الإسلام > الجنايات والحدود > تتعدد الغرة بتعدد الأجنة > الكفارة في قتل الجنين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةالكفَّارةُ في قَتلِ الجَنينِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الجاني على الجَنينِ، هل تَجبُ عليهِ كفَّارةٌ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه لا يَجبُ عليهِ كفَّارةٌ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قرَنَ إيجابَ الكفَّارةِ بوُجوبِ الدِّيةِ بقَولِه: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾ [النساء: ٩٢]، والجَنينُ لا ديَةَ فيه ولا كفَّارةَ فيه (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنه لا كفَّارةَ فيه، ولكنِ استَحسنَها مالِكٌ ولم يُوجبْها؛ لأنَّ الكفَّارةَ لمَّا لم تَجبْ عندَه في العَمدِ وتَجبُ في الخَطأِ وكانَ هذا مُتردِّدًا عندَه بينَ العَمدِ والخَطأِ استَحسنَ فيه الكفَّارةَ ولم يُوجبْها (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ الجاني يَلزمُه الكفَّارةُ (٣).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وعلى كلِّ مَنْ ضرَبَ ممَّن ذكَرْتُ عِتقُ رقبةٍ مُؤمنةٍ، سَواءٌ كانَ الجَنينُ حيًّا أو مَيتًا، هذا قَولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ، منهُم الحَسنُ وعطاءٌ والزهريُّ والحَكمُ ومالكٌ والشافِعيُّ وإسحاقُ.
قالَ ابنُ المُنذرِ: كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ أوجَبَ على ضارِبِ بطنِ المَرأةِ تُلقي جَنينًا الرقبةَ مع الغُرةِ، ورُويَ ذلكَ عن عُمرَ رضي الله عنه.
وقالَ أبو حَنيفةَ: لا تَجبُ الكفَّارةُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يُوجِبِ الكفَّارةَ حينَ أوجَبَ الغرَّةَ.
(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٥/ ١٧٦).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٣١٢).
(٣) «شرح صحيح مسلم» (١١/ ١٧٦)، و «البيان» (١١/ ٥٠٢).
ولنا: قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وقالَ: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وهذا الجَنينُ إنْ كانَ مِنْ مُؤمنَينِ أو أحَدُ أبوَيهِ فهو مَحكومٌ بإيمانِه تَبعًا، يَرثُه وَرثتُه المُؤمنونَ ولا يَرثُ الكافرُ منه شَيئًا، وإنْ كانَ مِنْ أهلِ الذِّمةِ فهو مِنْ قَومٍ بينَنَا وبينَهُم مِيثاقٌ، ولأنه نَفسٌ مَضمونٌ بالدِّيةِ، فوجَبَتْ فيه الرقبةُ كالكبيرِ، وتَركُ ذِكرِ الكفَّارةِ لا يَمنعُ وُجوبَها، كقَولِه عليه السلام: «في النَّفسِ المُؤمنةِ مِائةٌ مِنْ الإبلِ»، وذكَرَ الدِّيةَ في مَواضعَ ولم يَذكرِ الكفَّارةَ، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قضَى بدِيةِ المَقتولةِ على عاقِلةِ القاتلةِ ولم يَذكرْ كفَّارةً وهي واجِبةٌ، كذا هاهُنا، وإنما كانَ كذلكَ لأنَّ الآيةَ أغنَتْ عن ذِكرِ الكفَّارةِ في مَوضعٍ آخَرَ، فاكتُفيَ بها، وإنْ ألقَتِ المَضروبةُ أجنَّةً ففي كلِّ جَنينٍ كفَّارةٌ كما أنَّ في كلِّ جَنينٍ غُرةً أو ديَةً، وإنِ اشتَركَ جَماعةٌ في ضَربِ امرأةٍ فألقَتْ جَنينًا فدِيتُه أو الغرَّةُ عليهِم بالحِصصِ، وعلى كلِّ واحِدٍ منهُم كفَّارةٌ، كما إذا قتَلَ جَماعةٌ رَجلًا واحدًا، وإنْ ألقَتْ أجنَّةً فدِياتُهم عليهِم بالحِصصِ، وعلى كلِّ واحِدٍ في كلِّ جَنينٍ كفَّارةٌ، فلو ضرَبَ ثلاثةٌ بطنَ امرأةٍ فألقَتْ ثَلاثةَ أجنَّةٍ فعَليهم تِسعُ كفَّاراتٍ على كلِّ واحدٍ ثَلاثةٌ (١).
(١) «المغني» (٨/ ٣٢٦، ٣٢٧).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
فصل في الجناية على ما هو نفس من وجه دون وجه
الْأَرْشِ بِمِقْدَارِهِ مِنْ أَرْشِ الْجِرَاحَةِ الْمُقَدَّرَةِ (وَجْهُ) مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ رحمة الله عليه أَنَّ الْقِيمَةَ فِي الْعَبْدِ كَالدِّيَةِ فِي الْحُرِّ فَيُقَدَّرُ الْعَبْدُ حُرًّا فَمَا أَوْجَبَ نَقْصًا فِي الْعَبْدِ يُعْتَبَرُ بِهِ الْحُرُّ.
وَكَانَ الْكَرْخِيُّ رحمة الله عليه يُنْكِرُ هَذَا الْقَوْلَ وَيَقُولُ: هَذَا يُؤَدِّي إلَى أَمْرٍ فَظِيعٍ، وَهُوَ أَنْ يَجِبَ فِي قَلِيلِ الشِّجَاجِ أَكْثَرُ مِمَّا يَجِبُ فِي كَثِيرِهَا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ نُقْصَانُ شَجَّةِ السِّمْحَاقِ فِي الْعَبْدِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ عُشْرِ قِيمَتِهِ فَلَوْ أَوْجَبْنَا مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ دِيَةِ الْحُرِّ لَأَوْجَبْنَا فِي السِّمْحَاقِ أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ فِي الْمُوضِحَةِ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى مَا هُوَ نَفْسٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الْجِنَايَةُ عَلَى مَا هُوَ نَفْسٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَهُوَ الْجَنِينُ بِأَنْ ضُرِبَ عَلَى بَطْنِ حَامِلٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا فَيَتَعَلَّقُ بِهَا أَحْكَامٌ وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ الْجَنِينَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ حُرًّا بِأَنْ كَانَتْ أُمُّهُ حُرَّةً أَوْ أَمَةً عَلِقَتْ مِنْ مَوْلَاهَا أَوْ مِنْ مَغْرُورٍ.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ رَقِيقًا، وَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا وَإِمَّا أَنْ أَلْقَتْهُ حَيًّا فَإِنْ كَانَ حُرًّا وَأَلْقَتْهُ مَيِّتًا فَفِيهِ الْغُرَّةُ.
وَالْكَلَامُ فِي.
الْغُرَّةِ فِي مَوَاضِعَ: فِي بَيَانِ وُجُوبِهَا وَفِي تَفْسِيرِهَا وَتَقْدِيرِهَا وَفِي بَيَانِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وَفِي بَيَانِ مَنْ تَجِبُ لَهُ.
ارجع إلى تتعدد الغرة بتعدد الأجنة للاطلاع على جميع المسائل.