الإسلام > الجنايات والحدود > شروط وجوب الحد
مسائلُ فقهيةٌ في شروط وجوب الحد على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 6 دقيقة قراءةشُروطُ وُجوبِ الحَدِّ:
يُشترطُ لوُجوبِ الحَدِّ على مَنْ شَربَ الخمرَ أو المُسكِرَ عَدةُ شُروطٍ لا بُدَّ مِنْ تَوافرِها، وهي:
الشَّرطُ الأولُ: أنْ يَكونَ مُكلَّفًا بالِغًا عاقِلاً:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الصَّبيَّ أو المَجنونَ إذا شَربَ الخَمرَ أو المُسكِرَ الذي يَجبُ به الحَدُّ أنه لا حَدَّ على واحِدٍ منهُما؛ لعَدمِ التكليفِ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ: «رُفعَ القَلمُ عن ثَلاثةٍ: عن المَجنونِ المَغلوبِ على عَقلِه حتى يَفيقَ، وعن النائمِ حتى يَستيقظَ، وعن الصبيِّ حتى يَحتلمَ» (١) (٢).
الشَّرطُ الثَّاني: أنْ يَكونَ مُسلِمًا:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ على المُفتَى به عندَهم والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ على أنه يُشترطُ فيمَن يُقامُ عليه حَدُّ الشُّربِ أنْ يكونَ مُسلِمًا، فإنْ كانَ ذمِّيًّا أو حَربيًّا أو مُعاهدًا فلا يُقامُ عليه الحَدُّ؛ لأنه لم يَلتزمْ بالذِّمةِ إلا ما يَتعلقُ بالآدَميينَ (٣).
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤٤٠١)، وغيرُه.
(٢) «الدر المختار» (٤/ ٣٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣٦٦)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٣٩٩)، و «النجم الوهاج» (٩/ ٢٢٤)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٥٠٧)، و «كشاف القناع» (٦/ ١٤٩)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٢٤).
(٣) «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٣٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣٦٦)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٣٩٩)، و «النجم الوهاج» (٩/ ٢٢٤)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٥٠٧)، و «تحفة المحتاج» (١١/ ٩٤)، و «كشاف القناع» (٦/ ١٤٩)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٢٤).
وذهَبَ الحَنفيةُ في قَولٍ اختارَه الحَصكفيُّ إلى أنه يُقامُ عليه الحَدُّ؛ لأنَّ السُّكْرَ حَرامٌ في جَميعِ الأديانِ (١).
لكنْ قالَ ابنُ عابدِينَ رحمة الله عليه: ولِي فيه نَظرٌ؛ فإنَّ الخَمرَ لم تكنْ مُحرَّمةً في صَدرِ الإسلامِ، وقد كانَ الصحابةُ يَشربونَها وربَّما سَكِروا منها كما جاءَ صَريحًا، فمِن ذلكَ ما في «الفَتْح» عن التِّرمذيِّ عن عليٍّ رضي الله عنه: «صنَعَ لنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ طَعامًا، فدعانا وسَقَانا مِنْ الخَمرِ، فأخَذَتِ الخَمرُ منَّا وحضَرَتِ الصلاةُ، فقدَّمونِي فقَرأتُ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَنَحْنُ نَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾، قالَ: فأنزَلَ اللهُ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] الآيَة. اه فلو كانَ السُّكرُ حَرامًا لَزمَ تَفسيقَ الصَّحابةِ.
ثمَّ رأيتُ في تُحفةِ ابنِ حَجرٍ قالَ: وشَربَها المُسلمونَ أولَ الإسلامِ، قيلَ: استِصحابًا لِمَا كانَ قبلَ الإسلامِ.
والأصحُّ: أنه بوَحيٍّ، ثم قيلَ: المُباحُ الشُّربُ لا غَيبةُ العَقلِ؛ لأنه حَرامٌ في كُلِّ مِلةٍ، وزَيَّفَه المُصنِّفُ -يعني: النَّوويَّ-، وعليهِ: فالمُرادُ بقَولِهم بحُرمتِه في كلِّ مِلةٍ أنه باعتبارِ ما استَقرَّ عليهِ أمرُ ملَّتِنا. اه
وهذا مُؤيِّدٌ لِما بَحثتُه، لكنْ في جَوابِه الأخيرِ نَظرٌ (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ في وَجهٍ أننا نُقِيمُ على الذميِّ الحَدَّ برِضاهُ بحُكمِنا (٣).
(١) «الدر المختار» (٤/ ٣٧).
(٢) «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٣٧)، و «غمز عيون البصائر» (٣/ ٣٩٦).
(٣) «النجم الوهاج» (٩/ ٢٢٥).
ارجع إلى الجنايات والحدود للاطلاع على جميع الأبواب.