه فيها قد رَدَّ عليهم ما كانَ أخَذَ منهم تَلقَّوْه بالأموالِ التي كانَ رَدَّها عليهم ممَّا كانُوا صُولِحوا عليه من الجِزيةِ والخَراجِ، وتَلقَّوْه بأسواقٍ وبِياعاتٍ فتَرَكهم على الشَّرطِ الذي كانَ قد شرَط لهم، لم يُغيِّرْه ولم يَنقُصْه (١).

وهكذا يتَّضِحُ لنا بجَلاءٍ أنَّه تَجِبُ حِمايةُ أهلِ الذِّمةِ من كلِّ أذًى صغُرَ أو كبُرَ.

قالَ الإمامُ القَرافِيُّ رحمة الله عليه: إنَّ عَقدَ الذِّمةِ يُوجِبُ حُقوقًا علينا لهم؛ لأنَّهم في جِوارِنا وفي خِفارَتِنا وذِمةِ اللهِ تَعالى وذِمةِ رَسولِه ودِينِ الإسلامِ، فمَن اعتَدى عليهم ولو بكَلِمةِ سُوءٍ أو غِيبةٍ في عِرضِ أحَدِهم أو نَوعٍ من أنواعِ الأذيةِ أو أعانَ على ذلك فقد ضيَّعَ ذِمةَ اللهِ تَعالى وذِمةَ رَسولِه وذِمةَ دِينِ الإسلامِ (٢).

وقالَ الشَّروانِيُّ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: ويَجبُ علينا الذَّبُّ عن أهلِ الذِّمةِ منهم والصَّدقةُ عليهم جائِزةٌ وإطعامُ المُضطَرِّ منهم واجِبٌ (٣).

(١) كتاب «الخراج» لأبي يوسف ص (١٥٣، ١٥٤).
(٢) «الفروق» (٣/ ٢٩).
(٣) «حاشية الشرواني» (٥/ ٣٦).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 500 - 513

ارجع إلى الجزية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 30 ربيع الأول
هلال متزايد اليوم 2.1 / 29.5
الإضاءة 5%
البدر بعد 13 يوم
الله أكبر