ثالثا: الاستيلاء بالقوة والغلبة

الإسلام > الجنايات والحدود > ما تنعقد به الإمامة > ثالثا: الاستيلاء بالقوة والغلبة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 7 دقيقة قراءة

ثالثا: الاستيلاء بالقوة والغلبة - الأقوال والأدلة

بعيدٌ عن الظنَّةِ في ذلكَ كلِّه، لا سِيَّما إذا كانَت هناكَ داعِيةٌ تَدعو إليه مِنْ إيثارِ مَصلحةٍ أو توقُّعِ مَفسدةٍ، فتَنتفي الظُّنةُ في ذلكَ رأسًا (١).

ثالثًا: الاستِيلاءُ بالقوَّةِ والغَلَبةِ:

نَصَّ عامَّةُ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الخِلافةَ وإمامةَ المُسلمينَ تَثبتُ باستيلاءِ شَخصٍ مُتغلِّبٍ على الإمامةِ.

قالَ المالِكيةُ: تَثبتُ الإمامةُ بتَغلُّبِه على الناسِ؛ لأنَّ مَنْ اشتَدَّتْ وَطْأتُه وجَبَتْ طاعَتُه، وحينئذٍ فلا يُشترطُ فيه شرطٌ مِنْ شروطِ الإمامةِ؛ إذ المَدارُ على درءِ المَفاسدِ وارتكابِ أخَفِّ الضَّررَينِ (٢).

وقالَ الشافِعيةُ: تَثبتُ الإمامةُ باستيلاءِ شَخصٍ مُتغلِّبٍ على الإمامةِ جامعٍ للشُّروطِ المُعتبَرةِ في الإمامةِ على المُلكِ بقَهرٍ وغَلبةٍ بعدَ موتِ الإمامِ ليَنتظِمَ شَملُ المُسلمينَ.

أما الاستيلاءُ على الحيِّ فإنْ كانَ الحيُّ مُتغلِّبًا انعَقدتْ إمامةُ المتغلِّبِ عليهِ، وإنْ كانَ إمامًا ببَيعةٍ أو عَهدٍ لم تَنعقدْ إمامةُ المتغلِّبِ عليهِ.

وكذا تَنعقدُ إمامةُ فاسقٍ وجاهِلٍ مع وُجودِ بَقيةِ الشروطِ بالاستِيلاءِ في الأصَحِّ وإنْ كانَ عاصيًا بذلكَ.

وفي مُقابلِ الأصحِّ: لا تَنعقدُ إمامتُه؛ لفَقدِ الشروطِ.

(١) «مقدمة ابن خلدون» (٢١٠).
(٢) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٦/ ٢٧٦)، و «حاشية الصاوي» (١٠/ ٢٠٢)، و «منح الجليل» (٩/ ١٩٦).

ولا تَنعقدُ إمامةُ الكافرِ إذا تغلَّبَ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)[النساء: ١٤١] (١).

وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في ثُبوتِ إمامتِه - أي المُتغلِّبِ- وانعِقادِ وِلايتِه بغيرِ عَقدٍ ولا اختيارٍ، فذهَبَ بعضُ فُقهاءِ العراقِ إلى ثُبوتِ وِلايتِه وانعِقادِ إمامتِه وحَملِ الأمَّةِ على طاعتِه وإنْ لم يَعقدْها أهلُ الاختيارِ؛ لأنَّ مَقصودَ الاختيارِ تَمييزُ المولَّى، وقد تميَّزَ هذا بصِفتِه.

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ والمُتكلِّمينَ إلى أنَّ إمامتَه لا تَنعقدُ إلا بالرضَا والاختيارِ، لكنْ يَلزمُ أهلَ الاختيارِ عَقدُ الإمامةِ له، فإنِ اتَّفقُوا أتَمُّوا؛ لأنَّ الإمامةَ عَقدٌ لا يَتمُّ إلا بعاقدٍ، وكالقَضاءِ إذا لم يكنْ مَنْ يَصلحُ له إلا واحدٍ لم يَصرْ قاضيًا حتى يُولَّاهُ (٢).

وقالَ الحَنابلةُ: ولو خرَجَ رَجلٌ على الإمامِ فقهَرَه وغلَبَ الناسَ بسَيفِه حتى أقَرُّوا له وأذعَنُوا بطاعتِه وتابَعوهُ صارَ إمامًا يَحرمُ قِتالُه والخُروجُ عليهِ، فإنَّ عبدَ الملكِ بنَ مَروانَ خرَجَ على ابنِ الزبيرِ فقتَلَه واستَولى على البلادِ وأهلِها حتى بايَعوهُ طَوعًا وكَرهًا، فصارَ إمامًا يَحرمُ الخُروجُ عليهِ؛ وذلكَ لِما في الخُروجِ عليهِ مِنْ شَقِّ عصَا المُسلمينَ وإراقةِ دِمائِهم وذَهابِ أموالِهم، ويَدخلُ الخارجُ عليهِ في عُمومِ قولِه عليه السلام: «مَنْ خرَجَ على

(١) «روضة الطالبين» (٦/ ٤٦٧)، و «النجم الوهاج» (٩/ ٦٨)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٤١٦).
(٢) «الأحكام السلطانية» ص (٢٨).

أمَّتي وهُم جَميعٌ فاضرِبُوا عُنقَه بالسَّيفِ كائنًا مَنْ كانَ»، فمَن خرَجَ على مَنْ ثَبتتْ إمامتُه بأحدِ هذهِ الوُجوهِ باغيًا وجَبَ قِتالُه (١).

وقالَ الإمامُ أبو يَعلى الفرَّاءُ رحمة الله عليه: الإمامةُ تَنعقدُ مِنْ وَجهينِ: أحَدُهما: باختيارِ أهلِ الحَلِّ والعَقدِ، والثاني: بعَهدِ الإمامِ مِنْ قبلُ.

فأمَّا انعِقادُها باختيارِ أهلِ الحَلِّ والعَقدِ فلا تَنعقدُ إلا بجُمهورِ أهلِ الحَلِّ والعَقدِ، قالَ أحمَدُ في رِوايةِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ: الإمامُ: الذي يَجتمعُ قولُ أهلِ الحَلِّ والعقدِ عليهِ كلُّهم يَقولُ: هذا إمامٌ، وظاهرُ هذا أنها تَنعقدُ بجَماعتِهم.

ورُويَ عنه -أي الإمام أحمَدَ- ما دَلَّ على أنها تَثبتُ بالقهرِ والغَلبةِ ولا تَفتقرُ إلى العَقدِ، فقالَ في رِوايةِ عَبدوسَ بنِ مالكٍ العطَّارِ: ومَن غلَبَ عليهِم بالسَّيفِ حتى صارَ خَليفةً وسُمِّيَ أميرَ المُؤمنينَ فلا يَحلُّ لأحَدٍ يُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ أنْ يَبيتَ ولا يَراهُ إمامًا، بَرًّا كانَ أو فاجِرًا، وقالَ أيضًا في رِوايةِ أبي الحارث في الإمامِ يَخرجُ عليهِ مَنْ يَطلبُ المُلكَ فيكونُ مع هذا قَومٌ ومع هذا قَومٌ: تكونُ الجُمعةُ مع مَنْ غلَبَ، واحتَجَّ بأنَّ ابنَ عُمرَ صلَّى بأهلِ المَدينةِ في زَمنِ الحرَّةِ وقالَ: نَحنُ مع مَنْ غلَبَ.

وَجهُ الرِّوايةِ الأُولى: أنه لمَّا اختَلفَ المهاجِرونَ والأنصارُ فقالَتِ

(١) «المغني» (٩/ ٥)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٧٨)، و «المبدع» (١٠/ ١٠، ١١)، و «كشاف القناع» (٦/ ٢٠٢).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 81 - 83

ارجع إلى ما تنعقد به الإمامة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله