الحج عن الغير

الإسلام > الحج والعمرة > أحكام خاصة بالحج > الحج عن الغير

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

الحج عن الغير - الأقوال والأدلة

الحَجُّ عن الغيرِ: (١)

مَشروعيَّةُ الحَجِّ عن الغيرِ:

اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ مَشروعيَّةِ الحَجِّ عن الغيرِ، هل يَجوزُ لِلإنسانِ أنْ يحُجَّ عن غيرِه عندَ عَجزِه أو مَوتِه أو لا يَجوزُ؟

فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى مَشروعيَّةِ الحَجِّ عن الغيرِ، وقابِليَّتِه للنِّيابةِ.

واستدَلُّوا على مَشروعيَّةِ ذلك بالسُّنةِ الثابِتةِ المَشهورةِ وبالعَقلِ.

أمَّا السُّنةُ: فمنها حَديثُ ابنِ عَباسٍ رضي الله عنهما قالَ: «جاءَت امرَأةٌ من خَثعَمَ عامَ حَجةِ الوَداعِ قالت: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ فَريضةَ اللهِ على عِبادِه في الحَجِّ أدرَكَت أبي شَيخًا كَبيرًا لا يَستطيعُ أنْ يَستَويَ على الراحِلةِ، فهل يَقضي عنه أنْ أحُجَّ عَنه؟ قال: نَعمْ» (٢).

وعن ابنِ عَباسٍ أيضًا: «أنَّ امرَأةً من جُهَينةَ جاءَت إلى النَّبيِّ فقالت: إنَّ أُمِّي نذَرت أنْ تحُجَّ فلم تحُجَّ حتى ماتَت، أفَأحجُّ عَنها؟ قال: نَعمْ، حُجِّي عَنها، أرَأيتِ لو كان على أُمِّكِ دَينٌ أكُنتِ قاضِيتَه؟

(١) (١٢/ ١٥)، و «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٢/ ٣٤، ٣٥)، و «المجموع» (١/ ١٣)، و «شرح مسلم» (٦/ ٧٦، ٧٨)، و «نهاية المحتاج» (٣/ ٣١٧)، و «مغني المحتاج» (١/ ٥١٠)، و «الإفصاح» (١/ ١٠٣، ٥٢١)، و «المغني» (٣/ ٢٥٢)، و «كشاف القناع» (١/ ١٩٧) و (٢/ ٤٨٣، ٥١٣) ..
(٢) حَديثٌ صَحيحٌ: سبَق تَخريجُه.

اقْضُوا اللهَ، فاللهُ أَحقُّ بالوَفاءِ» (١)، وغيرُ ذلك من الأحاديثِ مثلَ حَديثِ أبي رَزينٍ العُقَيليِّ، وقد سبَق بَيانُه.

وأمَّا المَعقولُ: فإنَّ العِباداتِ أنواعٌ: ماليَّةٌ مَحضةٌ كالزَّكاةِ، وبَدنيَّةٌ مَحضةٌ كالصَّلاةِ، ومُركَّبةٌ منهما كالحَجِّ، والنِّيابةُ تَجري في النَّوعِ الأولِ في حالَتيْ الاختيارِ والضَّرورةِ لِحُصولِ المَقصودِ بفِعلِ النائبِ، ولا تَجري في النَّوعِ الثاني بحالٍ؛ لأنَّ المَقصودَ -وهو إتعابُ النَّفسِ- لا يَحصلُ به، وتَجري في النَّوعِ الثالثِ عندَ العَجزِ للمَعنى الثاني وهو المَشقَّةُ بتَنقيصِ المال، ولا تَجري عندَ القُدرةِ لعَدمِ إتعابِ النَّفسِ (٢).

قال الكَمالُ بنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: وكان مُقتَضى القياسِ ألَّا تَجريَ النِّيابةُ في الحَجِّ، لتَضمُّنِه المَشقَّتيْن، البَدنيَّةَ والماليَّةَ، والأُولى لم تَقمْ بالأمرِ، لكنَّه (تعالى) رخَّص في إسقاطِه بتَحمُّلِ المَشقَّةِ الأُخرى، أعني إخراجَ المالِ عندَ العَجزِ المُستمِرِّ إلى المَوتِ رَحمةً وفَضلًا، وذلك بأن يَدفعَ نفَقةَ الحَجِّ إلى من يحُجَّ عنه، بخِلافِ حالةِ القُدرةِ؛ فإنَّه لم يَعذِرْه؛ لأنَّ تَركَه ليسَ إلا لمُجرَّدِ إيثارِ راحةِ نَفسِه على أمرِ رَبِّه، وهو بهذا يَستحِقُّ العِقابَ، لا التَّخفيفَ في طَريقِ الإسقاطِ، وإنَّما شُرِطَ دَوامُه (أي: العُذرُ) إلى المَوتِ؛ لأنَّ الحَجَّ فَرضُ العُمرِ (٣).

(١) حَديثٌ صَحيحٌ: سبَق تَخريجُه.
(٢) «الهداية شرح البداية» (١/ ١٨٣).
(٣) «فتح القدير» (٢/ ٣١٠).

وقال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: هذه عِبادةٌ تَجبُ بإفسادِها الكَفارةُ، فجازَ أنْ يَقومَ غيرُ فِعلِه فيها مَقامَ فِعلِه، كالصَّومِ إذا عجَز عنه افتَدى، بخِلافِ الصَّلاةِ (١).

وذهَب المالِكيةُ في المُعتمدِ إلى أنَّ الحَجَّ لا يَقبَلُ النِّيابةَ، لا عن الحَيِّ ولا عن المَيتِ، مَعذورًا أو غيرَ مَعذورٍ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى قال: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وهذا غيرُ مُستطيعٍ، ولأنَّ هذه عِبادةٌ لا تَدخلُها النِّيابةُ مع القُدرةِ، فلا تَدخلُها مع العَجزِ، كالصَّومِ والصَّلاةِ.

قال القَرافيُّ رحمة الله عليه: ومالكٌ يَلحَظُ أنَّ المالَ فيه عارِضٌ بدَليلِ المَكيِّ يحُجُّ بغيرِ مالٍ، بل عُروضُ المالِ في الحَجِّ كعُروضِ المالِ في صَلاةِ الجُمُعةِ لِمن دارُه بَعيدةٌ عن المَسجدِ، فيَكتَري دابَّةً يَصِلُ عليها لِلمَسجدِ، ولمَّا لم تَجزْ صَلاةُ الجُمُعةِ عن الغيرِ فكذلك الحَجُّ (٢).

وقالوا: إنَّ الأفضلَ أنْ يَتطوَّعَ عنه وَليُّه بغيرِ الحَجِّ، كأنْ يُهديَ أو يَتصدَّقَ عنه، أو يَدعوَ له (٣).

(١) «المغني» (٤/ ٣١٨)، و «مغني المحتاج» (١/ ٤٦٨)، و «الإفصاح» (١/ ٤٥٣).
(٢) «الفروق» (٣/ ٣٣٨، ٣٣٩).
(٣) «مواهب الجليل» (٢/ ٥٤٣)، و «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٢/ ١٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الحج
فصل

فَصْلٌ

: فَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الْحَجِّ فَوُجُوبُهُ مُعْتَبَرٌ بِخَمْسَةِ شُرُوطٍ:

أَحَدُهَا: الْبُلُوغُ لِأَنَّ غَيْرَ الْبَالِغِ لَا حَجَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثلاثٍ وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَلِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ إِذَا بَلَغَ " . فَلَوْ كَانَ الصَّبِيُّ مِنْ أَهْلِ الْحَجِّ لَسَقَطَتِ الْإِعَادَةُ عَنْهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ.

وَالشَّرْطُ الثَّانِي: الْعَقْلُ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَا حَجَّ عَلَيْهِ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ، وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ " وَذَكَرَ فِيهَا الْمَجْنُونَ حَتَّى يُفِيقَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَإِنْ كَانَ يُجَنُّ، وَيُفِيقُ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ، فَإِذَا حَجَّ مُفِيقًا أَجْزَأَ عَنْهُ.

وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: الْحُرِّيَّةُ، لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا حَجَّ عَلَيْهِ لِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: أَيُّمَا عبدٍ حَجَّ قَبْلَ أَنْ يُعْتَقَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ إِذَا عُتِقَ.

وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ: الْإِسْلَامُ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا حَجَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: أَيُّمَا أَعْرَابِيٍّ حَجَّ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ إِذَا هَاجَرَ يَعْنِي بِالْهِجْرَةِ الْإِسْلَامَ.

وَالشَّرْطُ الْخَامِسُ: الِاسْتِطَاعَةُ وَهِيَ ضَرْبَانِ:

اسْتِطَاعَةُ مَكَانٍ.

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحج
فصل ركن الحج

عَاقِلًا بَالِغًا حُرًّا؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إلَى مَكَّةَ إلَّا بِحَرَجٍ، فَإِذَا تَحَمَّلَ الْحَرَجَ، وَقَعَ مَوْقِعَهُ كَالْفَقِيرِ إذَا حَجَّ، وَالْعَبْدِ إذَا حَضَرَ الْجُمُعَةَ فَأَدَّاهَا؛ وَلِأَنَّهُ إذَا وَصَلَ إلَى مَكَّةَ صَارَ كَأَهْلِ مَكَّةَ فَيَلْزَمُهُ الْحَجُّ بِخِلَافِ الْعَبْدِ، وَالصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ فَإِنَّ الْعَبْدَ، وَالصَّبِيَّ لَيْسَا مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الْحَجِّ، وَالْمَجْنُونُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ أَصْلًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحج
٥٤٣ - مسألة؛ قال: (ومن حج وهو غير بالغ، فبلغ، أو عبد فعتق، فعليه الحج)

وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. قال التِّرْمِذِىُّ: وقد أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عليه. وقال الإمامُ أحمدُ، عن محمدِ بن كَعْبٍ القُرَظِىِّ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إنِّى أُرِيدُ أنْ أُجَدِّدَ فى صُدُورِ المُؤْمِنِينَ عَهْدًا، أَيُّمَا صَبِىٍّ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ فَمَاتَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ، فَإِنْ أَدْرَكَ فَعَلَيْهِ الحَجُّ، وأيّما مَمْلُوكٍ حَجَّ به أَهْلُه، فَماتَ، أجْزَأَتْ عَنْهُ، فَإنْ أُعْتِقَ، فَعَلَيْهِ الحَجُّ" . رَوَاهُ سَعِيدٌ، فى "سُنَنِه" ، والشَّافِعِىُّ، فى "مُسْنَدِه" ، عن ابنِ عَبَّاسٍ من قَوْلِه . ولأنَّ الحَجَّ عِبادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فَعَلَها قبل وَقْتِ وُجُوبِها، فلم يَمْنَعْ ذلك وُجُوبَها عليه فى وَقْتِها، كما لو صَلَّى قبلَ الوَقْتِ، وكما لو صَلَّى، ثمَّ بَلَغ فى الوَقْتِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 333 - 335

ارجع إلى أحكام خاصة بالحج للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 3 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 4.9 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل