تلقين الكافر المحتضر

الإسلام > الجنايات والحدود > المعاملات الاجتماعية مع أهل الذمة > تلقين الكافر المحتضر

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

تلقين الكافر المحتضر - الأقوال والأدلة

تَلقينُ الكافرِ المُحتضَرِ:

قالَ الإسنَويُّ رحمة الله عليه: لو كانَ -أي: المُحتضَرُ- كافرًا لُقِّن الشَّهادتَينِ وأمَرَ بهما (١)، لما رُوي عن أنَسٍ رضي الله عنه قالَ: كانَ غُلامٌ يَهوديٌّ يَخدُمُ النَّبيَّ فمرِضَ فأَتاه النَّبيُّ يَعودُه فقعَدَ عندَ رأسِه، فقالَ له: «أسلِمْ» فنظَر إلى أبيه وهو عندَه، فقالَ له: أطِعْ أبا القاسِمِ، فأسلَمَ، فخرَجَ النَّبيُّ وهو يَقولُ: «الحَمدُ للهِ الذي أنقَذَه من النارِ» (٢).

وتَلقينُ الكافرِ المُحتضَرِ الشهادةَ يَكونُ وُجوبًا إنْ رُجِيَ إِسلامُه، وإنْ لمْ يُرجَ إسلامُه يُندَبْ ذلك.

قالَ الجَملُ رحمة الله عليه: وظاهِرُ هذا أنَّه يُلقَّنُ إنْ رُجي إسلامُه وإنْ بلَغَ الغَرغرةَ، ولا بُعدَ فيه؛ لاحتِمالِ أنْ يَكونَ عَقلُه حاضِرًا، وإنْ ظهَرَ لنا خِلافُه وإنْ كنا لا نُرتِّبُ عليه أَحكامَ المُسلِمينَ حينَئذٍ (٣).

حُضورُ جَنائِزِ أهلِ الذِّمةِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُضورِ المُسلِمِ جَنائزِ أهلِ الذِّمةِ؛ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى جَوازِ ذلك، وخالَفَ المالِكيةُ في ذلك.

(١) «أسنى المطالب» (١/ ٢٩٦)، و «نهاية المحتاج» (٢/ ٤٣٦)، و «حاشية الجمل» (٢/ ١٣٦).
(٢) رواه البخاري (١٢٩٠).
(٣) «حاشية الجمل» (٢/ ١٣٦).

قالَ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: واختلَفوا في غُسلِ الكافرِ ودَفنِه، فكانَ مالِكٌ يَقولُ: لا يُغسِّلُ المُسلِمُ والدَه إذا ماتَ كافرًا، ولا يَتبَعُه، ولا يَدخلُ في قَبْرِه إلا أنْ يَخشى أنْ يَضيعَ، فيُواريَه.

وكانَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه يَقولُ: لا بأسَ أنْ يُغسِّلَ المُسلِمُ ذا قَرابَتِه من المُشرِكينَ، ويَتبعَه، ويَدفنَه، وبه قالَ أبو ثَورٍ وأصحابُ الرأيِ.

قالَ أبو بَكرٍ: ليسَ في غُسلِ من خالَفَ الإسلامَ سُنةٌ يَجبُ اتِّباعُها، والحَديثُ الذي احتَجَّ به الشافِعيُّ مُنقطِعٌ لا تَقومُ به الحُجةُ، وقد رَوينا عن عُمرَ بنِ الخَطابِ أنَّه قالَ لأبي وائِلٍ وقد ماتَت أُمُّه نَصرانيةً فقالَ: «اركَبْ دابةً وسِرْ أمامَها»، ورُوي عن ابنِ عَباسٍ أنَّه قالَ: «يَقومُ عليه، ويَتبعُه، ويَدفنُه» وقد اختُلفَ فيه.

وقالَ الحَسنُ البَصريُّ رحمة الله عليه: لا نَرى بأسًا أنْ يَحُثَّه أو يُكفِّنَه.

ثم رَوى عن أبي وائِلٍ، قالَ: ماتَت أُمِّي نَصرانيةً، فأتيتُ عُمرَ فذكَرَت له ذلك، فقالَ: «اركَب دابةً وسِرْ أمامَها».

وعن سَعيدِ بنِ جُبَيرٍ قالَ: كانَ عندَنا رَجلٌ كانَ له أبٌ يَهوديٌّ، أو نَصرانِيٌّ، فماتَ فلم يَتبعْه، فسألتُ ابنَ عَباسٍ فقالَ: «يَقومُ عليه ويَتبعُه ويَدفنُه».

وعن عبدِ اللهِ بنِ شَريكٍ العامِريِّ، قالَ: سَمِعت الحارثَ بنَ أبي رَبيعةَ سألَ ابنَ عُمرَ عن أُمٍّ له نَصرانيةٍ ماتَت، فقالَ له ابنُ عُمرَ: «نَأمرُ بأمرِك وأنتَ بَعيدٌ ثم تَسيرُ أمامَها؛ فإنَّ الذي يَسيرُ أمامَ الجِنازةِ ليسَ معها».

وقالَ عَطاءُ بنُ أبي رَباحٍ: «لا يَحمِلُ المُسلِمُ جِنازةَ الكافرِ، ولا يَقومُ على قبْرِه».

وقالَ أحمدُ بنُ حَنبلٍ وقد سُئلَ عن شُهودِ جِنازةِ الجارِ النَّصرانِيِّ؟ فقالَ: على نَحوِ ما مُنعَ الحارثُ بنُ أبي رَبيعةَ كانَ يَشهدُ جِنازةَ أُمِّه، وكانَ يَقومُ ناحيةً، ولا يَحضُرُه؛ لأنَّه مَلعونٌ.

قالَ أبو بَكرٍ: سَنَّ النَّبيُّ غُسلَ المَوتى المُسلِمينَ، وليسَ في غُسلِ مَنْ خالَفهم سُنةٌ، وأَحسنُ شَيءٍ رَوينا في هذا البابِ حَديثُ ناجيةَ ابنِ كَعبٍ عن علِيٍّ رضي الله عنه … ، قالَ: لمَّا هلَكَ أبو طالِبٍ أَتيتُ النَّبيَّ فقُلتُ: إنَّ عمَّك الضَّالَّ قد هلَكَ، قالَ: «انطلِقْ فوارِه، ثم لا تُحدِثنَّ شَيئًا حتى تَأتيَني»، قالَ: فأتَيتُه قالَ: فأمَرَني أنْ أغتَسِلَ، ثم دَعا لي بدَعواتٍ ما يَسرُّني بهنَّ حُمرُ النَّعَمِ، أو ما على الأَرضِ من شَيءٍ (١).

وقالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: قالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: ويُغسِّلُ المُسلِمُ قَرابتَه من المُشرِكينَ ويَتبعُ جِنازتَه ولا يُصلِّي عليه؛ لأنَّ النَّبيَّ أمَرَ علِيًّا فغسَّلَ أبا طالِبٍ.

قالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: وهذا كما قالَ: إذا ماتَ المُشرِكُ وله قَرابةٌ مُسلِمونَ فلهم أنْ يُغسِّلوه ويُكفِّنوه ويَتبَعوا جِنازتَه. وكرِه مالِكٌ ذلك (٢).

(١) «الأوسط» (٥/ ٣٤٢، ٣٤٣).
(٢) «الحاوي الكبير» (٣/ ١٩)، وانظر: «المهذب» (١/ ١٣٦)، و «المجموع» (٥/ ٢٣٧).

وقالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وإذا كانَ ذا رَحِمٍ مَحرَمٍ من المُسلِمِ فلا بأسَ بأنْ يُغسِّلَه ويُكفِّنَه ويَتبعَ جِنازتَه ويَدفنَه؛ لأنَّ الابنَ ما نُهيَ عن البِرِّ بمَكانِ أبيه الكافرِ، بل أُمِرَ بمُصاحبتِهما بالمَعروفِ بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [x: ١٥]، ومِن البِرِّ القيامُ بغُسلِه، ودَفنِه وتَكفِينِه (١).

وقالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: فَصلٌ في شُهودِ جَنائزِهم.

قالَ مُحمدُ بنُ موسى: قُلتُ لأبي عبدِ اللهِ: يُشيِّعُ المُسلِمُ جِنازةَ المُشرِكِ؟ قالَ: نَعمْ.

وقالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ بنِ هارونَ: قيلَ لأبي عبدِ اللهِ: ويَشهدُ جِنازتَه؟ قالَ: نَعمْ. نَحوَ ما صنَعَ الحارِثُ بنُ أبي رَبيعةَ كانَ شهِدَ جِنازةَ أُمِّه وكانَ يَقومُ ناحيةً ولا يَحضُرُ؛ لأنَّه مَلعونٌ.

وقالَ أبو طالِبٍ: سأَلتُ أبا عبدِ اللهِ عن الرَّجلِ يَموتُ وهو يَهوديٌّ وله وَلدٌ مُسلِمٌ كيف يَصنعُ؟ قالَ: يَركبُ دابَّتَه ويَسيرُ أمامَ الجِنازةِ ولا يَكونُ خَلفَه، فإذا أرادوا أنْ يَدفِنوه رجَعَ، مِثلَ قَولِ عُمرَ.

قُلتُ: أرادَ ما رَواه سَعيدُ بنُ مَنصورٍ، قالَ حدَّثَني عيسى بنُ يُونسَ عن مُحمدِ بنِ أبي إسماعيلَ عن عامِرِ بنِ شَقيقٍ عن أبي وائِلٍ قالَ: ماتَت أُمِّي نَصرانيةً، فأتيتُ عُمرَ فسألتُه، فقالَ: «اركَب في جِنازتِها وسِرْ أمامَها».

(١) «بدائع الصنائع» (١/ ٣٠٣)، وانظر: «المبسوط» (٢/ ٥٥)، و «تبيين الحقائق» (١/ ٢٤٤)، و «العناية» (٤/ ٩).

قالَ الخَلَّالُ: حدَّثَنا علِيُّ بنُ سَهلِ بنِ المُغيرةِ، قالَ: حدَّثَني أبي، سَهلُ بنُ المُغيرةِ حدَّثَنا أبو مَعشرٍ عن مُحمدِ بنِ كَعبٍ القُرظيُّ عن عبدِ اللهِ ابنِ كَعبِ بنِ مالِكٍ عن أبيه قالَ: جاءَ قَيسُ بن شَمَّاسٍ إلى النَّبيِّ فقالَ: إنَّ أمَّه تُوفِّيت وهي نَصرانيةٌ وهو يُحِبُّ أنْ يَحضُرَها، فقالَ له النَّبيُّ: «اركَبْ دابَّتَك وسِرْ أمامَها؛ فإنَّك إذا كُنْتَ أمامَها لم تَكنْ معها» (١).

قالَ عليُّ بنُ سَهلٍ: رأيتُ أحمدَ بنَ حَنبلٍ يَسألُ أبي عن هذا الحَديثِ فحدَّثَه به.

وقالَ حَنبلٌ: سأَلتُ أبا عبدِ اللهِ عن المُسلِمِ تَموتُ له أُمٌّ نَصرانيةٌ أو أَبوه أو أَخوه أو ذُو قَرابَتِه وتَرى أنْ يَليَ شَيئًا من أَمرِه حتى يُواريَه، قالَ: إنْ كانَ أبًا أو أمًّا أو أخًا أو قَرابةً قَريبةً وحضَرَه فلا بأسَ، وقد أمَرَ النَّبيُّ عليَّ بنَ أبي طالِبٍ رضي الله عنه أنْ يُواريَ أبَا طالِبٍ، قُلتُ: فتَرى أنْ يَفعلَ هو ذلك، قالَ: أهلُ دِينِه يَلُونه وهو حاضِرٌ يَكونُ معهم، حتى إذا ذَهبوا به ترَكه معهم وهُم يَلُونه.

قالَ حَنبلٌ: وحدَّثَنا عَفَّانُ، ثنا حَمَّادُ بنُ سَلمةَ عن علِيِّ بنِ زَيدٍ عن يُوسفَ بنِ مِهرانَ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ رَبيعةَ قالَ لعبدِ اللهِ بنِ عُمرَ رضي الله عنهما: إنَّ

(١) أخرجه الدارقطني (٢/ ٧٥) وضعَّفَه، وضعَّفَه أيضًا الحافظُ ابنُ حَجرٍ في «التلخيص» (٢/ ١١٥).

أُمِّي ماتَت، وقد عَلِمتَ الذي كانَت عليه من النَّصرانيةِ. قالَ: «أحسِنْ وِلايتَها وكَفِّنْها ولا تَقمْ على قبْرِها».

قالَ يُوسفُ: كنَّا معه في ناحيةٍ والنَّصارى يَعِجُّون مع أُمِّه.

وقالَ إسحاقُ بنُ مَنصورٍ: قُلتُ لأبي عبدِ اللهِ: الرَّجلُ يَكونُ له جارٌ مُسلِمٌ ماتت أُمُّه نَصرانيةً يَتبعُ هذا جِنازتَها؟ قالَ: لا يَتبعُها، يَكونُ ناحيةً منها.

وقالَ: الأثرَمُ سَمِعت أبا عبدِ اللهِ يَسألُ عن شُهودِ جِنازةِ النَّصرانِيِّ الجارَ، قالَ: على نَحوِ ما صنَعَ الحارِثُ بنُ أبي رَبيعةَ كانَ شهِدَ جِنازةَ أُمِّه فكانَ يَقومُ ناحيةً ولا يَحضُرُ؛ لأنَّه مَلعونٌ.

وقالَ صالِحُ بنُ أحمدَ: قُلتُ لأبي: رَجلٌ مُسلِمٌ ماتَت له أُمٌّ نَصرانيةٌ يَتبعُ جنازَتها؟ قالَ: يَكونُ ناحيةً منها.

وقالَ سَعيدُ بنُ مَنصورٍ: ثنا سُفيانُ عن أبي سَنانٍ عن سَعيدِ بنِ جُبَيرٍ، قالَ: سأَلتُ ابنَ عَباسٍ رضي الله عنهما عن رَجلٍ ماتَ أَبوه نَصرانيًّا، قالَ: «يَشهدُه ويَدفِنُه».

قالَ الخَلَّالُ: كانَ أبا عبدِ اللهِ لم يُعجِبْه ذلك، ثم رَوى عن هؤلاء الجَماعةِ أنَّه لا بأسَ به، واحتجَّ بالأحاديثِ، يَعني أنَّه رجَعَ إلى هذا القَولِ، واللهُ أعلَمُ (١).

(١) «أحكام أهل الذمة» (١/ ١٥٩، ١٦٠).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 584 - 589

ارجع إلى المعاملات الاجتماعية مع أهل الذمة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
اللهم صل على محمد