الإسلام > الجنايات والحدود > حكم إتلاف النفس وتقحم المهالك إظهارا للدين
مسائلُ فقهيةٌ في حكم إتلاف النفس وتقحم المهالك إظهارا للدين على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 20 دقيقة قراءةفصل في حُكمِ إتلافِ النَّفسِ وتَقحُّمِ المَهالِكِ إظهارًا للدِّينِ
١ - جَوازُ انغِماسِ الواحِدِ من المُسلِمينَ في العَددِ الكَثيرِ من العَدوِّ وإنْ تَيقَّنَ الهَلَكةَ:
ذهَبَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ إلى جَوازِ أنْ يَنغَمِسَ الواحِدُ من المُسلِمينَ في العَددِ الكَثيرِ من العَدوِّ وإنْ غلَبَ على ظَنِّه أنَّهم يَقتُلونَه إذا كانَ في ذلك مَصلَحةٌ للمُسلِمينَ.
لما رَوى البُخاريُّ ومُسلِمٌ عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ قالَ: «قالَ رَجلٌ للنَّبيِّ ﷺ يَومَ أُحدٍ: أرَأيتَ إنْ قُتِلتُ فأين أنا؟ قالَ: في الجَنةِ. فألقَى تَمَراتٍ في يَدِه ثم قَاتلَ حتى قُتلَ» (١).
قالَ الحافِظُ العِراقيُّ: وفيه -أي: هذا الحَديثِ- جَوازُ الانغِماسِ في الكُفارِ والتَّعرُّضِ للشَّهادةِ، وهو جائِزٌ لا كَراهةَ فيه عندَ جُمهورِ العُلماءِ (٢).
ورَوى الإمامُ البُخاريُّ عن أنَسٍ رضي الله عنه قالَ: «غابَ عمِّي أنَسُ بنُ
(١) رواه البخاري (٣٨٢٠)، ومسلم (١٨٩٩).
(٢) «طرح التثريب» (٧/ ١٩٦).
النَّضرِ عن قِتالِ بَدرٍ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، غِبتُ عن أوَّلِ قِتالٍ قاتَلَتَ المُشرِكينَ، لئِنِ اللهُ أشهَدَني قِتالَ المُشرِكينَ ليَريَنَّ اللهُ ما أصنَعُ. فلمَّا كانَ يَومُ أُحدٍ وانكَشفَ المُسلِمونَ قالَ: اللَّهمَّ إنِّي أعتَذِرُ إليك ممَّا صنَعَ هؤلاء -يَعني أصحابَه- وأبرَأُ إليك ممَّا صنَعَ هؤلاء -يَعني المُشرِكينَ- ثم تَقدَّمَ فاستقبَلَه سَعدُ بنُ مُعاذٍ فقالَ: يا سَعدُ بنَ مُعاذٍ الجَنةَ ورَبِّ النَّضرِ، إنِّي أجِدُ ريحَها من دونِ أُحدٍ، قالَ سَعدٌ: فما استَطَعتُ يا رَسولَ اللهِ ما صنَعَ، قالَ أنَسٌ: فوجَدْنا به بِضعًا وثَمانينَ ضَربةً بالسَّيفِ أو طَعنةً برُمحٍ أو رَميةً بسَهمٍ، ووجَدْناه قد قُتلَ وقد مثَّلَ به المُشرِكونَ، فما عرَفَه أحَدٌ إلا أُختُه ببَنانِه، قالَ أنَسٌ: كنا نُرَى أو نَظُنُّ أنَّ هذه الآيةَ نزَلَت فيه وفي أشباهِه ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ … ﴾ [لقمان: ٢٣] إلى آخِرِ الآيةِ» (١).
قالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه في مَعرِض بَيانِ الفَوائِدِ المُستنبَطةِ من غَزوةِ أُحُدٍ: ومنها جَوازُ الانغِماسِ في العَدوِّ كما انغَمسَ أنَسُ بنُ النَّضرِ وغيرُه (٢).
وعن أسلَمَ أبي عِمرانَ قالَ: «كُنا بمَدينةِ الرُّومِ فأخرَجُوا إلَينا صَفًّا عَظيمًا من الرُّومِ، فخرَجَ إليهم من المُسلِمينَ مِثلُهم أو أكثَرُ، وعلى أهلِ مِصرَ عُقبةُ بنُ عامِرٍ، وعلى الجَماعةِ فَضالةُ بنُ عُبيدٍ، فحمَلَ رَجلٌ من المُسلِمينَ على صَفِّ الرُّومِ، حتى دخَلَ فيهِم فَصاحَ الناسُ، وقالُوا: سُبحانَ اللهِ، يُلقي بيَديْه إلى التَّهلُكةِ، فقام أبو أيُّوبَ فقالَ: يا أيُّها الناسُ، إنَّكم
(١) رواه البخاري (٢٦٥١).
(٢) «زاد المعاد» (٣/ ٢١١).
تَتأوَّلون هذه الآيةَ هذا التَّأويلَ، وإنَّما أُنزِلت هذه الآيةُ فينا مَعشَرَ الأنصارِ لمَّا أعَزَّ اللهُ الإسلامَ وكثُرَ ناصِروه، فقالَ بَعضُنا لبَعضٍ سِرًّا دونَ رَسولِ اللهِ ﷺ: إنَّ أموالَنا قد ضاعَت وإنَّ اللهَ قد أعَزَّ الإسلامَ وكثُر ناصِروه، فلو أقَمنا في أموالِنا فأَصلَحنا ما ضاعَ منها، فأنزَلَ اللهُ على نَبيِّهِ ﷺ يَرُدُّ عَلَينا ما قُلنا ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] فكانَت التَّهلُكةُ الإقامةَ على الأموالِ وَإصلاحِها وتَرْكِنا الغَزوَ.
قالَ: فما زالَ أبو أيُّوبَ شاخِصًا في سَبيلِ اللهِ حتى دُفنَ بِأرضِ الرُّومِ» (١).
وعن أبي إسحاقَ قالَ: «قُلتُ للبَراءِ: أرأيتَ قَولَ اللهِ ﷿: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] هو الرَّجلُ يَحمِلُ على الكَتيبةِ فيها ألْفٌ؟ قالَ: لا، ولكنَّه الرَّجلُ يُذنِبُ فيُلقي بيَدِه فيَقولُ: لا تَوبةَ لي» (٢).
فهذه النُّصوصُ السابِقةُ كلُّها ظاهِرةٌ في جَوازِ حَملِ الواحِدِ من المُسلِمينَ على العَددِ الكَثيرِ من العَدوِّ، وهو ما قرَّرَه جَماهيرُ أهلِ العِلمِ، وإليكَ بعضَ نُصوصِهم:
جاءَ في «السِّيَرِ الكَبيرِ» لمُحمدِ بنِ الحَسنِ الشَّيبانِيِّ رحمة الله عليه: ولو أنَّ مُسلمًا حمَل على ألفِ رَجلٍ وَحدَه؛ فإنْ كانَ يَطمَعُ أنْ يَظفَرَ بهم أو يَنكَأَ فيهم فلا بأسَ بذلك؛ لأنَّه يَقصِدُ بفِعلِه النَّيلَ من العَدوِّ، وقد فعَلَ ذلك بين
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٥١٢)، والترمذي (٢٩٧٢)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٧١١)، والحاكم في «المستدرك» (٣٠٨٨).
(٢) رواه البيهقي (١٧٧٠٥)، وقال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (٨/ ١٨٥): أخرجه ابنُ جريرٍ، وابنُ المُنذِرِ، وغيرُهما عنه بإِسنادٍ صَحيحْ عن أبي إِسحاقَ.
يَديْ رَسولِ اللهِ ﷺ غيرُ واحِدٍ من الأصحابِ يَومَ أُحدٍ، ولمْ يُنكِرْ ذلك عليهم رَسولُ اللهِ ﷺ، وبشَّرَ بَعضَهم بالشَّهادةِ حينَ استأذَنه في ذلك، وإنْ كانَ لم يَطمَعْ في نِكايةٍ فإنَّه يُكرَهُ له هذا الصَّنيعُ؛ لأنَّه يُتلِفُ نَفسَه من غيرِ مَنفَعةٍ للمُسلِمينَ ومن غيرِ نِكايةٍ فيه للمُشرِكينَ، وفي الأمرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عن المُنكَرِ يَسَعُه الإقدامُ، وإنْ كانَ يَعلمُ أنَّ القَومَ يَقتُلونَه، وأنَّه لا يَتفرَّقُ جَمعُهم بسَبَبِه؛ لأنَّ القَومَ هناك مُسلِمونَ مُعتَقِدونَ لما يَأمرُهم به، فلا بدَّ من أنَّ فِعلَه يَنكَأُ في قُلوبِهم، وإنْ كانُوا لا يُظهِرون ذلك، وههنا القَومُ كُفارٌ لا يَعتقِدونَ حَقيقةَ الإسلامِ، وفِعلُه لا يَنكَأُ في باطِنِهم، فيُشترطُ النِّكايةُ ظاهِرًا لإباحةِ الإقدامِ، وإنْ كانَ لا يَطمَعُ في نِكايةٍ ولكنَّه يُجرِّئُ بذلك المُسلِمينَ عليهم حتى يَظهَرَ بفِعلِ النِّكايةِ في العَدوِّ، فلا بأسَ بذلك إنْ شاءَ اللهُ تَعالى؛ لأنَّه لو كانَ على طَمعٍ من النِّكايةِ بفِعلِه جازَ له الإقدامُ، فكذلك إذا كانَ يَطمَعُ في النِّكايةِ فيهم بفِعلِ غيرِه.
وكذلك إنْ كانَ في إرهابِ العَدوِّ وإدخالِ الوَهنِ عليهم بفِعلِه فلا بأسَ به؛ لأنَّ هذا أفضَلُ وُجوهِ النِّكايةِ وفيه مَنفَعةٌ للمُسلِمينَ، وكلُّ واحِدٍ يَبذُلُ نَفسَه لهذا النَّوعِ من المَنفَعةِ (١).
وقالَ الإمامُ أبو بَكرٍ الجَصاصُ رحمة الله عليه بعدَ أنْ ذكَرَ كَلامَ الإمامِ مُحمدِ ابنِ الحَسنِ هذا: والذي قالَه مُحمدٌ من هذه الوُجوهِ صَحيحٌ لا يَجوزُ غيرُه، وعلى هذه المَعانِي يُحمَلُ تَأويلُ مَنْ تأوَّل في حَديثِ أبي أيُّوبَ أنَّه ألقى بيَدِه
(١) «شرح السير الكبير» (٤/ ١٥١٢، ١٥١٣).
إلى التَّهلُكةِ بحَملِه على العَدوِّ؛ إذ لم يَكنْ عندَهم في ذلك مَنفَعةٌ، وإذا كانَ كذلك فلا يَنبَغي أنْ يُتلِفَ نَفسَه من غيرِ مَنفَعةٍ عائِدةٍ على الدِّينِ ولا على المُسلِمينَ، فأمَّا إذا كانَ في تَلَفِ نَفسِه مَنفَعةٌ عائِدةٌ على الدِّينِ فهذا مَقامٌ شَريفٌ مدَحَ اللهُ به أصحابَ النَّبيِّ ﷺ في قَولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: ١١١]، وقالَ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وقالَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] في نَظائِرِ ذلك من الآيِ التي مدَحَ اللهُ فيها مَنْ بذَلَ نَفسَه للهِ ﷾ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ العَربيِّ رحمة الله عليه: قالَ القاسِمُ بنُ مُخَيمِرةَ والقاسِمُ بنُ مُحمدٍ وعبدُ المَلكِ من عُلمائِنا: لا بأسَ أنْ يَحمِلَ الرَّجلُ وَحدَه على الجَيشِ العَظيمِ إذا كانَ فيه قُوةٌ وكانَ للهِ بنِيَّةٍ خالِصةٍ؛ فإنْ لم تَكنْ فيه قُوةٌ فذلك من التَّهلُكةِ.
وقيلَ: إذا طلَب الشَّهادةَ وخَلُصت النِّيةُ فليَحمِلْ؛ لأنَّ مَقصودَه واحِدٌ منهم، وذلك بيِّنٌ في قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧].
قالَ ابنُ العَربيِّ رحمة الله عليه: والصَّحيحُ عندي جَوازُه؛ لأنَّ فيه أربَعةَ أوْجُهٍ:
الأولُ: طَلبُ الشَّهادةِ.
(١) «أحكام القرآن» (١/ ٣٢٧، ٣٢٨).
الثانِي: وُجودُ النِّكايةِ.
الثالِثُ: تَجرِئةُ المُسلِمينَ عليهم.
الرابِعُ: ضَعفُ نُفوسِهم ليَرَوْا أنَّ هذا صُنعُ واحِدٍ فما ظَنُّكَ بالجَميعِ، والفَرضُ لقاءُ واحِدٍ اثنَينِ وغيرُ ذلك جائِزٌ (١).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: اختَلفَ العُلماءُ في اقتِحامِ الرَّجلِ في الحَربِ وحَملِه على العَدوِّ وَحدَه … ثم قالَ: وقالَ ابنُ خُوَيزَ مَندادَ: فأمَّا أنْ يَحمِلَ الرَّجلُ على مِئةٍ أو على جُملةِ العَسكرِ أو جَماعةِ اللُّصوصِ والمُحارِبين والخَوارِجِ فلذلك حالَتانِ: إنْ علِمَ وغلَبَ على ظَنِّه أنْ سيُقتَلُ مَنْ حمَلَ عليه ويَنجو فحَسنٌ، وكذلك لو علِمَ وغلَبَ على ظَنِّه أنَّه يُقتَلُ ولكنْ سيَنكَأُ نِكايةً أو سَيُبلي أو يُؤثِّرُ أثَرًا يَنتفِعُ به المُسلِمونَ فجائِزٌ أيضًا، وقد بَلغَني أنَّ عَسكرَ المُسلِمينَ لمَّا لقِيَ الفُرسَ نَفَرت خَيلُ المُسلِمينَ من الفيلةِ فعمَدَ رَجلٌ منهم فصنَعَ فيلًا من طِينٍ وأنِسَ به فَرَسُه حتى ألِفَه، فلمَّا أصبَحَ لم يَنفِرْ فَرَسُه من الفيلِ، فحمَلَ على الفيلِ الذي كانَ يَقدُمُها، فقيل له: إنَّه قاتِلُك، فقالَ: لا ضَيرَ أنْ أُقتَلَ ويُفتحَ للمُسلِمينَ، وكذلك ما حدَثَ يَومَ اليَمامةِ لمَّا تَحصَّنت بَنو حَنيفةَ بالحَديقةِ، قالَ رَجلٌ من المُسلِمينَ: ضَعونِي في الجُحفةِ وألقُونِي إليهم، ففَعلوا وقاتَلَهم وَحدَه وفتَحَ البابَ، قُلتُ: ومِن هذا ما رُوي أنَّ رَجلًا قالَ للنَّبيِّ ﷺ: «أرأيتَ إنْ قُتِلتُ في سَبيلِ اللهِ صابِرًا مُحتسِبًا؟ قالَ: فلك الجَنةُ، فانغَمسَ في العَدوِّ حتى قُتلَ»
(١) «أحكام القرآن» (١/ ١٦٦).
وفي صَحيحِ مُسلمٍ عن أنسِ بنِ مالِكٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أُفرِد يومَ أُحدٍ في سَبعةٍ من الأنصارِ ورَجلَينِ من قُريشٍ فلمَّا رَهِقوه قالَ: «مَنْ يَرُدُّهم عنَّا وله الجَنةُ» أو «هو رَفيقي في الجَنةِ» فتَقدَّمَ رَجلٌ من الأنصارِ فقاتَلَ حتى قُتلَ ثم رَهِقوه أيضًا، فقالَ: «مَنْ يَرُدُّهم عنَّا وله الجَنةُ» أو «هو رَفيقي في الجَنةِ» فتَقدَّمَ رَجلٌ من الأنصارِ فقاتَلَ حتى قُتلَ، فلم يَزلْ كذلك حتى قُتلَ السَّبعةُ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ: «ما أنصَفْنا أصحابَنا» هكذا الرِّوايةُ «أنصَفْنا» بسُكونِ الفاءِ «أصحابَنا» بفَتحِ الباءِ، أي: لمْ نَدلَّهم للقِتالِ حتى قُتِلوا، ورُوي بفَتحِ الفاءِ ورَفعِ الباءِ ووَجهُها أنَّها تَرجعُ لمَن فرَّ عنه من أصحابِه، واللهُ ﷾ أعلَمُ.
وقالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ رحمة الله عليه: لو حمَلَ رَجلٌ واحِدٌ على ألْفِ رَجلٍ من المُشرِكينَ وهو وَحدَه لم يَكنْ بذلك بأسٌ إذا كانَ يَطمَعُ في نَجاةٍ أو نِكايةٍ في العَدوِّ؛ فإنْ لم يَكنْ كذلك فهو مَكروهٌ؛ لأنَّه عرَّضَ نَفسَه للتَّلفِ في غيرِ مَنفَعةٍ للمُسلِمينَ؛ فإنْ كانَ قَصدُه تَجرِئةَ المُسلِمينَ عليهم حتى يَصنَعوا مِثلَ صَنيعِه فلا يَبعدُ جَوازُه، ولأنَّ فيه مَنفَعةً للمُسلِمينَ على بعضِ الوُجوهِ، وإنْ كانَ قَصدُه إرهابَ العَدوِّ وليُعلَمَ صَلابةُ المُسلِمينَ في الدِّينِ فلا يَبعدُ جَوازُه، وإذا كانَ فيه نَفعٌ للمُسلِمينَ فتَلِفت نَفسُه لإعزازِ دِينِ اللهِ وتَوهينِ الكُفرِ فهو المَقامُ الشَّريفُ الذي مدَحَ اللهُ به المُؤمِنينَ في قَولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] الآيةَ، إلى غيرِها من آياتِ المَدحِ التي مدَحَ اللهُ ﷾ بها مَنْ بذَلَ نَفسَه، وعلى ذلك يَنبَغي أنْ يَكونَ حُكمُ الأمرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عن
المُنكرِ؛ أنَّه متى رَجا نَفعًا في الدِّينِ فبذَلَ نَفسَه فيه حتى قُتلَ كانَ في أعلى دَرَجاتِ الشُّهداءِ (١).
وقالَ ابنُ أبي زَمنينَ: قالَ ابنُ حَبيبٍ: ولا بأسَ أنْ يَحمِلَ الرَّجلُ وَحدَه على الكَتيبةِ وعلى الجَيشِ إذا كانَ ذلك مِنه للهِ ﷾، وكانَت فيه شَجاعةٌ وجلَدٌ وقُوةٌ على ذلك، وذلك حَسنٌ جَميلٌ لم يَكرَهْه أحَدٌ من أهلِ العِلمِ، وليسَ ذلك من التَّهلُكةِ، وإذا كانَ ذلك منه للفَخرِ والذِّكرِ فلا يَفعَلْ، وإنْ كانَت به عليه قُوةٌ، وإذا لم يَكنْ به عليه قُوةٌ فلا يَفعَلْ، وإنْ أرادَ اللهَ ﷾ به؛ لأنَّه حينَئذٍ يُلقي بيَدِه إلى التَّهلُكةِ (٢).
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: لا أَرى ضِيقًا على الرَّجلِ أنْ يَحمِلَ على الجَماعةِ حاسِرًا أو يُبادِرَ الرَّجلُ وإنْ كانَ الأغلَبَ أنَّه مَقتولٌ؛ لأنَّه قد بُودِرَ بينَ يَدَيْ رَسولِ اللهِ ﷺ وحمَلَ رَجلٌ من الأنصارِ حاسِرًا على جَماعةٍ من المُشرِكينَ يَومَ بَدرٍ بعدَ إعلامِ النَّبيِّ ﷺ بما في ذلك من الخَيرِ فقُتِلَ (٣).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: جوَّزَ الأئِمةُ الأربَعةُ أنْ يَنغمِسَ المُسلِمُ في صَفِّ الكُفارِ، وإنْ غلَبَ على ظَنِّه أنَّهم يَقتُلونه إذا كانَ في ذلك مَصلَحةٌ للمُسلِمينَ (٤).
(١) «تفسير القرطبي» (٣/ ٣٦٣، ٣٦٥).
(٢) «قدوة الغازي» ص (١٩٨).
(٣) «الأم» (٤/ ١٦٩).
(٤) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٥٤٠).
ارجع إلى الجنايات والحدود للاطلاع على جميع الأبواب.