المعاملات الاجتماعية مع أهل الذمة

الإسلام > الجنايات والحدود > المعاملات الاجتماعية مع أهل الذمة

مسائلُ فقهيةٌ في المعاملات الاجتماعية مع أهل الذمة على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 10 دقيقة قراءة

تعريف المعاملات الاجتماعية مع أهل الذمة وحكمها

وكتَبَ إلى أبي هُريرةَ رضي الله عنه: أمَّا بَعدُ؛ فإنَّ للنَّاسِ نَفرةً عن سُلطانِهم فأَعوذُ باللهِ أنْ تُدرِكَني وإِياك، أقِمِ الحُدودَ ولو ساعةً من النَّهارِ، وإذا حضَرَك أَمرانِ أحدُهما للهِ والآخَرُ للدُّنيا فآثِرْ نَصيبَك من اللهِ؛ فإنَّ الدُّنيا تَنفَدُ والآخِرةَ تَبقى، عُدْ مَرضى المُسلِمينَ واشهَدْ جَنائِزَهم وافتَحَ بابَك وباشِرْهم، وأبعِدْ أهلَ الشَّرِّ وأنكِرْ أَفعالَهم ولا تَستعِنْ في أَمرٍ من أُمورِ المُسلِمينَ بمُشرِكٍ، وساعِدْ على مَصالحِ المُسلِمينَ بنَفسِك؛ فإنَّما أنتَ رَجلٌ منهم غيرَ أنَّ اللهَ تَعالى جعَلَك حامِلًا لِأثقالَهم (١).

السلامُ على أهلِ الذِّمةِ وكيف يُرَدُّ عليهم إذا سلَّموا:

رَوى الإمامُ مُسلِمٌ في «صَحيحِه» تحتَ بابِ النَّهيِ عن ابتِداءِ أهلِ الكِتابِ بالسلامِ وكيفَ يُرَدُّ عليهم:

عن أنسِ بنِ مالِكٍ رضي الله عنه أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ: «إذا سلَّمَ عليكم أهلُ الكِتابِ فقولوا: وعليكم».

وعن أنَسٍ رضي الله عنه أنَّ أَصحابَ النَّبيِّ قالُوا للنَّبيِّ : إنَّ أهلَ الكِتابِ يُسلِّمونَ علينا فكيفَ نَردُّ عليهم؟ قالَ: «قُولوا: وعليكُم».

وعن عبدِ اللهِ بنِ دِينارٍ أنَّه سمِعَ ابنَ عُمرَ رضي الله عنهما يَقولُ: قالَ رَسولُ اللهِ : «إنَّ اليَهودَ إذا سلَّموا عليكم يَقولُ أحدُهم: السَّامُ عليكم. فقُلْ: عليك». وفي رِوايةٍ أنَّهُ قالَ: «فقولوا: وعليك».

(١) «أحكام أهل الذمة» (١/ ١٦٤، ١٦٦)، وانظر: في هذا كتابي «أحكام أهل الذمة» ص (١٥٦، ٢٠٠).

وعن عُروةَ عن عائِشةَ رضي الله عنها قالَت: استأذَنَ رَهطٌ من اليَهودِ على رَسولِ اللهِ فقالُوا: السامُ عليكم، فقالَت عائِشةُ: بل عليكم السامُ واللَّعنةُ. فقالَ رَسولُ اللهِ : «يا عائِشةُ إنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفقَ في الأمرِ كلِّه» قالَت: ألم تَسمَعْ ما قالُوا؟ قالَ: «قد قُلتُ: وعليكم».

وفي رِوايةٍ قالَ رَسولُ اللهِ : «قد قُلتُ: عليكم».

وعن مَسروقٍ عن عائِشةَ قالَت: أتى النَّبيَّ أُناسٌ من اليَهودِ فقالُوا: السامُ عليك يا أبا القاسِمِ، قالَ: «وعليكم»، قالَت عائِشةُ: قُلتُ: بل عليكم السامُ والذامُ. فقالَ رَسولُ اللهِ : «يا عائِشةُ لا تَكوني فاحِشةً» فقالَت: ما سَمِعتَ ما قالُوا؟ فقالَ: «أوَليسَ قد رَددتُ عليهم الذي قالُوا؟ قُلتُ: وعليكم».

وفي رِوايةٍ أنَّه قالَ: ففطِنتْ بهم عائِشةُ فسَبَّتهم فقالَ رَسولُ اللهِ : «مَهْ يا عائِشةُ؛ فإنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الفُحشَ والتَّفحُّشَ» وزادَ فأنزَلَ اللهُ: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ٨] إلى آخِرِ الآيةِ.

وعن أبي الزُّبيرِ أنَّه سمِعَ جابِرَ بنَ عبدِ اللهِ يَقولُ: سلَّمَ ناسٌ من يَهودَ على رَسولِ اللهِ فقالُوا: السامُ عليكَ يا أبا القاسِمِ، فقالَ: «وعليكم»، فقالَت عائِشةُ: وغضِبتْ: ألم تَسمَعْ ما قالُوا؟ قالَ: «بَلى قد سَمِعتُ فرَددتُ عليهم، وإنا نُجابُ عليهم ولا يُجابونَ علينا».

وعن أبي هُريرةَ أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ: «لا تَبدَؤوا اليَهودَ

ولا النَّصارى بالسلامِ فإذا لقيتُم أحدَهم في طَريقٍ فاضطَرُّوه إلى أضيَقِه» (١).

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه في شَرحِ مُسلمٍ: اتَّفق العُلماءُ على الردِّ على أهلِ الكِتابِ إذا سلَّموا لكنْ لا يُقالُ لهم: «وعليكم السلامُ» بل يُقالُ: «عليكم» فقط، أو «وعليكم».

وقد جاءَت الأَحاديثُ التي ذكَرَها مُسلِمٌ «عليكم» «وعليكم» بإِثباتِ الواوِ وحَذفِها، وأكثَرُ الرِّواياتِ بإِثباتِها، وعلى هذا ففي مَعناه وَجهانِ:

أحدُهما: أنَّه على ظاهرِه فقالُوا: «عليكم المَوتُ» فقالَ: «وعليكم أيضًا»، أي: نحن وأنتم فيه سَواءٌ وكلُّنا نَموتُ.

والثانِي: أنَّ الواوَ هنا للاستِئنافِ لا للعَطفِ والتَّشريكِ، وتَقديرُه: وعليكم ما تَستحِقُّونه من الذَّمِّ، وأمَّا حَذفُ الواوِ فتَقديرُه: بل عليكم السامُ.

قالَ القاضي: اختارَ بعضُ العُلماءِ -منهم ابنُ حَبيبٍ المالِكيُّ- حَذفَ الواوِ؛ لئلَّا يَقتَضيَ التَّشريكَ، وقالَ غيرُه بإِثباتِها كما هو في أكثَرِ الرِّواياتِ، قالَ: وقالَ بَعضُهم: يَقولُ: «عليكم السِّلامُ» بكَسرِ السِّينِ، أي: الحِجِارةُ، وهذا ضَعيفٌ، وقالَ الخَطابيُّ: عامةُ المُحدِّثينَ يَروونَ هذا الحَرفَ «وعليكم»، بالواوِ، وكانَ ابنُ عُيَينةَ يَرويه بغيرِ واوٍ، قالَ الخَطابيُّ: وهذا هو الصَّوابُ؛ لأنَّه إذا حذَفَ الواوَ صارَ كَلامُهم بعَينِه مَردودًا عليهم خاصةً، وإذا ثبَتَت الواوُ اقتَضى المُشاركةَ معهم فيما قالُوه. هذا كَلامُ الخَطابيِّ.

(١) روى هذه الأَحاديثَ الإمامُ مُسلمٌ في «صحيحه» (٢١٦٣، ٢١٦٤، ٢١٦٥، ٢١٦٦، ٢١٦٧).

والصَّوابُ: أنَّ إِثباتَ الواوِ وحَذفَها جائِزانِ كما صحَّت به الرِّواياتُ، وأنَّ الواوَ أجوَدُ كما هو في أكثَرِ الرِّواياتِ ولا مَفسدةَ فيه؛ لأنَّ السامَ المَوتُ، وهو علينا وعليهم، ولا ضَررَ في قَولِه بالواوِ.

واختَلفَ العُلماءُ في رَدِّ السلامِ على الكُفارِ وابتِدائِهم به؛ فمَذهبُنا تَحريمُ ابتِدائِهم به ووُجوبُ رَدِّه عليهم بأنْ يَقولَ: «وعليكم»، أو «عليكم» فقط، ودَليلُنا في الابتِداءِ قَولُه : «لا تَبدؤوا اليَهودَ ولا النَّصارى بالسَّلامِ»، وفي الرَّدِّ قَولُه : «فقولوا وعليكم»، وبهذا الذي ذكَرْناه عن مَذهبِنا قالَ أكثَرُ العُلماءِ وعامةُ السَّلفِ.

وذهَبَت طائِفةٌ إلى جَوازِ ابتِدائِنا لهم بالسلامِ، رُوي ذلك عن ابنِ عَباسٍ وأبي أُمامةَ وابنِ أبي مُحيريزٍ، وهو وَجهٌ لبَعضِ أصحابِنا حَكاه الماوَرديُّ لكنَّه قالَ: يَقولُ: السلامُ عليك، ولا يَقولُ: «عليكم»، بالجَمعِ، واحتَجَّ هؤلاء بعُمومِ الأَحاديثِ وبإِفشاءِ السلامِ، وهي حُجةٌ باطِلةٌ؛ لأنَّه عامٌّ مَخصوصٌ بحَديثِ: «لا تَبدؤوا اليَهودَ ولا النَّصارى بالسلامِ».

وقالَ بعضُ أصحابِنا: يُكرهُ ابتِداؤُهم بالسلامِ ولا يَحرمُ، وهذا ضَعيفٌ أيضًا؛ لأنَّ النَّهيَ للتَّحريمِ، فالصَّوابُ تَحريمُ ابتِدائِهم، وحَكى القاضي عن جَماعةٍ أنَّه يَجوزُ ابتِداؤُهم به للضَّرورةِ والحاجةِ، أو لسَببٍ، وهو قَولُ عَلقمةَ والنَّخَعيِّ، وعن الأَوزاعيِّ أنَّه قالَ: «إنْ سلَّمتَ فقد سلَّمَ الصَّالِحونَ، وإنْ تَركتَ فقد ترَك الصَّالِحونَ».

وقالَت طائِفةٌ من العُلماءِ: لا يَردُّ عليهم السلامَ، ورَواه ابنُ وَهبٍ وأشهَبُ عن مالِكٍ وقالَ بعضُ أصحابِنا: يَجوزُ أنْ يَقولَ في الردِّ عليهم:

مسائل المعاملات الاجتماعية مع أهل الذمة الفقهية

ارجع إلى الجنايات والحدود للاطلاع على جميع الأبواب.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 40%
البدر بعد 8 يوم
أستغفر الله