الإسلام > الجنايات والحدود > بأي شيء يكون التعزير؟
مسائلُ فقهيةٌ في بأي شيء يكون التعزير؟ على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةبأيِّ شَيءٍ يكونُ التَّعزيرُ؟
نَصَّ الفُقهاءُ على أنَّ التعزيرَ يكونُ بجَلدٍ وضَربٍ وتَوبيخٍ وحَبسٍ، وللعُلماءِ تَفصيلٌ في ذلكَ، وبَيانُه فيما يلي:
أولاً: الجَلدُ والضَّربُ:
اتَّفقَ أهلُ العِلمِ على جَوازِ التعزيرِ بالجَلدِ.
إلا أنهُم اختَلفُوا في مِقدارِه:
فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنه لا يَبلغُ في التَّعزيرِ أربَعينَ جَلدةً، فأكثرُه عندَهم تِسعةٌ وثَلاثونَ سَوطًا؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ بلَغَ حَدًّا في غيرِ حَدٍّ فهو مِنْ المُعتدينَ» (١).
والأربَعونَ حَدٌّ في العَبيدِ في القَذفِ، فيُنقَصُ عنه سَوطٌ، وهذا بَيانُ أقصَى التعزيرِ، فأما فيما دونَ ذلكَ الرأيُ إلى الإمامِ يُعزِّرُه بقَدرِ ما يَعلمُ أنه يَنزجرُ به؛ لأنَّ ذلك يَختلفُ باختلافِ أحوالِ الناسِ وباختِلافِ جَرائمِهم.
وأما قَولُ النبيِّ ﷺ: «لا يُجلدُ فوقَ عَشرِ جلَدَاتٍ إلا في حَدٍّ مِنْ حُدودِ اللهِ» (٢) فمَنسوخٌ بعَملِ الصَّحابةِ على خِلافِه مِنْ غيرِ نَكيرٍ، أو مَحمولٌ على الأَولويةِ ونحوِها بعدَ ثبوتِ العَملِ بخِلافِه (٣).
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (١٧٣٦٢).
(٢) رواه البخاري (٦٤٥٦).
(٣) «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ٣٠٤، ٣٠٥)، و «تحفة الفقهاء» (٢/ ٦٤٦)، و «المبسوط» (٩/ ٧١)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٦٤)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٣٧٣، ٣٧٤)، و «اللباب» (٢/ ٣١٨، ٣١٩)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٣٣٢)، و «البيان» (١٢/ ٥٣٣، ٥٣٤)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٦٢٠)، و «النجم الوهاج» (٩/ ٢٤١)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٥١٧)، و «نهاية المحتاج» (٨/ ٢٥)، و «المغني» (٩/ ١٤٨، ١٤٩).
وذهَبَ الإمامُ أبو يُوسفَ وزَفرُ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنه يَجوزُ للإمامِ أنْ يَبلغَ في التعزيرِ إلى خَمسةٍ وسَبعينَ سَوطًا، وقيلَ: تِسعٍ وسَبعينَ، لِما رُويَ مَرفوعًا: «مَنْ بلَغَ حَدًّا في غيرِ حَدٍّ فهو مِنْ المُعتدينَ» (١).
قالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: والحاصِلُ أنه لا خِلافَ بينَ أصحابِنا رضي الله عنهم أنه لا يَبلغُ التعزيرُ الحَدَّ؛ لِما رُويَ عنه عليه الصلاة والسلام أنه قالَ: «مَنْ بلَغَ حَدًّا في غيرِ حَدٍّ فهو مِنْ المُعتدينَ»، إلا أنَّ أبا يُوسفَ رحمة الله عليه صرَفَ الحَدَّ المَذكورَ في الحَديثِ على الأحرارِ، وزعَمَ أنه الحَدُّ الكاملُ لا حَدَّ المَماليكِ؛ لأنَّ ذلكَ بعضُ الحَدِّ وليس بحَدٍّ كاملٍ، ومُطلَقُ الاسمِ يَنصرفُ إلى الكاملِ في كُلِّ بابٍ، ولأنَّ الأحرارَ هم المَقصودونَ في الخِطابِ وغيرُهم مُلحَقٌ بهم فيه.
ثمَّ قالَ في روايةٍ: يُنْقَصُ منها سَوطٌ، وهو الأقيَسُ؛ لأنَّ ترْكَ التبليغِ يَحصلُ به.
وفي رِوايةٍ قالَ: يُنتقَصُ منها خَمسةٌ، ورُويَ ذلك أثَرًا عن سيِّدِنا عليٍّ رضي الله عنه أنه قالَ: «يُعزَّرُ خَمسةً وسَبعينَ».
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (١٧٣٦٢).
قالَ أبو يُوسفَ رحمة الله عليه: فقلَّدتُه في نُقصانِ الخَمسةِ واعتَبرتُ عنه أدنَى الحُدودِ. ورُويَ عنه أنه قالَ: أخَذتُ كل نوعٍ مِنْ بابِه وأخَذتُ التعزيرَ في اللَّمسِ والقُبلةِ مِنْ حَدِّ الزِّنا، والقَذفَ بغيرِ الزنا مِنْ حَدِّ القذفِ؛ ليَكونَ إلحاقَ كلَّ نوعٍ ببابِه.
وأبو حَنيفةَ صرَفَه إلى حَدِّ المَماليكِ وهو أربَعونَ؛ لأنه ذكَرَ حَدًّا مُنكَّرًا، فيَتناولُ حَدًّا ما، وأربَعونَ حَدٌّ كاملٌ في المَماليكِ، فيَنصرفُ إليه، ولأنَّ في الحَملِ على هذا الحَدِّ أخذًا بالثقةِ والاحتياطِ؛ لأنَّ اسمَ الحدِّ يَقعُ على النوعينِ.
فلو حمَلْناهُ على ما قالَه أبو حَنيفةَ يَقعُ الأمنُ عن وَعيدِ التبليغِ؛ لأنه لا يَبلغُ، ولو حمَلْناهُ على ما قالَه أبو يُوسفَ لا يَقعُ الأمنُ عنه؛ لاحتِمالِ أنه أرادَ به حَدَّ المَماليكِ، فيَصيرُ مُبلَّغًا غيرَ الحَدِّ فيَلحقُه الوَعيدُ، فكانَ الاحتياطُ فيما قالَه أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ إلى أنَّ التعزيرَ ربَّما كانَ أكثَرَ مِنْ الحُدودِ إذا أدَّى الإمامَ اجتهادُه إلى ذلكَ لعِظمِ الجُرمِ، حتى لو أدَّى إلى المَوتِ فلا إثْمَ عليه ولا ديَةَ إذا لم يَقصدْ ذلكَ، وإنما قصَدَ التشديدَ فيما يَقتضي التَّشديدَ كسَبِّ الصحابةِ وآلِ البيتِ ونحوِ ذلكَ فأدَّى إلى الهَلاكِ،
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٦٤)، ويُنظَر: «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ٣٠٤، ٣٠٥)، وتحفة الفقهاء (٢/ ٦٤٦)، و «المبسوط» (٩/ ٧١)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٣٧٣، ٣٧٤)، و «اللباب» (٢/ ٣١٨، ٣١٩)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٣٣٢).
وقد رُويَ عن مالكٍ أنه أمَرَ بضَربِ شَخصٍ وُجدَ مع صبيٍّ فوقَ ظَهرِ مَسجدٍ وقد جَرَّدَه وضَمَّه إلى صَدرِه أربعَمائةِ سَوطٍ فانتَفخَ وماتَ ولم يَستعظمْ ذلكَ.
فإنْ ظَنَّ عدَمَ السلامةِ أو شَكَّ مُنعَ تأديبُه بما يَتأتَّى إلى النَّفسِ، فإنْ فعَلَ ضَمِنَ في النفسِ قَودًا إنْ جزَمَ بعَدمِ السلامةِ أو ظنَّ عدَمَها، وإنْ شَكَّ في السَّلامةِ وعَدمِها فالدَّيةُ على عاقلتِه (١).
وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في وَجهٍ وأشهَبُ مِنْ المالِكيةِ إلى أنه لا يَجوزُ الزيادةُ على عَشرِ جَلداتٍ في التعزيرِ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ: «لا يُجلدُ فوقَ عَشرِ جَلَداتٍ إلا في حَدٍّ مِنْ حُدودِ اللهِ» (٢)، وفي لَفظٍ: «لا عُقوبةَ فوقَ عَشرِ ضَرَباتٍ إلا في حَدٍّ مِنْ حُدودِ اللهِ» (٣).
وللحاكِمِ نقصُه عن عَشرةٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قدَّرَ أكثرَه ولم يُقدِّرْ أقلَّه، فيُرجعُ فيه إلى اجتهادِ الحاكِمِ بحسبِ حالِ الشخصِ.
إلا إذا وَطئَ أمَةً له فيها شِركٌ، فيُعزَّرُ بمِائةِ سَوطٍ إلا سَوطًا؛ لِما رَوى سَعيدُ بنُ المُسيبِ عن عُمرَ رضي الله عنه في أمَةٍ بينَ رَجلينِ وَطئَها أحَدُهما: «يُجلَدُ الحَدَّ إلا سَوطًا»، وليُنقَصْ عن حدِّ الزنى.
(١) «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٤٥٨)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٣٧٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣٧١)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٤٠٣).
(٢) رواه البخاري (٦٤٥٦).
(٣) رواه البخاري (٦٤٥٧).
ارجع إلى الجنايات والحدود للاطلاع على جميع الأبواب.