جواز تقحم المهالك في الجهاد

الإسلام > الجنايات والحدود > حكم إتلاف النفس وتقحم المهالك إظهارا للدين > جواز تقحم المهالك في الجهاد

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 8 دقيقة قراءة

جواز تقحم المهالك في الجهاد - الأقوال والأدلة

وقالَ أيضًا: والرَّجلُ يَنهَزِمُ أصحابُه، فيُقاتِلُ وَحدَه أو هو وطائِفةٌ معه العَدوَّ، وفي ذلك نِكايةٌ في العَدوِّ، ولكنْ يَظنُّون أنَّهم يُقتَلون، فهذا كلُّه جائِزٌ عندَ عامةِ عُلماِء الإسلامِ من أهلِ المَذاهبِ الأربَعةِ وغيرِهم، وليسَ في ذلك إلا خلافٌ شاذٌّ.

وقالَ: وأمَّا الأئِمةُ المُتبَعونَ كالشافِعيِّ وأحمدَ وغيرِهما فقد نَصُّوا على جَوازِ ذلك، وكذلك هو مَذهبُ أبي حَنيفةَ ومالِكٍ وغيرِهما (١).

٢ - جَوازُ تَقحُّمِ المَهالكِ في الجِهادِ:

بوَّبَ الإمامُ البُخاريُّ في «صَحيحِه» بابًا بعُنوانِ: (بَابُ من اختارَ الضَّربَ والقَتلَ والهَوانَ على الكُفرِ).

ثم رَوى عن أنَسٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ : «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وجَدَ حَلاوةَ الإيمانِ: أنْ يَكونَ اللهُ ورَسولُه أحَبَّ إليه ممَّا سِواهما، وأنْ يُحِبَّ المَرءَ لا يُحِبُّه إلا للهِ، وأنْ يَكرَهَ أنْ يَعودَ في الكُفرِ كما يَكرَه أنْ يُقذَفَ في النارِ» (٢).

قالَ الإمامُ ابنُ بَطالٍ رحمة الله عليه: حَديثُ أنَسٍ سَوَّى فيه النَّبيُّ بينَ كَراهيةِ المُؤمِنِ الكُفرَ وكَراهيَتِه دُخولَ النارِ، وإذا كانَ هذا حَقيقةَ الإيمانِ، فلا مُخالَفةَ في أنَّ الضَّربَ والهَوانَ والقَتلَ عندَ المُؤمِنِ أسهَلُ من دُخولِ النارِ، فيَنبَغي أنْ يَكونَ ذلك أسهَلَ من الكُفرِ إنِ اختارَ الأخْذَ بالشِّدةِ على نَفسِه.

(١) «الانغماس في العدو» ص (١٤، ١٧).
(٢) البخاري (٦٥٤٢).

قالَ المُهلَّبُ رحمة الله عليه: وقد اعتَرض هذا قَومٌ بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] ولا حُجةَ لهم في الآيةِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ [النساء: ٣٠] والعُدوانُ والظُّلمُ مُحرَّمانِ، وليسَ مَنْ أهلَكَ نَفسَه في طاعةِ اللهِ بعادٍ ولا ظالِمٍ، ولو كانَ كما قالُوا لما جازَ لأحدٍ أنْ يَقتحِمَ المَهالِكَ في الجِهادِ، وقد افتُرِضَ على كلِّ مُسلمٍ مُقارَعةُ رَجلَينِ من الكُفارِ ومُبارَزتُهما، وهذا من أبيَنِ المُهلِكاتِ والغَرَرِ، ومَن فَرَّ من اثنَينِ فقد أكبَرَ المَعصيةَ وتَعرَّضَ لغَضبِ اللهِ (١).

وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه في شَرحِه لهذا الحَديثِ: وقد أجمَعوا على جَوازِ تَقحُّمِ المَهالِكِ في الجِهادِ (٢).

وعن عاصِمِ بنِ عُمرَ بنِ قَتادةَ قالَ: «لمَّا التَقى الناسُ يَومَ بَدرٍ قالَ عَوفُ بنُ عَفراءَ بنِ الحارِثِ رضي الله عنه: يا رَسولَ اللهِ ما يُضحِكُ الرَّبَّ تبارك وتعالى من عبدِه؟ قالَ: أنْ يَراه قد غمَسَ يَدَه في القِتالِ يُقاتِلُ حاسِرًا، فنزَعَ عَوفٌ دِرعَه ثم تَقدَّمَ فقاتَلَ حتى قُتلَ» (٣).

(١) «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٢٩٦).
(٢) «فتح الباري» (١٢/ ٣١٦).
(٣) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٩٤٩٩)، والطبري في «تاريخه» (٢/ ٣٣)، والبيهقي في «الكبرى» (١٧٩٧٤) باب: جَوازُ انْفرادِ الرَّجلِ والرِّجالِ بالغَزوِ في بلادِ العَدوِّ استدلالًا بجَوازِ التَّقدُّمِ على الجماعةِ؛ وإن كانَ الأَغلبُ أنَّها ستَقتُلُه.

فهذا دَليلٌ واضِحٌ على غَلبةِ الظَّنِّ بالهَلاكِ؛ فإنَّ الرَّسولَ أرشَد عَوفَ بنَ عَفراءَ إلى أنَّ الذي يُضحِكُ الرَّبَّ هو أنْ يَغمِسَ يَدَه في العَدوِّ حاسِرًا، أي: بلا دِرعٍ ولا شَيءٍ يَقيه ضَربةَ الأعداءِ، فنزَعَ عَوفٌ دِرعًا كانَت عليه وقاتَلَ حتى قُتِلَ، ولا شَكَّ أنَّه يَغلِبُ على الظَّنِّ قَطعًا أنَّ الرَّجلَ إذا أرادَ أنْ يُقاتِلَ جَمعًا كَثيرًا من الأعداءِ بغيرِ دِرعٍ لا شَكَّ أنَّ الجَزمَ بهَلاكِه مُحقَّقٌ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ، ولكنَّ الحُكمَ في هذه المَسألةِ على غَلبةِ الظَّنِّ.

وعن مُحمدِ بنِ سِيرينَ رحمة الله عليه: أنَّ المُسلِمينَ انتَهَوْا إلى حائِطٍ قد أُغلِقَ بابُه فيه رِجالٌ من المُشرِكينَ، فجلَسَ البَراءُ بنُ مَالِكٍ رضي الله عنه على تُرسٍ فقالَ: ارفَعوني برِماحِكم فألقُونِي إليهم. فرَفَعوه برِماحِهم فألقَوْه من وَراءِ الحائِطِ، فأدرَكوه قد قتَلَ منهم عَشرةً (١).

ففي قِصةِ إلقاءِ البَراءِ بنِ مالِكٍ من فَوقِ الحِصنِ دَليلٌ على عَدمِ اعتِراضِ الصَّحابةِ على هذا النَّوعِ من العَمليَّاتِ؛ فإنَّ البَراءَ حُملَ في التُّرسِ وأُلقيَ من فَوقِ الحِصنِ على العَدوِّ، ومَعلومٌ أنَّ الإلقاءَ وَحدَه من فَوقِ الحِصنِ رُبَّما يُسبِّبُ الهَلاكَ، فكيف إذا كانَ في الحِصنِ جُملةٌ من الجُندِ وقد تأهَّبوا وتَسلَّحوا؟ وفِعلُ البَراءِ هذا لا يُساوِرُ مَنْ سمَّعَ به الشَّكُّ أنَّ فاعِلَه سيَهلِكُ إمَّا من إلقائِه أو من الجُندِ الذين تَأهَّبوا له، ورَغمَ ذلك لم يعتَرِضْ أميرُ الجَيشِ ولا أحَدٌ من الصَّحابةِ على ذلك رَغمَ غَلبةِ الظَّنِّ بهَلاكِه.

(١) رواه البيهقي في «الكبرى» (١٧٧٠٠) باب: من تبَرعَ بالتَّعرضِّ للقَتلِ رجاءَ إِحدى الحُسْنَيينِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 231 - 233

ارجع إلى حكم إتلاف النفس وتقحم المهالك إظهارا للدين للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل