الشرط الخامس: أن يكون طائعا غير مكره

الإسلام > الجنايات والحدود > شروط وجوب الحد > الشرط الخامس: أن يكون طائعا غير مكره

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

الشرط الخامس: أن يكون طائعا غير مكره - الأقوال والأدلة

الشَّرطُ الخامِسُ: أنْ يكونَ طائِعًا غيرَ مُكرَهٍ:

نَصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ على أنَّ الإنسانَ إذا أُكرهَ على شُربِ الخَمرِ جازَ له شُربُها ولا يُقامُ عليه الحَدُّ ولا إِثمَ عليه، سَواءٌ أُكرهَ بالوَعيدِ والضَّربِ أو أُلجِئَ إلى شُربِها بأنْ يُفتَحَ فُوهُ وتُصَبَّ فيه؛ لقَولِ النبيِّ : «إنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ عن أمَّتي الخَطأَ والنِّسيانَ وما استُكرِهوا عليهِ» (١) (٢).

وذهَبَ الشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه يَجبُ عليه الحَدُّ (٣).

الشَّرطُ السادِسُ: أنْ لا يَكونَ مُضطرًّا إليها:

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ مَنْ اضطُرَّ إلى شُربِ الخَمرِ لدَفعِ غصَّةٍ بها إذا لم يَجدْ مائعًا سواها جازَ له؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قالَ في آيةِ التَّحريمِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقدَّمَ.
(٢) «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٣٩)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٣٦٨)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٠٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣٦٨)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٤٠١)، و «النجم الوهاج» (٩/ ٢٢٥)، و «تحفة المحتاج» (١١/ ٩٤)، و «نهاية المحتاج» (٨/ ١٤)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٥٠٧)، و «المغني» (٩/ ١٣٧)، و «الإنصاف» (١٠/ ٢٣٠، ٢٣١)، و «كشاف القناع» (٦/ ١٤٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٢١٨)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٢٤).
(٣) «النجم الوهاج» (٩/ ٢٢٥)، و «تحفة المحتاج» (١١/ ٩٤)، و «نهاية المحتاج» (٨/ ١٤)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٥٠٧)، و «الإنصاف» (١٠/ ٢٣٠، ٢٣١).

إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٥]، ولأنَّ إزالةَ الغصَّةِ بالخَمرِ واجِبةٌ إذا خافَ على نَفسِه الهَلاكَ ولم يَجدْ غيرَه؛ لأنَّ فيها صَونًا لإحياءِ النُّفوسِ.

وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا على أنَّ مَنْ غصَّ بلُقمةٍ وخافَ الموتَ ولم يَجدْ ما يَدفعُها به سِوى الخمرَ فإنه يَجوزُ أنْ يَدفعَها بها (١).

إلا أنَّ الفُقهاءُ اختَلفوا هل يَجوزُ شُربُها لعَطشٍ مُهلِكٍ أو للجُوعِ؟ أم لا يَجوزُ؟ على تَفصيلٍ بينَهُم.

فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في وَجهٍ إلى أنه يَجوزُ شُربُه الخَمرَ مِنْ أجلِ العَطشِ المُهلِكِ (٢).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على تَفصيلٍ عندَهم إلى أنه لا يَجوزُ شُربُ الخَمرِ للعَطشِ أو الجُوعِ.

قالَ المالِكيةُ: لا يَجوزُ شُربُ الخَمرِ لخَوفِ مَوتٍ بجُوعٍ أو عَطشٍ، وإنما جازَ شُربُ الخَمرِ لدَفعِ غصَّةٍ ولم يَجُزْ شُربُه لخَوفِ مَوتٍ بجُوعٍ أو عَطشٍ لزَوالِ الغصَّةِ بالخَمرِ تَحقيقًا أو ظنًّا قويًّا، بخِلافِ الجُوعِ والعَطشِ؛ فإنهُما لا يَزولانِ به بل يَزيدانِ؛ لِما في طَبعِه مِنْ الحَرارةِ والهَضمِ.

وفي قَولٍ اختارَه ابنُ العرَبيُّ وغيرُه أنه يَجوزُ شُربُ الخَمرِ للعَطشِ والجُوعِ إنْ رَدَّتْ عنه الجُوعَ والعطشَ؛ لأنها تُفيدُ تَخفيفَ ذلكَ على الجُملةِ ولو لَحظةً (٣).

(١) «الإفصاح» (٢/ ٢٩٥).
(٢) «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٣٩).
(٣) «التاج والإكليل» (٥/ ٣٦٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣٦٨)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٤٠١).

وقالَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ: لا يَجوزُ شُربُ الخَمرِ لعَطشٍ أو لجُوعٍ إذا لم يَنتهِ به الأمرُ إلى الهَلاكِ؛ لعُمومِ النهيِ، ولأنَّ بعضَها يَدعو إلى بَعضٍ، فإنْ انتَهى به الأمرُ إلى الهَلاكِ وجَبَ تَناولُها، كتَناولِ المَيتةِ للمُضطرِّ، ولا حَدَّ عليهِ في الحالتَينِ.

وفي وَجهٍ مُقابلَ الأصَحِّ: يَجوزُ شُربُها للجُوعِ والعَطشِ كما يَجوزُ شُربُ البَولِ والدمِ لذلكَ، وكما يُتداوَى بالنجاساتِ كلَحمِ الحيَّةِ والسَّرطانِ والمَعجونِ فيه خَمرٌ (١).

وقالَ الحَنابلةُ: إنْ شَربَ الخَمرَ لعَطشٍ فإنْ كانَتْ مَمزوجةً بما يَروِي مِنْ العَطشِ أُبيحَتْ لدَفعِه عندَ الضرورةِ كما تُباحُ المَيتةُ عندَ المَخمصةِ وكإباحتِها لدَفعِ الغصَّةِ؛ لِما في حَديثِ عبدِ اللهِ بنِ حُذافةَ «أنه أسَرَه الرُّومُ فحبَسَه طاغِيتُهم في بَيتٍ فيه ماءٌ مَمزوجٌ بخَمرٍ ولَحمُ خِنزيرٍ مَشويٌّ ليَأكلَه ويَشربَ الخَمرَ، وتَركَه ثلاثةَ أيامٍ فلمْ يَفعلْ، ثمَّ أخرَجوهُ حينَ خَشوا مَوتَه فقالَ: واللهِ لقدْ كانَ اللهُ أحَلَّه لي فإني مُضطرٌّ، ولكنْ لم أكُنْ لأشمتَكُم بدِينِ الإسلامِ».

وإنْ شَربَها صِرفًا أو مَمزوجةً بشيءٍ يَسيرٍ لا يَروِي مِنْ العَطشِ أو شَربَها للتداوي لم يُبَحْ له ذلكَ وعليهِ الحَدُّ (٢).

قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: وكذلكَ الخَمرُ يُباحُ لدَفعِ الغصَّةِ بالاتفاقِ، ويُباحُ لدَفعِ العَطشِ في أحَدِ قَولَي العُلماءِ، ومَن لم يُبِحْها قالَ: «إنها لا تَدفعُ العطشَ»، وهذا مَأخذُ أحمَدَ، فحِينئذٍ فالأمرُ مَوقوفٌ على دفعِ العطشِ بها، فإنْ عَلِمَ أنها تَدفعُه أُبيحَتْ بلا رَيبٍ كما يُباحُ لَحمُ الخِنزيرِ لدَفعِ المَجاعةِ، وضَرورةُ العَطشِ الذي يَرى أنه يُهلكُه أعظَمُ مِنْ ضَرورةِ الجُوعِ، ولهذا يُباحُ شربُ النجاساتِ عندَ العَطشِ بلا نِزاعٍ، فإنِ اندَفعَ العطشُ وإلا فلا إباحةَ في شَيءٍ مِنْ ذلكَ (٣).

(١) «روضة الطالبين» (٦/ ٦١٣، ٦١٤)، و «النجم الوهاج» (٩/ ٢٢٧)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٥٠٩)، و «تحفة المحتاج» (١١/ ٩٧، ٩٨)، و «نهاية المحتاج» (٨/ ١٦).
(٢) «المغني» (٩/ ١٣٧، ١٣٨)، و «كشاف القناع» (٦/ ١٤٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٢١٧).
(٣) «مجموع الفتاوى» (١٤/ ٤٧١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
وجوب القصاص وشرائطه

مَحْضًا فَيُنْظَرُ إنْ أَمْكَنَ إيجَابُ الْقِصَاصِ يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ يَجِبْ الْأَرْشُ.

وَأَمَّا الْقَتْلُ الْخَطَأُ فَالْخَطَأُ قَدْ يَكُونُ فِي نَفْسِ الْفِعْلِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي ظَنِّ الْفَاعِلِ أَمَّا الْأَوَّلُ: فَنَحْوُ أَنْ يَقْصِدَ صَيْدًا فَيُصِيبَ آدَمِيًّا، وَأَنْ يَقْصِدَ رَجُلًا فَيُصِيبَ غَيْرَهُ، فَإِنْ قَصْدَ عُضْوًا مِنْ رَجُلٍ فَأَصَابَ عُضْوًا آخَرَ مِنْهُ فَهَذَا عَمْدٌ، وَلَيْسَ بِخَطَأٍ.

وَأَمَّا الثَّانِي: فَنَحْوَ أَنْ يَرْمِيَ إلَى إنْسَانٍ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ أَوْ مُرْتَدٌّ فَإِذَا هُوَ مُسْلِمٌ.

وَأَمَّا الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَى الْخَطَأِ فَنَذْكُرُ حُكْمَهُ، وَصِفَتَهُ بَعْدَ هَذَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فَهَذِهِ صِفَاتُ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ.

وَأَمَّا بَيَانُ أَحْكَامِهَا فَوُقُوعُ الْقَتْلِ بِإِحْدَى هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ عُلِمَ، وَإِمَّا أَنْ لَمْ يُعْلَمْ بِأَنْ وُجِدَ قَتِيلٌ لَا يُعْلَمُ قَاتِلُهُ فَإِنْ عُلِمَ ذَلِكَ.

وُجُوب الْقِصَاص وَشَرَائِطه

أَمَّا الْقَتْلُ الْعَمْدُ الْمَحْضُ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ: مِنْهَا وُجُوبُ الْقِصَاصِ، وَالْكَلَامُ فِي الْقِصَاصِ فِي مَوَاضِعَ: فِي بَيَانِ شَرَائِطِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ، وَفِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ وُجُوبِهِ، وَفِي بَيَانِ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْقِصَاصَ، وَفِي بَيَانِ مَنْ يَلِي اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ، وَشَرْطِ جَوَازِ اسْتِيفَائِهِ، وَفِي بَيَانِ مَا يُسْتَوْفَى بِهِ الْقِصَاصُ، وَكَيْفِيَّةِ الِاسْتِيفَاءِ، وَفِي بَيَانِ مَا يُسْقِطُ الْقِصَاصَ بَعْدَ وُجُوبِهِ.

(أَمَّا) الْأَوَّلُ:.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 572 - 574

ارجع إلى شروط وجوب الحد للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
الله أكبر