هل التغريب والنفي للرجل والمرأة؟ أم للرجل فقط؟

الإسلام > الجنايات والحدود > تفسير الإحصان وشروطه > هل التغريب والنفي للرجل والمرأة؟ أم للرجل فقط؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

هل التغريب والنفي للرجل والمرأة؟ أم للرجل فقط؟ - الأقوال والأدلة

هل التَّغريبُ والنَّفيُ للرَّجلِ والمرأةِ؟ أمْ للرَّجلِ فقطْ؟

اختَلفَ الفُقهاءُ القائِلونَ بالتَّغريبِ، هل هذا عامٌّ في الرَّجلِ والمَرأةِ؟ أم خاصٌّ بالرَّجلِ دونَ المَرأةِ؟

فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ التَّغريبَ خاصٌّ بالرَّجلِ دُونَ المَرأةِ، فلا تَغريبَ على المَرأةِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. ولم يَذكُرِ التَّغريبَ، ولأنَّ التغريبَ في الرَّجلِ عُقوبةٌ لهُ لِيُقطَعَ عن وَلدِه وأهلِه ومَعاشِه، وتَلحقُه الذلَّةُ بنَفيهِ إلى غيرِ بَلدِه، وليسَ فيه ما في المَرأةِ مِنْ الحاجةِ إلى المُراعاةِ والحِفظِ ومَنعِ السَّفرِ، والمَرأةُ تَحتاجُ في حِفظِها وصِيانتِها إلى أكثَرَ مِنْ حاجَةِ الرجلِ، ففي تَغريبِها تَعريضٌ للهَتكِ الذي هو ضِدُّ الصِّيانةِ ومُواقعةِ مثلِ ما غُرِّبتْ مِنْ أجْلِه، وذلكَ إغراءٌ لا رَدعٌ وزَجرٌ، فامتَنعَ لهذا التناقُضِ إيجابُ التَّغريبِ على المرأةِ.

وممَّا يَدلُّ أنه لا نفْيَ على النِّساءِ قَولُه : «لا تُسافِرُ امرأةٌ يَومًا ولَيلةً إلا معَ ذي مَحرَمٍ»، فإنْ أخرَجْتُم معَها ذا مَحرمٍ عاقَبْتُم مَنْ زَنا ومَن لم يَزْنِ، وهذا مُحالٌ، وإنْ قُلتُم: «إنها تُغرَّبُ وحْدَها» فقد خالَفْتُم الخبَرَ؛ لأنَّ النبيَّ نهَاها أنْ تُسافِرَ وحْدَها.

جاءَ في «المُدوَّنة الكُبرَى»: (قُلتُ): أرَأيتَ البِكرَينِ إذا زنَيَا هل يُنفَيانِ جَميعًا الجارِيةُ والفتَى في قَولِ مالكٍ؟ أم لا نفْيَ على النساءِ في قولِ مالِكٍ؟ وهل يُفرَّقُ بينَهُما في النفيِ يُنفَى هذا إلى مَوضعٍ وهذا إلى مَوضعٍ آخَرَ؟ وهل يُسجَنانِ في المَوضعِ الذي يُنفَيانِ إليه في قولِ مالكٍ أم لا؟ (قالَ): قاَل مالِكٌ: لا نفيَ على النِّساءِ ولا على العَبيدِ ولا تَغريبَ، (قلتُ): فهل

يُسجَنُ الفتَى في المَوضعِ الذي يُنفَى إليه في قولِ مالِكٍ؟ (قالَ): نعمْ يُسجَنُ، ولولا أنه يُسجَنُ لَذهَبَ في البلادِ، (قالَ): وقالَ مالكٌ: لا يُنفَى إلا زانٍ أو مُحارِبٌ، ويُسجَنانِ جَميعًا في المَوضعِ الذي يُنفَيانِ إليه، يُحبسُ الزاني سَنةً والمُحارِبُ حتى تُعرَف له تَوبةٌ (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا فرْقَ بينَ الذَّكرِ الحُرِّ والأنثَى في التَّغريبِ؛ لعُمومِ قولِ النبيِّ : «البِكرُ بالبِكرِ جَلدُ مِائةٍ وتَغريبُ عامٍ» (٢)، ولم يُفرِّقْ بينَ الرَّجلِ والمرأةِ، ولأنَّ ما كانَ حَدًّا للرَّجلِ كانَ حَدًّا للمَرأةِ كالجَلدِ والرَّجمِ.

ولا تُغرَّبُ المَرأةُ وحدَها في الأصَحِّ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ، بل مع ذِي مَحرمٍ؛ لخبَرِ: «لا يَحلُّ لامرأةٍ تُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ أنْ تُسافِرَ مَسيرةَ يومٍ إلا مع ذِي مَحرمٍ» (٣)، ولأنَّ الأصلَ تأديبُها، والزانيَةُ إذا خرَجَتْ وحْدَها هتَكَتْ جِلبابَ الحَياءِ، ولو لم يَخرُجِ الزوجُ أو المَحرمُ إلا بأُجرةٍ لَزمَها ذلكَ على الأصَحِّ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ إذا كانَ لها مالٌ، فإنِ امتَنعَ مِنْ الخُروجِ فلا يُجبَرُ؛ لأنَّ فيه تَغريبَ مَنْ لم يُذنِبْ، ولا يأثَمُ بامتِناعِه.

(١) «المدونة الكبرى» (١٦/ ٢٣٦، ٢٣٧)، و «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٤٧٢)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ١٩٤، ١٩٥) رقم (١٥٥٠)، و «الذخيرة» (١٢/ ٨٨)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٣٣٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣١٥)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٣٤٢).
(٢) رواه مسلم (١٦٩٠).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقدَّمَ.

والثاني: يُجبَرُ؛ للحاجةِ إليه في إقامةِ الواجبِ.

ومُقابلُ الأصَحِّ عندَ الشافِعيةِ وقَولٌ للحَنابلةِ: تُغرَّبُ وحْدَها؛ لأنه سفَرٌ واجِبٌ عليها، فأشبَهَ سَفرَ الهِجرةِ.

ومَحلُّ الخِلافِ عندَ الشافِعيةِ إذا كان الطريقُ آمنًا، وإلا فلا تُغرَّبُ وحْدَها جَزمًا (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويَخرجُ مع المَرأةِ مَحرمُها حتَّى يُسكنَها في مَوضعٍ، ثمَّ إنْ شاءَ رجَعَ إذا أَمِنَ عليها، وإنْ شاءَ أقامَ معَها حتَّى يَكملَ حَولُها، وإنْ أبَى الخُروجَ معَها بذَلَتْ له الأجرةَ، قالَ أصحابُنا: وتَبذلُ مِنْ مالِها؛ لأنَّ هذا مِنْ مُؤنةِ سفَرِها.

ويَحتملُ أنْ لا يَجبَ ذلكَ عليها؛ لأنَّ الواجِبَ عليها التَّغريبُ بنفسِها، فلمْ يَلزمْها زِيادةٌ عليهِ كالرَّجلِ، ولأنَّ هذا مِنْ مُؤنةِ إقامةِ الحَدِّ، فلمْ يَلزمْها كأُجرةِ الجلَّادِ، فعَلى هذا تُبذَلُ الأجرةُ مِنْ بيتِ المالِ، وعلى قولِ أصحابِنا: إنْ لم يكنْ لها مالٌ بُذلَتْ مِنْ بَيتِ المالِ، فإنْ أبَى مَحرمُها الخُروجَ معَها لم يُجبَرْ، وإنْ لم يَكنْ لها مَحرمٌ غُرِّبتْ مع نِساءٍ ثِقاتٍ.

والقَولُ في أجرةِ مَنْ يُسافِرُ معَها مِنهنَّ كالقَولِ في أجرةِ المَحرمِ، فإنْ أَعوزَ فقدْ قالَ أحمَدُ: تبقَى بغيرِ مَحرمٍ، وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنه لا سَبيلَ إلى تَأخيرِه، فأشبَهَ سفَرَ الهِجرةِ والحَجِّ إذا ماتَ مَحرمُها في الطريقِ، ويَحتملُ أنْ

(١) «البيان» (١٢/ ٣٥٥، ٣٥٦)، و «شرح صحيح مسلم» (١١/ ١٨٩)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٥١٥، ٥١٧)، و «مغني المحتاج» (٤٤٢، ٤٤٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
فصل في الشرائط التي ترجع إلى القاذف والمقذوف

فِي الزِّنَا، أَوْ مَعَهَا وَلَدٌ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَبٌ أَوْ لَاعَنَتْ بِوَلَدٍ؛ لِأَنَّ أَمَارَةَ الزِّنَا مَعَهَا ظَاهِرَةٌ فَلَمْ تَكُنْ عَفِيفَةً، فَإِنْ لَاعَنَتْ بِغَيْرِ الْوَلَدِ أَوْ مَعَ الْوَلَدِ لَكِنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ النَّسَبَ أَوْ قَطَعَ لَكِنَّ الزَّوْجَ عَادَ وَأَكْذَبَ نَفْسَهُ وَأُلْحِقَ النَّسَبُ بِالْأَبِ - حُدَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهَا عَلَامَةُ الزِّنَا - فَكَانَتْ عَفِيفَةً، وَالثَّانِي - أَنْ يَكُونَ الْمَقْذُوفُ مَعْلُومًا فَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا لَا يَجِبُ الْحَدُّ كَمَا إذَا قَالَ لِجَمَاعَةٍ: كُلُّكُمْ زَانٍ إلَّا وَاحِدًا، أَوْ قَالَ: لَيْسَ فِيكُمْ زَانٍ إلَّا وَاحِدٌ، أَوْ قَالَ لِرَجُلَيْنِ: أَحَدُكُمَا زَانٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْذُوفَ مَجْهُولٌ، وَلَوْ قَالَ لِرَجُلَيْنِ: أَحَدُكُمَا زَانٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَحَدُهُمَا هَذَا، فَقَالَ: لَا، لَا حَدَّ لِلْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْذِفْ بِصَرِيحِ الزِّنَا، وَلَا بِمَا هُوَ فِي مَعْنَى الصَّرِيحِ، وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: جَدُّكَ زَانٍ لَا حَدَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ اسْمَ الْجَدِّ يَنْطَلِقُ عَلَى الْأَسْفَلِ وَعَلَى الْأَعْلَى فَكَانَ الْمَقْذُوفُ مَجْهُولًا وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ أَخُوكَ زَانٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ، أَوْ أَخَوَانِ سِوَاهُ - لَا حَدَّ عَلَى الْقَاذِفِ؛ لِأَنَّ الْمَقْذُوفَ مَجْهُولٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا أَخٌ وَاحِدٌ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ إذَا حَضَرَ وَطَالَبَ؛ لِأَنَّ الْمَقْذُوفَ مَعْلُومٌ وَلَيْسَ لِهَذَا الْأَخِ وِلَايَةُ الْمُطَالَبَةِ؛ لِمَا نَذْكُرُ فِي مَوْضِعِهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 175 - 177

ارجع إلى تفسير الإحصان وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده