الإسلام > الجنايات والحدود > تفسير الإحصان وشروطه > إقامة الحد على الحامل
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةيَسقطَ النَّفيُ إذا لم تَجدْ مَحرمًا كما يَسقطُ سَفرُ الحجِّ إذا لم يَكنْ لها مَحرمٌ، فإنَّ تَغريبَها إغراءٌ لها بالفُجورِ وتَعريضٌ لها للفِتنةِ، وعُمومُ الحَديثِ مَخصوصٌ بعُمومِ النهيِ عن سَفرِها بغيرِ مَحرمٍ (١).
وقالَ الإمامُ الزَّركشيُّ رحمة الله عليه: فالرَّجلُ يُنفَى إلى مَسافةِ القَصرِ بلا رَيبٍ، وكذلكَ المرأةُ إذا كانَ معَها مَحرمُها، ومع تعذُّرِه هل تُنفَى إلى مَسافةِ القَصرِ لِمَا تقدَّمَ؟ أو إلى ما دُونَها لحَديثِ: «لا تُسافر مَسيرةَ يومٍ إلا مع ذِي مَحرمٍ»؟ على رِوايتَينِ، هذهِ طَريقةُ القاضي في الرِّوايتَينِ، وأبي مُحمدٍ في «المُغنِي»، وجعَلَ أبو الخطَّابِ في «الهِداية» الرِّوايتينِ فيها مُطلَقًا، سواءٌ نُفيَتْ مع مَحرمِها أو بدُونِه، وتَبِعَه على ذلكَ أبو مُحمدٍ في «الكافي» و «المقنع»، وعكَسَ أبو البَركاتِ طَريقةَ «المغني»، فجعَلَ الرِّوايتينِ فيها فيما إذا نُفيَتْ مع مَحرمِها، أمَّا بدُونِه فإلى ما دُونَها قولًا واحدًا (٢).
إقامةُ الحَدِّ على الحامِلِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الحَدَّ لا يُقامُ على الحامِلِ مِنْ زَنًى أو غيرِه حتَّى تضَعَ حمْلَها؛ لِما رواهُ سُليمانَ بنُ بُريدةَ عن أبيهِ قالَ: « … ثمَّ جاءَتْه امرأةٌ مِنْ غامِدٍ مِنْ الأَزْدِ فقالَتْ: يا رَسولَ اللهِ طَهِّرْني، فقالَ: ويحَكِ ارجعِي فاستَغفرِي اللهَ وتُوبي إليه، فقالَتْ: أراكَ تُريدُ أنْ تُردِّدَني كما رَدَّدتَ ماعزَ بن مالكٍ، قالَ: وما ذاكِ؟ قالَتْ إنها حُبلَى مِنْ الزنى، فقال: آنتِ؟
قالَتْ: نعمْ،
(١) «المغني» (٩/ ٤٦).
(٢) «شرح الزركشي» (٣/ ١٠٣)، و «كشاف القناع» (٦/ ١١٨)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٠٦).
فقالَ لها: حتى تَضَعي ما في بَطنِكِ، قالَ: فكفَلَها رَجلٌ مِنْ الأنصارِ حتى وضَعَتْ، قالَ: فأتَى النبيَّ ﷺ فقالَ: قد وضَعَتِ الغامديَّةُ، فقالَ: إذًا لا نَرجُمُها ونَدعُ ولَدَها صَغيرًا ليسَ له مَنْ يُرضعُه، فقامَ رَجلٌ مِنْ الأنصارِ فقالَ: إليَّ رَضاعُه يا نَبيَّ اللهِ، قالَ: فرجَمَها» (١).
ولأنه إذا حَدَّها في حالِ الحَملِ أفضَى إلى تَلفِها وإجهاضِ حَملِها، وكِلَا الأمرَينِ مَحظورٌ، وسواءٌ كانَ الحَدُّ رَجمًا أو غيرَه (٢).
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: أجمَعوا على أنَّ المَرأةَ إذا اعتَرفَتْ بالزنا وهيَ حامِلٌ أنها لا تُرجَمُ حتى تَضعَ حمْلَها (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: وأجمَعَ العُلماءُ أنَّ الحُبلَى مِنْ الزِّنا لا رجْمَ عليها حتى تضَعَ.
واختَلفُوا إذا وضَعَتْ متى يَجبُ عليها الرَّجمُ؟
فقالَ مالكٌ: إذا وضَعَتْ حُدَّتْ إذا وُجدَ للمَولودِ مَنْ يُرضِعُه، وإنْ لم يُوجَدْ أُخِّرتْ حتى تُرضعَه وتَفطمَه؛ خوْفَ هَلاكِه.
وقالَ الشافِعيُّ: لا تُرجمُ حتى تَفطمَه، كما فعَلَ ﷺ في المَرجُومةِ على ما رواهُ مالكٌ في «المُوطَّأ».
(١) رواه مسلم (١٦٩٥).
(٢) «الحاوي الكبير» (١٣/ ٤٩١).
(٣) «الإجماع» (٦٣٥).
وقالَ الكُوفيُّونَ: تُرجمُ بعدَ الوَضعِ على ما رواهُ عِمرانُ بنُ حُصينٍ «أنَّ امرأةً أتَتِ النبيَّ ﷺ فذكَرَتْ أنها زَنَتْ، فأمَرَ بها أنْ تَقعدَ حتى تضَعَه، فلمَّا وضَعَتْه أتَتْهُ فأمَرَ بها فرُجمَتْ وصلَّى عَليها» (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا أنَّ الحَدَّ لا يُقامُ عليها وهي حُبلَى (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: لا تُرجَمُ الحُبلى حتى تَضعَ، سَواءٌ كانَ حَملُها مِنْ زنًا أو غيرِه، وهذا مُجمَعٌ عليه؛ لئلَّا يُقتلَ جَنينُها، وكذا لو كانَ حَدُّها الجَلدَ وهي حامِلٌ لم تُجلدْ بالإجماعِ حتى تضَعَ، وفيه أنَّ المَرأةَ تُرجَمُ إذا زنَتْ وهي مُحصَنةٌ كما يُرجمُ الرجلُ، وهذا الحديثُ مَحمولٌ على أنها كانَتْ مُحصَنةً؛ لأنَّ الأحادِيثَ الصحيحةَ والإجماعَ مُتَطابقانِ على أنه لا يُرجَمُ غيرُ المُحصَنِ، وفيه أنَّ مَنْ وجَبَ عليها قِصاصٌ وهي حامِلٌ لا يُقتَصُّ منها حتى تضَعَ، وهذا مُجمَعٌ عليه، ثُمَّ لا تُرجمُ الحاملُ الزانيةُ ولا يُقتَصُّ منها بعدَ وَضعِها حتى تَسقيَ ولَدَها اللَّبأَ ويَستغنِي عنها بلَبنِ غيرِها، وفيه أنَّ الحَملَ يُعرَفُ ويُحكَمُ به، وهذا هو الصَّحيحِ في مَذهبِنا (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا يُقامُ الحَدُّ على حامِلٍ حتى تضَعَ، سَواءٌ كانَ الحَملُ مِنْ زنًا أو غيرِه، لا نَعلمُ في هذا خِلافًا (٤).
(١) «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٤٥٦).
(٢) «مراتب الإجماع» ص (١٣١).
(٣) «شرح صحيح مسلم» (١١/ ٢٠١).
(٤) «المغني» (٩/ ٤٧).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
فصل في بيان مقدار الواجب من الحدود
وَحَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - هُوَ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّنْصِيفَ بِالرِّقِّ لَا حَقَّ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ - تَعَالَى - تَجِبُ جَزَاءً لِلْفِعْلِ، وَالْجَزَاءُ يَزْدَادُ بِزِيَادَةِ الْجِنَايَةِ وَيُنْتَقَصُ بِنُقْصَانِهَا، وَالْجِنَايَةُ تَتَكَامَلُ بِكَمَالِ حَالِ الْجَانِي وَتُنْتَقَصُ بِنُقْصَانِ حَالِهِ، فَأَمَّا حَقُّ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ يَجِبُ بِمُقَابَلَةِ الْمَحِلِّ وَلَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْجَانِي، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - خَالِصًا أَوْ الْمُغَلَّبُ فِيهِ حَقُّهُ فَنَقُولُ: لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَلَا يَصِحُّ الصُّلْحُ وَالِاعْتِيَاضُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِيَاضَ عَنْ حَقِّ الْغَيْرِ لَا يَصِحُّ وَلَا يَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ إنَّمَا يَجْرِي فِي الْمَتْرُوكِ مِنْ مِلْكٍ أَوْ حَقٍّ لِلْمُوَرَّثِ عَلَى مَا قَالَ « عليه الصلاة والسلام مَنْ تَرَكَ مَالًا أَوْ حَقًّا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ» وَلَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يُوَرَّثُ وَلَا يَجْرِي فِيهِ التَّدَاخُلُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي بَيَانِ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ مِنْ الْحُدُودِ
(فَصْلٌ) :
ارجع إلى تفسير الإحصان وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.