ما تنعقد به الإمامة

الإسلام > الجنايات والحدود > ما تنعقد به الإمامة

مسائلُ فقهيةٌ في ما تنعقد به الإمامة على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

تعريف ما تنعقد به الإمامة وحكمها

ما تَنعقدُ به الإمامةُ:

الإمامةُ تَثبتُ بأحَدِ أمُورٍ ثَلاثةٍ باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربعةِ:

أولاً: البَيعةُ:

تَثبتُ الإمامةُ ببَيعةُ أهلِ الحَلِّ والعَقدِ مِنْ العُلماءِ والرُّؤساءِ وسائرِ وُجوهِ الناسِ الذين يَتيسَّرُ حُضورُهم، وهُم مَنْ اجتَمعَ فيهم ثَلاثُ صِفاتٍ: العَدالةُ، والعِلمُ بشُروطِ الإمامةِ، والرَّأيُ، كما بايَعَ الصحابةُ رضي الله عنهم للصدِّيقِ أبي بكرٍ رضي الله عنه.

واتَّفقَ العُلماءُ على أنه لا يُشترطُ اتفاقِ أهلِ الحَلِّ والعَقدِ، إلا أنهم اختَلفُوا هل يُشترطُ عَددٌ مُعيَّنٌ؟ أم لا بُدَّ مِنْ جُمهورِ أهلِ الحلِّ والعَقدِ؟ أم يَكفي واحدٌ منهُم؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ عندَهما أنه يَكفي مُبايَعةُ واحدٍ مِنْ أهلِ الحلِّ والعَقدِ.

قالَ ابنُ نُجيمٍ رحمة الله عليه: وتَنعقدُ بَيعةُ أهلِ الحلِّ والعَقدِ مِنْ العُلماءِ المُجتهِدينَ والرُّؤساءِ … وتَكفي مُبايَعةُ واحدٍ، وقيلَ: لا بُدَّ مِنْ الأكثرِ، وقيلَ: لا يَلزمُه عَددٌ (١).

وقالَ الشافِعيةُ: لا يُشترطُ اتِّفاقُ أهلِ الحَلِّ والعَقدِ في سائرِ البلادِ والأصقاعِ، بل يَكفي ما يتيسَّرُ اجتماعُهم حالَ البَيعةِ بلا كُلفةٍ، وإذا وصَلَهم

(١) «البحر الرائق» (٦/ ٢٩٩).

خبَرُ أهلِ البلادِ البَعيدةِ لَزمَهم الموافَقةُ والمتابَعةُ، وعلى هذا لا يتعيَّنُ للاعتبارِ عَددٌ، بل لا يُعتبَرُ العَددُ، حتى لو تعلَّقَ الحَلُّ والعَقدُ بواحدٍ مُطاعٍ كفَتْ بَيعتُه لانعِقادِ الإمامةِ، ويُشترطُ أنْ يكونَ الذينَ يُبايِعونَ بصِفةِ الشُّهودِ (١).

وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ بَيعَتُهم تكونُ بالحضورِ والمباشَرةِ بصَفقةِ اليَدِ وإشهادِ الغائبِ منهم، ويَكفي العامِّيَّ اعتِقادُه أنه تحتَ أمرِه، فإنْ أضمَرَ خِلافَ ذلكَ فُسِّقَ ودخَلَ تحتَ قولِ النبيِّ : «مَنْ ماتَ وليسَ في عُنقِه بَيعةٌ ماتَ مِيتةً جاهِليةً» (٢) (٣).

وقالَ الحَنابلةُ: لا تَنعقدُ البَيعةُ إلا بجُمهورِ أهلِ الحَلِّ والعقدِ.

قالَ أحمَدُ في رِوايةِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ: الإمامُ: الذي يَجتمعُ قولُ أهلِ الحَلِّ والعَقدِ عليهِ كلُّهم يَقولُ: هذا إمامٌ (٤).

وقالَ ابنُ عبدِ الهادِي رحمة الله عليه: لا بُدَّ أنْ يَتفِقَ عليهِ أهلُ الحَلِّ والعَقدِ في كلِّ بلدٍ ويُبايِعونَ له (٥).

وقالَ الإمامُ أبو مُحمدِ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: ذهَبَ قومٌ إلى أنَّ الإمامةَ لا تَصحُّ إلا بإجماعِ فُضلاءِ الأمَّةِ في أقطارِ البلادِ، وذهَبَ آخَرونَ إلى أنَّ الإمامةَ

(١) «روضة الطالبين» (٦/ ٤٦٤)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤١٤)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ٤٧٣).
(٢) رواه مسلم (١٨١٥).
(٣) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٦/ ٢٧٦).
(٤) «الأحكام السلطانية» لأبي يعلى الفراء ص (٢٣).
(٥) «أحكام الولاية والإمامة» (١/ ٣٠١).

أنما تَصحُّ بعَقدِ أهلِ حَضرةِ الإمامِ والمَوضعِ الذي فيه قَرارُ الأئمَّةِ، وذهَبَ أبو عليٍّ مُحمدُ بنُ عبدُ الوهابِ الجبائيُّ إلى أنَّ الإمامَة لا تَصحُّ بأقَلَّ مِنْ عَقدِ خَمسِ رِجالٍ، ولم يَختلِفوا في أنَّ عقْدَ الإمامةِ تَصحُّ بعَهدٍ مِنْ الإمامِ الميتِ إذا قصَدَ فيه حُسنَ الاختيارِ للأُمةِ عندَ مَوتِه ولم يَقصدْ بذلكَ هوًى …

قالَ أبو مُحمدٍ: أما مَنْ قالَ أنَّ الإمامةَ لا تَصحُّ إلا بعَقدِ فُضلاءِ الأمَّةِ في أقطارِ البلادِ فباطلٌ؛ لأنه تَكليفُ ما لا يُطاقُ وما ليسَ في الوُسعِ وما هو أعظَمُ الحَرجِ، واللهُ تعالَى لا يُكلِّفُ نفسًا إلا وُسعَها، وقالَ تعالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، ولا حرَجَ ولا تَعجيزَ أكثَرَ مِنْ تَعرُّفِ إجماعِ فُضلاءِ مَنْ في المولتانِ والمَنصورةِ إلى بلادِ مهرَةَ إلى عَدنٍ إلى أقاصِي المَصامدةِ، بل طَنجةَ إلى الأشبونةِ إلى جَزائرِ البَحرِ إلى سواحلِ الشامِ إلى أرمينيَّةَ وجبلِ القَبجِ إلى اسينجابَ وفُرغانةَ وأسروسنةَ إلى أقاصي خُراسانَ إلى الجَوزَجانِ إلى كابلِ المولتانِ فما بينَ ذلكَ مِنْ المُدنِ والقُرى، ولا بُدَّ مِنْ ضَياعِ أمورِ المُسلمينَ قبلَ أنْ يُجمعَ جُزءٌ مِنْ مائةِ جُزءٍ مِنْ فُضلاءِ أهلِ هذهِ البلادِ، فبطَلَ هذا القَولُ الفاسدُ، مع أنه لو كانَ ممكِنًا لَمَا لَزمَ؛ لأنه دَعوى بلا بُرهانٍ، وإنما قالَ تعالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] و ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥]، فهذانِ الأمرانِ مُتوجِّهانِ، أحَدُهما إلى كلِّ إنسانٍ في ذاتِه، ولا يُسقطُ عنه وُجوبَ القيامِ بالقِسطِ انتظارُ غيرِه في ذلكَ، وأما التعاوُنُ على البِرِّ والتَقوى فمُتوجِّهٌ إلى كلِّ اثنينِ فصاعِدًا؛ لأنَّ التعاوُنَ فعلٌ مِنْ فاعلَينِ وليسَ فِعلَ واحدٍ، ولا

يُسقطُ عن الاثنَينِ فرْضَ تَعاونِهما على البِرِّ والتقوَى انتظارُ ثالثٍ؛ إذ لو كانَ ذلكَ لمَا لَزمَ أحدًا قيامٌ بقِسطٍ ولا تعاونٌ على برٍّ وتَقوى؛ إذ لا سَبيلَ إلى اجتِماعِ أهلِ الأرضِ على ذلكَ أبدًا لتَباعُدِ أقطارِهم ولتخلُّفِ مَنْ تخلَّفَ عن ذلكَ لعُذرٍ أو على وَجهِ المَعصيةِ، ولو كانَ هذا لَكانَ أمرُ اللهِ تعالَى بالقيامِ بالقسطِ وبالتعاوُنِ على البِرِّ والتقوَى باطلًا فارغًا، وهذا خُروجٌ عن الإسلامِ، فسقَطَ القَولُ المذكورُ، وباللهِ تعالَى التوفيقُ.

وأما قولُ مَنْ قالَ أنَّ عقْدَ الإمامةِ لا يَصحُ إلا بعَقدِ أهلِ حَضرةِ الإمامِ وأهلِ المَوضعِ الذي فيه قَرارُ الأئمَّةِ، فإنَّ أهلَ الشامِ كانُوا قد دَعَوا ذلكَ لأنفُسِهم، حتى حمَلَهم ذلكَ على بَيعةِ مَروانَ وابنِه عبدِ المَلكِ، واستَحلُّوا بذلكَ دِماءَ أهلِ الإسلامِ، وهو قَولٌ فاسدٌ لا حجَّةَ لأهلِه، وكلُّ قولٍ في الدِّينِ عَرِيَ عن ذلكَ مِنْ القُرآنِ أو مِنْ سُنةِ رَسولِ اللهِ أو مِنْ إجماعِ الأمَّةِ المُتيقَّنِ فهو باطلٌ بيَقينٍ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)[النمل: ٦٤]، فصَحَّ أنَّ مَنْ لا بُرهانَ له على صحَّةِ قولِه فليسَ صادقًا فيه، فسقَطَ هذا القَولُ أيضًا … فإذ قد بَطلَتْ هذه الأقوالُ كلُّها قالُوا: أوجَبَ النَّظرُ في ذلكَ على ما أوجَبَه اللهُ تعالَى في القُرآنِ والسُّنةِ وإجماعِ المُسلمينَ كما افتَرضَ علينا ﷿ إذ يَقولُ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]، فوجَدْنا عقْدَ الإمامةِ يَصحُّ بوُجوهٍ أوَّلُها وأفضَلُها وأصَحُّها أنْ يَعهدَ الإمامُ الميتُ إلى إنسانٍ يَختارُه، أما بعدَ موتِه وسَواءٌ فعَلَ

مسائل ما تنعقد به الإمامة الفقهية

ارجع إلى الجنايات والحدود للاطلاع على جميع الأبواب.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 21 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 22.1 / 29.5
الإضاءة 51%
الهلال الجديد بعد 7 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل