إذا أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه لم يثبت له حكم الإسلام

الإسلام > الجنايات والحدود > حكم قتل المرتد > إذا أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه لم يثبت له حكم الإسلام

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

إذا أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه لم يثبت له حكم الإسلام - الأقوال والأدلة

المُسلمينَ ولم يَصيرُوا بذلكَ مُسلمينَ، وأما الصِّيامُ فلكُلِّ أهلِ دِينٍ صِيامٌ، ولأنَّ الصِّيامَ ليسَ بفِعلٍ، إنما هو إمساكٌ عن أفعالٍ مَخصوصةٍ في وَقتٍ مَخصوصٍ، وقد يَتفِقُ هذا مِنْ الكافِرِ كاتفاقِه مِنْ المُسلمِ، ولا عِبرةَ بنيَّةِ الصيامِ؛ لأنها أمرٌ باطِنٌ لا عِلمَ لنا به، بخلافِ الصَّلاةِ؛ فإنها أفعالٌ تَتميزُ عن أفعالِ الكفَّارِ ويَختصُّ بها أهلُ الإسلامِ، ولا يَثبتُ الإسلامُ حتى يأتِيَ بصَلاةٍ يَتميزُ بها عن صَلاةِ الكفارِ مِنْ استِقبالِ قِبلتنِا والرُّكوعِ والسُّجودِ، ولا يَحصلُ بمُجرَّدِ القيامِ؛ لأنهُم يَقومونَ في صَلاتِهم.

ولا فرْقَ بينَ الأصليِّ والمُرتدِّ في هذا؛ لأنَّ ما حصَلَ به الإسلامُ في الأصليِّ حصَلَ به في حَقِّ المُرتدِّ كالشهادتَينِ، فعَلى هذا لو ماتَ المُرتدُّ فأقامَ وَرثتُه بيِّنةً أنه صلَّى بعدَ رِدتِه حُكمَ لهُم بالمِيراثِ، إلا أنْ يَثبتَ أنه ارتَدَّ بعدَ صَلاتِه أو تَكونَ رِدتُه بجَحدِ فَريضةٍ أو كِتابٍ أو نَبيٍّ أو مَلكٍ أو نحوِ ذلكَ مِنْ البِدعِ التي يَنتسبُ أهلُها إلى الإسلامِ؛ فإنه لا يُحكَمُ بإسلامِه بصَلاتِه؛ لأنه يَعتقدُ وُجوبَ الصَّلاةِ ويَفعلُها مع كُفرِه، فأشبَهَ فِعلَه غيرَها، واللهُ أعلَمُ (١).

إذا أُكرهَ على الإسلامِ مَنْ لا يَجوزُ إكراهُه لم يَثبتْ له حُكمُ الإسلامِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن أُكرِهَ على الإسلامِ وهو لا يَجوزُ إكراهُه عليهِ كالذِّميِّ والمُستأمنِ، هل يَصحُّ إسلامُه؟ وإذا ارتَدَّ بعدَ ذلكَ هل يُقتلُ أم لا؟

فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه إذا أُكرهَ على الإسلامِ مَنْ لا يَجوزُ إكراهُه كالذِّميِّ والمُستأمنِ فأسلَمَ لم يَثبتْ له حُكمُ الإسلامِ حتى يُوجَدَ منه

(١) «المغني» (٩/ ٢٨، ٣٠)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٩٧).

ما يَدلُّ على إسلامِه طَوعًا، مثلَ أنْ يَثبتَ على الإسلامِ بعدَ زَوالِ الإكراهِ عنه، فإنْ ماتَ قبلَ ذلكَ فحُكمُه حُكمُ الكفَّارِ، وإنْ رجَعَ إلى دِينِ الكفرِ لم يَجُزْ قتلُه ولا إكراهُه على الإسلامِ؛ لأنه أُكرِهَ على ما لا يَجوزُ إكراهُه عليه، فلم يَثبتْ حُكمُه في حقِّه كالمُسلمِ إذا أُكرهَ على الكُفرِ.

والدَّليلُ على تَحريمِ الإكراهِ قَولُه تعالَى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الذِّميَّ إذا أقامَ على ما عُوهِدَ عليه والمُستأمنَ لا يَجوزُ نقضُ عَهدِه ولا إكراهُه على ما لم يَلتزمْه، ولأنه أُكرِهَ على ما لا يَجوزُ إكراهُه عليه، فلمْ يَثبتْ حُكمُه في حقِّه كالإقرارِ والعِتقِ.

وفارَقَ الحَربيَّ والمُرتدَّ؛ فإنه يَجوزُ قتلُهما وإكراهُهُما على الإسلامِ بأنْ يَقولَ: «إنْ أسلَمْتَ وإلا قَتلْناكَ»، فمَتى أسلَمَ حُكمَ بإسلامِه ظاهِرًا، وإنْ ماتَ قبلَ زَوالِ الإكراهِ عنهُ فحُكمُه حُكمُ المُسلمينَ؛ لأنه أُكرِهَ بحَقٍّ فحُكِمَ بصِحةِ ما يَأتي به، كما لو أُكرِهَ المُسلمُ على الصَّلاةِ فصَلَّى، وأما في الباطِنِ فيما بينَهُم وبينَ ربِّهم فإنَّ مَنْ اعتَقدَ الإسلامَ بقَلبِه وأسلَمَ فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالَى فهو مُسلمٌ عندَ اللهِ مَوعودٌ بما وعَدَ به مَنْ أسلَمَ طائِعًا، وإنْ لم يَعتقِدِ الإسلامَ بقَلبِه فهو باقٍ على كُفرِه لا حَظَّ له في الإسلامِ، سَواءٌ في هذا مَنْ يَجوزُ إكراهُه ومَن لا يَجوزُ إكراهُه؛ فإنَّ الإسلامَ لا يَحصلُ بدُونِ اعتِقادِه مِنْ العاقلِ؛ بدَليلِ أنَّ المُنافقِينَ كانوا يُظهِرونَ الإسلامَ ويَقومونَ بفَرائضِه ولم يَكونُوا مُسلمينَ (١).

(١) «البيان» (١٢/ ٥١)، و «المغني» (٩/ ٢٩، ٣٠).

وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الذِّميَّ إذا أُكرِهَ على الإسلامِ صَحَّ إسلامُه، كما لو قُوتِلَ الحَربيُّ على الإسلامِ فأسلَمَ فإنه يَصحُّ بالإجماعِ؛ قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣] سمَّى المُكرَهَ على الإسلامِ مُسلِمًا، فإنْ رجَعَ الذِّميُّ لا يُقتلُ، لكنَّه يُحبسُ حتى يُسلمَ؛ لأنه وقَعَ الشكُّ في اعتِقادِه، فاحتُملَ أنه صَحيحٌ فيُقتلُ بالرِّدةِ، ويُحتملَ أنه غيرُ مُعتقِدٍ فيكونُ ذِميًّا فلا يُقتلُ، إلا أنَّا رجَّحْنا جانِبَ الوُجودِ حالةَ الإسلامِ تَصحيحًا لإسلامِه؛ لتَرجيحِ الإسلامِ على الكُفرِ (١).

وأمَّا المالِكيةُ فلمْ أقِفْ لهم على قَولٍ في هذا، إلا أنهُم قالوا: مَنْ أسلَمَ مِنْ الكفَّارِ ثم ارتَدَّ وقالَ: «إنما كانَ إسلامِي لأجْلِ عُذرٍ حصَلَ لي وضِيقٍ ضُيِّقَ عليَّ» وظهَرَ عُذرُه بقَرينةٍ فإنه يُقبَلُ منه إذا ظهَرَ أنه ضُيِّقَ عليه بخَوفٍ أو حَبسٍ أو شُبهةٍ، وقُيِّدَ بما إذا لم يُقِمْ على الإسلامِ بعدَ ذهابِ الخَوفِ عنه، وأما إنْ لم يَظهرْ عُذرُه فهو مُرتدٌّ، كما إذا تَوضَّأَ وصلَّى إمامًا بمَن صَحِبَه مِنْ المُسلمينَ، فلما أَمِنَ أظهَرَ الكُفرَ وقالَ: «إنما فَعلْتُ ذلكَ لأحَصِّنَ نفسِي ومالِي بالإسلامِ»، فإنه يُقبلُ منه ذلكَ إذا أشبَهَ ما قالَه، ومَن صَلَّى خلْفَه يُعيدُ ما صَلَّى أبدًا.

وأدِّبَ مَنْ نطَقَ بالشهادتَينِ ولم يَقِفْ على الدَّعائِمِ، أي: لم يَلتزِمْ أركانَ الإسلامِ، فإذا رجَعَ لا يَكونُ حُكمُه حُكمَ المُرتدِّ، لكنَّ هذا في غيرِ مَنْ بينَ أظهُرِنا ويَعلمُ أنَّ علينا صَلاةً وصَومًا … إلخ، وإلا فهو مُرتدٌّ.

(١) «الاختيار» (٢/ ١٢٩)، و (٤/ ١٨٥).

وأدِّبَ ساحِرٌ ذمِّيٌّ سحَرَ مُسلمًا إنْ لم يُدخِلْ بسِحرِه ضَررًا على مُسلمٍ، فإنْ أدخَلَ على مُسلمٍ أيَّ ضَررٍ كانَ ناقضًا للعَهدِ، يَفعلُ فيه الإمامُ القَتلَ أو الاستِرقاقَ ما لم يُسلمْ، فإنْ أدخَلَ ضَررًا على أهلِ الكُفرِ أدِّبَ ما لم يَقتلْ منهُم أحدًا، وإلا قُتلَ.

وشدِّدَ بالضَّربِ والسِّجنِ على مَنْ سَبَّ مَنْ لم يُجمَعْ على نُبوَّتِه كالخَضِرِ ولُقمانَ، وكذلك مَريمُ بغيرِ الزنا، أو سَبَّ صَحابيًّا، شَملَ عائِشةَ بغيرِ الزنا، فإنَّ سبَّها بما برَّأَها اللهُ به منه وهو الزنا فيُقتلُ؛ لردَّتِه لتَكذيبِه للقُرآنِ، أو سَبَّ أحَدًا مِنْ ذُرِّيتِه ، فإنه يُشدَّدُ عليه في التأديبِ بالضربِ والسِّجنِ … إلخ إنْ عَلِمَ أنه مِنْ آلهِ عليه أفضَلُ الصلاةِ والسلامِ، لا إنْ سبَّ مَنْ لم يَعلمْ أنه مِنْ آلِه كأنِ انتَسبَ له بغيرِ حقٍّ بأنْ لم يَكنْ مِنْ ذُرِّيتِه وادَّعى صَراحةً أو احتِمالًا أنه مِنْ ذُرِّيتِه (١).

(١) «التاج والإكليل» (٥/ ٣١٢، ٣١٣)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ٦٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الصاوي» (٦/ ٢٩٠)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٣٢٠، ٣٢١)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (١٠/ ٢٣٩، ٣٤١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
١٥٥٥ - مسألة؛ قال: (والزانى من أتى الفاحشة من قبل أو دبر)

نَقَصَ منها، فبِحِسابِ ذلك، فإن كان فيها كَسْرٌ، مثل أن يكونَ ثلثُه حُرًّا، فمُقْتضَى ما ذكَرْنَاه أنْ يلْزَمَه ثُلُثا جَلْدِ الحُرِّ. وهو ستٌّ وستُّون جلدةً وثُلُثان، فيَنْبغِى أن يسْقُطَ الكسرُ؛ لأنَّ الحدَّ متى دارَ بينَ الوُجوبِ والإِسْقاطِ، سَقَطَ. والمُدَبَّرُ والمُكاتَب وأمُّ الولدِ، بِمَنْزِلَةِ القِنِّ في الحَدِّ؛ لأنَّه رقِيقٌ كلُّه، وقد رُوِىَ عن النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: "المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِىَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ" .

١٥٥٥ - مسألة؛ قال: (وَالزَّانِى مَنْ أَتَى الْفَاحِشَةَ مِنْ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ)

لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ، في أنَّ مَنْ وَطِئَ امرأةً في قُبُلِهَا حَرَامًا لا شُبْهَةَ له في وَطْئِها، أنَّه زَانٍ يَجِبُ عليه حَدُّ الزِّنَى، إذا كَمَلَتْ شُرُوطُه. والوطءُ في الدُّبُرِ مثلُه في كَوْنِه زِنًى؛ لأنَّه وَطْءٌ في فَرْجِ امرأةٍ، لا مِلْكَ له فيها، ولا شُبْهَةَ مِلْكٍ، فكان زِنًى، كالوطءِ في القُبُلِ؛ ولأنَّ اللَّه تعالى قال: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ} . الآية. ثم بَيَّنَ النَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قد جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا: "البِكْرُ بِالْبِكْرِ، جَلْدُ مِائةٍ وتَغْرِيبُ عَامٍ" . وَالْوَطءُ في الدُّبُرِ فَاحِشَةٌ، بقوله تعالى في قومِ لُوطٍ: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} . يعني الوَطْءَ في أدْبارِ الرِّجَالِ، ويُقالُ: أوَّلُ ما بدأَ قومُ لُوطٍ بَوطْءِ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ، ثم صارُوا إلى ذلك في الرِّجالِ.

فصل: وإن وَطِئَ مَيِّتَةً، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، عليه الحَدُّ. وهو قولُ الأوْزَاعيِّ؛ لأنَّه وَطِئَ في فَرْجِ آدَمِيَّةٍ، فَأَشْبَهَ وَطْءَ الحَيَّةِ، ولأنَّه أعْظَمُ ذَنْبًا، وأكثرُ إثمًا؛ لأنَّه انْضَمَّ ألى فاحِشَتِه هَتْكُ حُرْمَةِ المَيِّتَةِ. والثانى، لا حَدَّ عليه. وهو قولُ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 75 - 78

ارجع إلى حكم قتل المرتد للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله