الإسلام > الجنايات والحدود > حكم قتل المرتد > حكم فك السحر وإتيان الساحر لفك السحر
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 19 دقيقة قراءةحُكمُ فَكِّ السِّحرِ وإتيانِ الساحِرِ لفكِّ السِّحرِ:
فكُّ السِّحرِ يَحصلُ بأمرينِ: أحَدُهما مُتفَقٌ عليه، والآخَرُ مُختلَفٌ فيهِ.
الأمرُ الأولُ: فَكُّ السِّحرِ بالقُرآنِ والأدعِيةِ، فهذا لا خِلافَ بينَ العُلماءِ في جَوازِه.
الأمرُ الثاني: فَكُّ السِّحرِ بالسِّحرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ فَكِّ السحرِ بالسحرِ، هل هو جائزٌ أم لا؟
فالصَّحيحُ عندَ الحَنابلةِ في المَذهبِ وغيرِهم أنه يَجوزُ فكُّ السحرِ بالسحرِ.
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وأما مَنْ يَحُلُّ السحرَ فإنْ كانَ بشيءٍ مِنْ القُرآنِ أو شَيءٍ مِنْ الذِّكرِ والأقسامِ والكَلامِ الذي لا بأسَ به فلا بأسَ به، وإنْ كانَ بشيءٍ مِنْ السِّحرِ فقدْ توقَّفَ أحمدُ عنه، قالَ الأثرمُ: سَمعتُ أبا عبدِ اللهِ سُئلَ عن رَجلٍ يَزعمُ أنه يَحُلُّ السحرَ، فقالَ: قد رخَّصَ فيه بَعضُ الناسِ، قيلَ لأبي عَبدِ اللهِ: إنه يَجعلُ في الطِّنجيرِ ماءً ويغيبُ فيه ويَعملُ كذا، فنفَضَ يَدَه كالمُنكِرِ وقالَ: ما أدري ما هذا، قيلَ له: فتَرَى أنْ يُؤتَى مثلُ هذا يَحُلُّ السحرَ؟ فقالَ: ما أدرِي ما هذا.
ورُويَ عن مُحمدِ بنِ سِيرينَ أنه سُئلَ عن امرأةٍ يُعذِّبُها السحَرةُ فقالَ رَجلٌ: أخُطُّ خَطًّا عليها وأغرزُ السكينَ عندَ مَجمعِ الخَطِّ وأقرأُ القُرآنَ، فقالَ مُحمدٌ: ما أعلَمُ بقراءةِ القُرآنِ بأسًا على حالٍ، ولا أدرِي ما الخَطُّ والسكِّينُ.
ورُويَ عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ في الرِّجلِ يُؤخذُ عن امرأتِه فيَلتمسُ مَنْ يُداويهِ فقالَ: إنما نهَى اللهُ عما يَضرُّ ولم يَنْهَ عمَّا يَنفعُ، وقالَ أيضًا: إنِ استَطعْتَ أنْ تَنفعَ أخاكَ فافعَلْ.
فهذا مِنْ قَولِهم يَدلُّ على أنَّ المُعزِّمَ ونحوَه لم يَدخُلوا في حُكمِ السَّحرةِ، ولأنهم لا يُسمَّونَ به، وهو ممَّا يَنفعُ ولا يَضرُّ (١).
قالَ البُهوتِيُّ رحمة الله عليه: وإنْ كانَ حَلُّ السِّحرَ بشيءٍ مِنْ السحرِ فقدْ تَوقفَ فيه أحمَدُ، قالَ في «المُغني»: تَوقفَ أحمدُ في الحَلِّ، وهو إلى الجَوازِ أميَلُ.
وسَألَه مُهنَّا عمَّن تَأتيهِ مَسحورةٌ فيُطلِقَه عنها، قالَ: لا بأسَ.
قالَ الخلَّالُ: إنما كَرِهَ فِعالَه ولا يَرَى به بأسًا كما بَيَّنَه مُهنَّا، وهذا مِنْ الضَّرورةِ التي تُبيحَ فِعلَها، والمَذهبُ جَوازُه ضَرورةً (٢).
وقالَ الرحيبانِيُّ رحمة الله عليه: (ويَجوزُ الحَلُّ) أي: حَلُّ السحرِ بالقُرآنِ والذِّكرِ والأقسامِ والكَلامِ المُباحِ، ويَجوزُ حَلُّه أيضًا (بسِحرٍ ضَرورةً) أي: لأجْلِ الضَّرورةِ، قالَ في «المُغنِي»: تَوقَّفَ أحمَدُ في الحَلِّ وهو إلى الجَوازِ أميَلُ، وسألْتُ مُهنَّا عمَّن تأتيهِ مَسحورةٌ فيُطلِقَه عنها؟ قالَ: لا بأسَ، قالَ الخلَّالَ: إنما كَرِهَ فِعالَه ولا يرَى به بأسًا كما بيَّنَه مُهنَّا، وهذا مِنْ الضَّرورةِ التي تُبيحُ فِعلَها، والمَذهبُ جَوازُه ضَرورةً (٣).
(١) «المغني» (٩/ ٣٦، ٣٧)، و «الكافي» (٤/ ١٦٦).
(٢) «كشاف القناع» (٦/ ٢٣٥، ٢٣٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٣٠٥، ٣٠٧).
(٣) «مطالب أولي النهى» (٦/ ٣٠٥).
وذهَبَ ابنُ القيِّمِ وغيرُه إلى أنه حَرامٌ، قالَ رحمة الله عليه: وسُئلَ ﷺ عن النُّشرةِ فقالَ: «هي مِنْ عَملِ الشَّيطانِ»، ذكَرَه أحمَدُ وأبو داودَ، والنُّشرةُ: حَلُّ السِّحرِ عن المَسحورِ، وهي نَوعانِ: حَلُّ سِحرٍ بسِحرٍ مثلِه، وهو الذي مِنْ عَملِ الشيطانِ؛ فإنَّ السحرَ مِنْ عَملِه، فيَتقرَّبُ إليه الناشِرُ والمُنتشِرُ بما يُحبُّ، فيُبطلُ عمَلَه عن المَسحورِ.
والثاني: النُّشرةُ بالرُّقيةِ والتَّعوُّذاتِ والدعَواتِ والأدويَةِ المُباحةِ، فهذا جائزٌ بل مُستحَبٌّ، وعلى النوعِ المَذمومِ يُحمَلُ قولُ الحَسنِ: لا يَحُلُّ السِّحرَ إلا ساحِرٌ (١).
وقالَ الإمامُ البُخاريُّ رحمة الله عليه: باب: هل يُستخرجُ السِّحرُ، وقالَ قَتادةُ: قُلتُ لسَعيدِ بنِ المُسيبِ: رَجلٌ به طِبٌّ أو يُؤخَّذُ عن امرأتِه، أيُحَلُّ عنه أو يُنشَّرُ؟ قالَ: لا بأسَ به، إنما يُريدونَ به الإصلاحَ، فأما ما يَنفعُ الناسَ فلم يُنْهَ عنهُ (٢).
قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: واختَلفَ السَّلفُ، هل يُسألُ الساحِرُ عن حَلِّ السحرِ عن المَسحورِ؟ فأجازَه سَعيدُ بنُ المُسيبِ على ما ذكَرَه البُخاريُّ، وكَرهَه الحَسنُ البَصريُّ وقالَ: لا يَعلمُ ذلكَ إلا ساحرٌ ولا يَجوزُ إتيانُ الساحِرِ؛ لِما رَوى سُفيانُ عن أبي إسحاقَ عن هُبيرةَ عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ قالَ: «مَنْ مَشَى إلى ساحرٍ أو كاهنٍ فصدَّقَه بما يَقولُ فقدْ كفَرَ بما
(١) «إعلام الموقعين» (٤/ ٣٩٦).
(٢) «صحيح البخاري» (٥/ ٢٢٧٥).
أُنزلَ على مُحمدٍ عليه السلام»، قالَ الطبَريُّ: وليسَ ذلكَ عندي سواءً؛ وذلكَ أنَّ مَسألةَ الساحرِ عقْدَ السحرِ مَسألةٌ منه أنْ يَضرَّ مَنْ لا يَحلُّ ضَررُه، وذلكَ حَرامٌ مِنْ غيرِ حَصرِ مُعالجتِهم منها على صِفةٍ دونَ صِفةٍ، فسَواءٌ كانَ المُعالجُ مُسلمًا تقيًّا أو مُشركًا ساحرًا بعدَ أنْ يكونَ الذي يَتعالجُ به غيرَ محرمٍ، وقد أَذِنَ النبيُّ عليه السلام في التعالُجِ وأمَرَ به أمَّتَه فقالَ: «إنَّ اللهَ لم يُنزلْ داءً إلا وأنزَلَ له شِفاءً، وعَلِمَه مَنْ عَلِمَه وجَهِلَه مَنْ جَهِلَه»، فسَواءٌ كانَ عليمَ ذلكَ وحَلَّه عندَ ساحِرٍ أو غيرِ ساحرٍ، وأما معنَى نهيِه عليه السلام عن إتيانِ السَّحرةِ فإنما ذلكَ على التَّصديقِ لهُم فيما يَقولونَ على عِلمِ مَنْ أتاهُم بأنهُم سحَرةٌ أو كُهَّانٌ، فأما مَنْ أتاهُم لغيرِ ذلكَ وهو عالمٌ به وبحالِه فليسَ بمَنهيٍّ عنه عن إتيانِه (١).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: واختَلفُوا هل يُسألُ الساحِرُ حَلَّ السحرِ عن المَسحورِ؟ فأجازَه سَعيدُ بن المُسيبِ على ما ذكَرَه البخاريُّ، وإليه مالَ المُزَنِيُّ، وكَرهَه الحسنُ البصريُّ (٢).
وقالَ الإمامُ القَرافِيُّ رحمة الله عليه: واختَلفَ السَّلفُ هل يَجوزُ أنْ يُسألَ الساحِرُ حَلَّ السحرِ عن المَسحورِ أم لا؟ فكَرهَ الحَسنُ البصريُّ ذلكَ؛ لأنه عَملُ سِحرٍ، وقالَ: لا يَعملُ ذلكَ إلا ساحِرٌ ولا يَجوزُ إتيانُ الساحِرِ؛ لِما رُويَ عن ابنِ مَسعودٍ: «مَنْ أتَى إلى كاهِنٍ أو ساحِرٍ فقدْ كفَرَ بما أُنزلَ على
(١) «شرح صحيح البخاري» (٩/ ٤٤٥).
(٢) «تفسير القرطبي» (٢/ ٤٩).
مُحمدٍ ﷺ»، وأجازَه ابنُ المُسيبِ لأنه رآهُ نَوعًا مِنْ العِلاجِ، فيُخصصُ بذلكَ في قولِه: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] ذكَرَه البخاريُّ، وأما ما حكاهُ فيها مِنْ قَولِ ابنِ الغرسِ وانظرْ هل يَجوزُ السحرُ في الإصلاحِ بينَ نَفسَينِ كالمرأةِ تَبغي إصلاحَ زَوجِها واستِئلافَه؟ وعلى القولِ بأنَّ السحرَ كُفرٌ فإنما يُرادُ ما شَهدَ الشرعُ له بأنه كفرٌ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: وقد أجازَ بَعضُ العُلماءِ تَعلُّمَ السحرَ لأحدِ أمرَينِ: إما لتَمييزِ ما فيه كُفرٌ مِنْ غيرِه، وإما لأزالتِه عمَّن وقَعَ فيه.
فأما الأولُ: فلا مَحذورَ فيه إلا مِنْ جِهةِ الاعتقادِ، فإذا سَلِمَ الاعتقادُ فمَعرفةُ الشيءِ بمُجرَّدِه لا تَستلزمُ منعًا، كمَن يَعرفُ كَيفيةَ عبادةِ أهلِ الأوثانِ للأوثانِ؛ لأنَّ كَيفيةَ ما يَعملُه الساحرُ إنما هيَ حكايةُ قَولٍ أو فعلٍ، بخِلافِ تَعاطيهِ والعَملِ به.
وأما الثاني: فإنْ كانَ لا يَتمُّ كما زعَمَ بعضُهم إلا بنوعٍ مِنْ أنواعِ الكفرِ أو الفِسقِ فلا يَحِلُّ أصلًا، وإلا جازَ؛ للمعنَى المَذكورِ (٢).
وقالَ في مَوضعٍ آخرَ: قولُه -أي البُخاريِّ-: «باب: هل يُستخرجُ السِّحرُ؟» كذا أورَدَ التَّرجمةَ بالاستِفهامِ؛ إشارةً إلى الاختِلافِ، وصدَّرَ بما نقَلَه عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ مِنْ الجَوازِ؛ إشارةً إلى تَرجيحِه.
(١) «الفروق» (٤/ ٢٩٥).
(٢) «فتح الباري» (١٠/ ٢٢٤، ٢٢٥).
قولُه: «وقالَ قَتادةُ: قلتُ لسعيدِ بنِ المُسيبِ إلخ» وصَلَه أبو بكرٍ الأثرمُ في كِتابِ «السُّنن» مِنْ طريقِ أبانَ العطَّارِ عن قَتادةَ، ومثلُه مِنْ طَريقِ هشامِ الدَّستوائيِّ عن قَتادةَ بلفظِ: «يَلتمسُ مِنْ يُداويهِ، فقالَ: إنما نهَى اللهُ عمَّا يَضرُّ ولم يَنْهَ عمَّا يَنفعُ»، وأخرَجَه الطبَريُّ في «التَّهذِيب» مِنْ طَريقِ يَزيدَ بنِ زُريعٍ عن قَتادةَ عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ أنه كانَ لا يَرَى بأسًا إذا كانَ بالرَّجلِ سِحرٌ أنْ يَمشيَ إلى مَنْ يُطلِقُ عنه، فقالَ: هو صَلاحٌ، قالَ قَتادةُ: وكانَ الحَسنُ يَكرهُ ذلكَ، يقولُ: لا يَعلمُ ذلكَ إلا ساحِرٌ، قالَ: فقالَ سَعيدُ بنُ المُسيبِ: إنما نهَى اللهُ عما يَضرُّ ولم يَنْهَ عما يَنفعُ.
وقد أخرَجَ أبو داودَ في «المَراسِيل» عن الحَسنِ رفَعَه «النُّشرةَ مِنْ عَملِ الشَّيطانِ»، ووصَلَه أحمَدُ وأبو داودَ بسَندٍ حَسنٍ عن جابِرٍ، قالَ ابنُ الجَوزيِ: النُّشرةُ حَلُّ السحرِ عن المَسحورِ، ولا يَكادُ يَقدرُ عليهِ إلا مَنْ يَعرفُ السِّحرَ، وقد سُئلَ أحمَدُ عمَّن يُطلِقُ السحرَ عن المَسحورِ فقالَ: لا بأسَ به، وهذا هو المُعتمَدُ.
ويُجابُ عن الحَديثِ والأثَرِ بأنَّ قولَه: «النُّشرةُ مِنْ عَملِ الشَّيطانِ» إشارةٌ إلى أصلِها، ويَختلفُ الحُكمُ بالقَصدِ، فمَن قصَدَ بها خَيرًا كانَ خيرًا، وإلا فهو شَرٌّ، ثم الحَصرُ المَنقولُ عن الحَسنِ ليسَ على ظاهرِه؛ لأنه قد يَنحلُّ بالرُّقَى والأدعيَةِ والتَّعويذِ، ولكنْ يُحتملُ أنْ تكونَ النُّشرةُ نَوعينِ.
قولُه: «به طِبٌّ» بكَسرِ الطاءِ، أي: سِحرٌ، وقد تَقدَّمَ تَوجيهُه.
قولُه: «أو يُؤخَّذُ» بفَتحِ الواوِ مَهموزٌ وتَشديدِ الخاءِ المُعجَمةِ وبعدَها مُعجمةٌ، أي: يُحبَسُ عن امرأتِه ولا يَصلُ إلى جِماعِها، والأُخذةُ بضَمِّ الهَمزةِ: هي الكلامُ الذي يَقولُه الساحِرُ، وقيلَ: خَرزةٌ يُرقَى عليها، أو: هيَ الرُّقيةُ نفسُها.
قولُه: «أو يُحَلُّ عنه» بضَمِّ أولِه وفَتحِ المُهمَلةِ، قولُه: «أو يُنشَّرُ» بتَشديدِ المُعجَمةِ: مِنْ النُّشرةِ بالضمِّ: وهي ضَربٌ مِنْ العلاجِ يُعالجُ به مَنْ يُظنُّ أنَّ به سِحرًا أو مَسًّا مِنْ الجنِّ، قيلَ لها ذلكَ لأنه يُكشفُ بها عنه ما خالَطَه مِنْ الداءِ، ويُوافِقُ قول سَعيدِ بنِ المُسيبِ ما تَقدَّمَ في بابِ الرُّقيةِ في حَديثِ جابرٍ عندَ مُسلمٍ مَرفوعًا: «مَنْ استَطاعَ أنْ يَنفعَ أخاهُ فلْيَفعلْ»، ويُؤيِّدُ مَشروعيةَ النُّشرةِ ما تَقدَّمَ في حَديثِ: «العَينُ حَقٌّ» في قِصةِ اغتسالِ العائِنِ، وقد أخرَجَ عبدُ الرزَّاقِ مِنْ طريقِ الشَّعبيِ قالَ: لا بأسَ بالنُّشرةِ العَربيةِ التي إذا وُطِئتْ لا تَضرُّه، وهي أنْ يخرجَ الإنسانُ في مَوضعٍ عِضاهُ فيَأخذَ عن يَمينِه وعن شِمالِه مِنْ كلٍّ ثمَّ يَدقَّه ويَقرأَ فيه ثم يَغتسلَ به، وذكَرَ ابنُ بطَّالٍ أنَّ في كُتبِ وَهبِ بنِ مُنبِّهٍ: أنْ يَأخذَ سبْعَ ورَقاتٍ مِنْ سِدرٍ أخضَرَ فيَدقَّه بينَ حَجرينِ ثم يَضربَه بالماءِ ويَقرأَ فيه آيةَ الكُرسيِّ والقَوافِلَ ثم يَحسوَ منه ثَلاثَ حسَواتٍ ثم يَغتسلَ به، فإنه يُذهبُ عنه كلَّ ما به، وهو جَيدٌ للرَّجلِ إذا حُبسَ عن أهلِه.
وممَّن صرَّحَ بجَوازِ النُّشرةِ المُزَنِيُّ صاحبُ الشافعيِّ وأبو جَعفرٍ الطبَريُّ وغيرُهما، ثم وقَفتُ على صِفةِ النُّشرةِ في كتابِ «الطِّبّ النَّبوِي»
لجَعفرٍ المُستغفِريِّ قالَ: وجَدتُ في خَطِّ نَصوحِ بنِ واصلٍ على ظَهرِ جُزءٍ مِنْ تَفسيرِ قُتيبةَ بنِ أحمَدَ البُخاريِّ قالَ: قالَ قَتادةُ لسَعيدِ بنِ المُسيبِ: رَجلٌ به طِبٌّ أُخذَ عن امرأتِه أيَحِلُّ له أنْ ينشرَ؟ قالَ: لا بأسَ، إنما يريدُ به الإصلاحَ، فأما ما يَنفعُ فلم يُنْهَ عنه، قالَ نَصوحٌ: فسَألني حمَّادُ بنُ شاكرٍ: ما الحَلُّ وما النُّشرةُ؟ فلمْ أعرِفْهما، فقالَ: هو الرَّجلُ إذا لم يَقدرْ على مُجامَعةِ أهلِه وأطاقَ ما سِواها فإنَّ المُبتلَى بذلكَ يَأخذُ حُزمةَ قُضبانٍ وفأسًا ذا قِطارَينِ ويَضعُه في وَسطِ تلكَ الحُزمةِ ثمَّ يُؤجِّجُ نارًا في تلكَ الحُزمةِ حتى إذا ما حمَى الفأسُ استَخرجَه مِنْ النارِ وبالَ على حَرِّه، فإنه يَبرأُ بإذنِ اللهِ تعالَى، وأما النُّشرةُ فإنه يَجمعُ أيامَ الرَّبيعِ ما قدَرَ عليه مِنْ وَردِ المُفَارةِ ووَردِ البَساتينِ ثم يَلقيها في إناءٍ نَظيفٍ ويَجعلُ فيهما ماءً عذبًا ثم يَغلي ذلك الوَردَ في الماءِ غَليًا يَسيرًا ثم يمهلُ حتَّى إذا فتَرَ الماءُ أفاضَه عليهِ، فإنه يَبرأُ بإذنِ اللهِ تعالى، قالَ حاشِدٌ: تَعلَّمتُ هاتينِ الفائدَتينِ بالشامِ، قلتُ: وحاشدٌ هذا مِنْ رُواةِ الصَّحيحِ عنِ البُخاريِّ، وقد أغفَلَ المُستغفِريُّ أنَّ أثَرَ قَتادةَ هذا علَّقَه البُخاريُّ في صَحيحِه، وأنه وصَلَه الطبَريُّ في تَفسيرِه، ولو اطَّلعَ على ذلكَ ما اكتَفى بعَزوِه إلى تَفسيرِ قُتيبةَ بنِ أحمَدَ بغيرِ إسنادٍ، وأغفَلَ أيضًا أثَرَ الشعبيِّ في صِفتِه، وهو أعلى ما اتَّصلَ بنا مِنْ ذلكَ، ثم ذكَرَ حَديثَ عائِشةَ في قِصةِ سِحرِ النبيِّ ﷺ (١).
(١) «فتح الباري» (١٠/ ٣٣٣، ٣٣٤).
ارجع إلى حكم قتل المرتد للاطلاع على جميع المسائل.