الإسلام > الحج والعمرة > أركان الحج > الركن الثالث: طواف الزيارة (الإفاضة)
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 20 دقيقة قراءةالرُّكنُ الثالِثُ: طَوافُ الزِّيارةِ (الإفاضةُ):
طَوافُ الزِّيارةِ يُؤدِّيه الحاجُّ بعدَ أنْ يُفيضَ من عَرفةَ ويَبيتَ بالمُزدَلفةِ، ويَأتيَ منًى يومَ العيدِ فيَرميَ، ويَنحرَ، ويَحلِقَ أو يُقصِّرَ، ثم بعدَ ذلك يُفيضَ إلى مكةَ فيَطوفَ بالبَيتِ، سُمِّيَ طَوافَ الزِّيارةِ؛ لأنَّ الحاجَّ يَأتي من منًى فيَزورُ البَيتَ ولا يُقيمُ بمكةَ، بل يَرجعُ ليَبيتَ بمنًى، ويُسمَّى أيضًا طَوافَ الإفاضةِ؛ لأنَّ الحاجَّ يَفعلُه عندَ إفاضَتِه من منًى إلى مكةَ (١).
وعَددُ أشواطِ الطَّوافِ سَبعةٌ، وكلُّها رُكنٌ عندَ الجُمهورِ؛ لأنَّ مَقاديرَ العِباداتِ لا تُعرَفُ بالرَّأيِ، والاجتِهادِ، وإنَّما تُعرَفُ بالتَّوقيفِ، ورَسولُ اللهِ ﷺ طافَ سَبعةَ أشواطٍ، فلا يُعتَدَّ بما دونَها.
وقال الحَنفيةُ: الرُّكنُ هو أكثرُ الأشواطِ، وهو ثَلاثةُ أشواطٍ، وأكثرُ الشَّوطِ الرابِعِ، فأمَّا الإكمالُ فواجبٌ يَنجبِرُ بالدَّمِ، فلو جامَع بعدَ الإتيانِ بأكثرِ الطَّوافِ قبلَ الإتمامِ لا يَلزمُه البَدنةُ عندَهم، وإنَّما تَلزمُه شاةٌ.
قال الكاسانيُّ رحمة الله عليه: لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، والأمرُ المُطلقُ لا يَقتَضي التَّكرارَ، إلا أنَّ الزِّيادةَ على المرَّةِ الواحِدةِ على أكثرِ الأشواطِ ثبَت بدَليلٍ آخرَ، وهو الإجماعُ، ولا إجماعَ في الزِّيادةِ على أكثرِ الأشواطِ، ولأنَّه أتى بأكثرِ الطَّوافِ، والأكثرُ يَقومُ مَقامَ الكلِّ فيما يَقعُ به التَّحلُّلُ في بابِ الحَجِّ كالذَّبحِ إذا لم يَستَوفِ قَطعَ العُروقِ
(١) «المغني» (٥/ ٦١).
الأربَعةِ، وإنَّما كان المَفروضُ هذا القَدرَ، فإذا أتى به فقد أتى بالقَدرِ المَفروضِ؛ فيَقعُ به التَّحلُّلُ، فلا يَلزمُه البَدنةُ بالجِماعِ بعد ذلك؛ لأنَّ ما زادَ عليه إلى تَمامِ السَّبعةِ فهو واجبٌ، وليس بفَرضٍ، فتَجبُ بتَركِه الشاةُ دونَ البَدنةِ كرَميِ الجِمارِ، واللهُ ﷾ أعلمُ (١).
واختلَف الفُقهاءُ هل يَلزمُه المَشيُ عندَ القُدرةِ عليه أو يَجوزُ السَّعيُ راكبًا أو مَحمولًا؟
فذهَب الحَنفيةُ والمالِكيةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَجبُ المَشيُ في الطَّوافِ على القادِرِ عليه فإنْ ترَكه مع القُدرةِ أجزَأه، ولكنْ يَلزمُه الدَّمُ.
أمَّا الجَوازُ فلأنَّ الفَرضَ حُصولُه كائنٌ حولَ البَيتِ؛ وقد حصَل، وأمَّا لُزومُ الدَّمِ فلتَركِه الواجبَ، وهو المَشيُ بنَفسِه مع القُدرةِ عليه؛ فدخَله نَقصٌ، فيَجبُ جَبرُه بالدَّمِ، وإذا كان عاجِزًا عن المَشي لا يَلزمُه شيءٍ؛ لأنَّه لم يَترُكِ الواجبَ، إذْ لا وُجوبَ مع العَجزِ (٢).
قال الإمامُ السَّرخَسيُّ رحمة الله عليه: وإنْ طافَ راكِبًا أو مَحمولًا فإنْ كان لعُذرٍ من مَرضٍ أو كِبَرٍ لم يَلزمْه شيءٌ، وإنْ كان لغيرِ عُذرٍ أعادَه ما دامَ بمكةَ، فإنْ رجَع إلى أهلِه فعليه الدَّمُ عندَنا، وعلى قولِ الشافِعيِّ رضي الله عنه لا شيءَ عليه؛ لأنَّه صحَّ في الحَديثِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ طافَ للزِّيارةِ يومَ
(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ٧٣)، و «المجموع» (٨/ ١٦١)، و «المغني» (٥/ ٦١، ٩٤).
(٢) «بدائع الصنائع» (٣/ ٦٠)، و «الاستذكار» (٤/ ٢١٤)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ٧٩٦)، و «بلغة السالك» (٢/ ٣١)، و «شرح الزركشي» (١/ ٥٢٥).
النَّحرِ على ناقَتِه واستلَم الأركانَ بمِحجَنِه، ولكنَّا نَقولُ: التَّوارثُ من لَدُنْ رَسولِ اللهِ ﷺ إلى يومِنا هذا الطَّوافُ ماشيًّا.
وعلى هذا -على قولِ من يجعَلُه كالصَّلاةِ- عليه الدَّمُ؛ لأنَّ أداءَ المَكتوبةِ راكِبًا من غيرِ عُذرٍ لا يَجوزُ، فكانَ يَنبَغي ألَّا يُعتدَّ بطَوافِ الراكِبِ من غيرِ عُذرٍ، ولكنَّا نَقولُ: المَشيُ شَرطُ الكَمالِ فيه، فتَركُه من غيرِ عُذرٍ يُوجِبُ الدَّمَ لِما بيَّنا.
فأمَّا تَأويلُ الحَديثِ فقد ذكَر أبو الطُّفَيلِ رحمة الله عليه أنَّه طافَ راكِبًا لوجَعٍ أصابَه، وهو أنَّه وثَبت رِجلُه، فلهذا طافَ راكِبًا.
وذكَر ابنُ أبي الزُّبيرِ عن جابرٍ رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ ﷺ إنَّما طافَ راكِبًا ليُشاهِدَه الناسُ فيَسألوه عن حَوادثِهم، وقيلَ: إنَّما طافَ راكِبًا لكِبَرِ سِنِّه، وعندَنا إذا كان لعُذرٍ فلا بأسَ به، وكذلك إذا طافَ بينَ الصَّفا والمَروةِ مَحمولًا أو راكِبًا، وكذلك لو طافَ الأكثرَ راكِبًا أو مَحمولًا فالأكثرُ يَقومُ مَقامَ الكلِّ على ما بينَا (١).
وقال الإمامُ الدُّسوقيُّ رحمة الله عليه: قولُه: (إذْ هو واجبٌ … إلخ)، حاصِلُه أنَّ المَشيَ في كلٍّ من الطَّوافِ والسَّعيِ واجبٌ على القادِرِ عليه، فلا دَمَ على عاجِزٍ طافَ أو سعَى راكِبًا أو مَحمولًا.
وأمَّا القادِرُ إذا طافَ أو سعَى مَحمولًا أو راكِبًا فإنَّه يُؤمَرُ بإعادَتِه ماشيًا
(١) «المبسوط» (٤/ ٤٤، ٤٥).
ما دامَ بمكةَ، ولا يُجبَرُ بالدَّمِ حينَئذٍ، كما يُؤمَرُ العاجزُ بإعادَتِه إنْ قدِر ما دامَ بمكةَ، وإنْ رجَع لبَلدِه لا يُؤمَرُ بالعَودِ لإعادَتِه، ويَلزمُه دَمٌ، فإنْ رجَع وأعادَه ماشيًا سقَط الدَّمُ عنه.
قولُه: (في الواجبِ)؛ أي: في الطَّوافِ الواجبِ، وأمَّا الطَّوافُ غيرُ الواجبِ فالمَشيُ فيه سُنةٌ، وحينَئذٍ لا دَمَ على تارِكِ المَشيِ فيه.
قولُه: (وأمَّا العاجزُ فلا دَمَ عليه)؛ قال: ولا يُشترَطُ في العاجزِ عَدمُ القُدرةِ بالكلِّيةِ، بل المَرضُ الذي يَشقُّ معه المَشيُ، كما في التَّوضيحِ عن ابنِ عبدِ السَّلامِ (١).
وذهَب الشافِعيةُ والإمامُ أحمدُ في الرِّوايةِ الأُخرى إلى أنَّ المَشيَ في الطَّوافِ سُنةٌ، وهو اختيارُ ابنِ عبدِ البرِّ من المالِكيةِ.
قال النَّوويُّ رحمة الله عليه: نقَل الماوَرديُّ إجماعَ العُلماءِ على أنَّ طَوافَ الماشي أوْلى من طَوافِ الراكِبِ، فلو طافَ راكِبًا لعُذرٍ أو غيرِه صحَّ طَوافُه، ولا دَمَ عليه عندَنا في الحالَين، وهذا هو الصَّحيحُ من مَذهبِ أحمدَ، وبه قال داودُ وابنُ المُنذرِ.
وقال مالكٌ وأبو حَنيفةَ: إنْ طافَ راكِبًا لعُذرٍ أجزَأه ولا شيءَ عليه، وإنْ طافَ راكِبًا لغيرِ عُذرٍ فعليه دَمٌ.
قال أبو حَنيفةَ: وإنْ كان بمكةَ أعادَ الطَّوافَ.
(١) «حاشية الدسوقي» (٢/ ٤٠).
واحتَجَّا بأنَّها عِبادةٌ تَتعلَّقُ بالبَيتِ، فلا يُجزِئُ فِعلُها على الراحِلةِ كالصَّلاةِ، واحتَجَّ أصحابُنا بالأحاديثِ السابِقةِ، قالوا: «إنَّما طافَ النَّبيُّ ﷺ راكِبًا لشَكوى عرَضتْ له»، كذا رَواه أبو داودَ (١) في سُننِه عن ابنِ عَباسٍ.
والجَوابُ: أنَّ الأحاديثَ الصَّحيحةَ الثابِتةَ من رِوايةِ جابرٍ وعائشةَ مُصرِّحةٌ بأنَّ طَوافَه ﷺ راكِبًا لم يَكنْ لمَرضٍ، بل كان ليَراه الناسُ ويَسألوه ولا يُزاحِموا عليه.
وأمَّا حَديثُ ابنِ عَباسٍ هذا فضَعيفٌ، وأمَّا قياسُهم على الصَّلاةِ ففاسِدٌ؛ لأنَّ الصَّلاةَ لا تَصحُّ راكِبًا إذا كانَت فَريضةً وقد سلَّموا صِحةَ الطَّوافِ، ولكنِ ادَّعوْا وُجوبَ الدَّمِ، ولا دَليلَ لهم في ذلك، واللهُ ﷾ أعلمُ (٢).
وعن الإمامِ أحمدَ رِوايةٌ ثالِثةٌ أنَّه لا يُجزِئُه مُطلقًا إنْ طافَ راكِبًا مع قُدرَتِه على المَشيِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الطَّوافُ بالبَيتِ صَلاةٌ» (٣)، ولأنَّها عِبادةٌ تَتعلَّقُ بالبَيتِ فلم يَجزْ فِعلُها راكِبًا لغيرِ عُذرٍ كالصَّلاةِ (٤).
(١) حَديثٌ ضَعيفٌ: ضعيف أبي داود (٣٣٧).
(٢) «المجموع» (٨/ ٢٧)، و «المغني» (٤/ ٥٩٣).
(٣) حَديثٌ صَحيحٌ: رواه الترمذي (١/ ١٨٠)، والدارمي (٢/ ٤٤)، وابن خزيمة (٢٧٣٩)، وابن حبان (٨٩٩).
(٤) «المغني» (٤/ ٥٩٣).
وقال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ومَن طافَ وسعَى مَحمولًا لعِلةٍ، أجزَأه، لا نَعلمُ بينَ أهلِ العِلمِ خِلافًا في صِحةِ طَوافِ الراكِبِ إذا كان له عُذرٌ، فإنَّ ابنَ عَباسٍ رَوى، «أنَّ النَّبيَّ ﷺ طافَ في حَجةِ الوَداعِ على بَعيرٍ، يَستلِمُ الرُّكنَ بمِحجَنٍ» (١). وعَن أُمِّ سَلمةَ، قالت: «شَكَوتُ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ أنِّي أشتَكي، فقال: طُوفي من وَراءِ الناسِ، وأنتِ راكِبةٌ» (٢) متَّفقٌ عليهما.
وقال جابرٌ: «طافَ النَّبيُّ ﷺ على راحِلتِه، بالبَيتِ، وبينَ الصَّفا والمَروةِ، ليَراه الناسُ، وليُشرِفَ عليهم، ليَسألوه، فإنَّ الناسَ غَشوهُ» (٣)، والمَحمولُ كالراكِبِ فيما ذكَرناه.
فَصلٌ: فأمَّا الطَّوافُ راكِبًا أو مَحمولًا لغيرِ عُذرٍ، فمَفهومُ كَلامِ الخِرقيِّ أنَّه لا يُجزِئُ، وهو إحدى الرِّواياتِ عن أحمدَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الطَّوافُ بالبَيتِ صَلاةٌ» (٤)، ولأنَّها عِبادةٌ تَتعلَّقُ بالبَيتِ، فلم يَجزْ فِعلُها راكِبًا لغيرِ عُذرٍ، كالصَّلاةِ.
والثانيةُ: يُجزِئُه، ويَجبُرُه بدَمٍ، وهو قولُ مالكٍ، وبه قال أبو حَنيفةَ، إلا أنَّه قال: يُعيدُ ما كان بمكةَ، فإنْ رجَع جبَره بدَمٍ؛ لأنَّه ترَك صِفةً واجبةً
(١) رواه البخاري (١٥٣٠)، ومسلم (١٢٧٢).
(٢) رواه البخاري (١٥٥٢)، ومسلم (١٢٧٦).
(٣) رواه مسلم (١٢٧٣).
(٤) حَديثٌ صَحيحٌ: رواه الدارمي (١٨٤٧)، والنسائي (٢٩٢٢).
في رُكنِ الحَجِّ، فأشبَهَ ما لو وقَف بعَرفةَ نَهارًا، ودفَع قبلَ غُروبِ الشَّمسِ.
والثالِثةُ: يُجزِئُه، ولا شيءَ عليه، اختارَها أبو بَكرٍ، وهي مَذهبُ الشافِعيِّ، وابنِ المُنذرِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ طافَ راكِبًا.
قال ابنُ المُنذرِ: لا قولَ لأحَدٍ مع فِعلِ النَّبيِّ ﷺ، ولأنَّ اللهَ تَعالى أمَر بالطَّوافِ مُطلقًا، فكَيفَما أتى به أجزَأه، ولا يَجوزُ تَقييدُ المُطلقِ بغيرِ دَليلٍ.
ولا خِلافَ في أنَّ الطَّوافَ راجِلًا -أي: ماشيًا على رِجلَيه- أفضلُ؛ لأنَّ أصحابَ النَّبيِّ ﷺ طافوا مَشيًا، والنَّبيَّ ﷺ في غيرِ حَجةِ الوداعِ طافَ مَشيًا، وفي قولِ أُمِّ سَلمةَ: «شَكوتُ إلى النَّبيِّ ﷺ أنِّي أشتَكي، فقال: طُوفي من وَراءِ الناسِ، وأنتِ راكِبةٌ» (١)، دَليلٌ على أنَّ الطَّوافَ إنَّما يَكونُ مَشيًا، وإنَّما طافَ النَّبيُّ ﷺ راكِبًا لعُذرٍ، فإنَّ ابنَ عَباسٍ رَوى «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كثُر عليه الناسُ يَقولونَ: هذا مُحمدٌ، هذا مُحمدٌ، حتى خرَج العَواتقُ من البُيوتِ، وكانَ رَسولُ اللهِ ﷺ لا يُضرَبُ الناسُ بينَ يَديْه، فلمَّا كثُروا عليه ركِب» رَواه مُسلمٌ.
وكذلك في حَديثِ جابرٍ، فإنَّ الناسَ غَشَوْه، ورُوي عن ابنِ عَباسٍ، «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ طافَ راكِبًا؛ لشَكاةٍ بهِ».
(١) رواه البخاري (١٥٥٢)، ومسلم (١٢٧٦).
وبهذا يَعتذِرُ من منَع الطَّوافَ راكِبًا عن طَوافِ النَّبيِّ ﷺ، والحَديثُ الأولُ أثبَتُ.
فعلى هذا يَكونُ كَثرةُ الناسِ، وشِدةُ الزِّحامِ عُذرًا، ويُحتمَلُ أنْ يَكونَ النَّبيُّ ﷺ قصَد تَعليمَ الناسِ مَناسكَهم، فلم يَتمكَّنْ منه إلا بالرُّكوبِ، واللهُ ﷾ أعلمُ.
ثمَّ قالَ: فَصلٌ: إذا طافَ راكِبًا، أو مَحمولًا، فلا رَمَلَ عليه.
وقال القاضي: يَخِبُّ به بَعيرُه، والأولُ أصَحُّ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَفعلْه، ولا أمَر به، ولأنَّ مَعنى الرَّمَلِ لا يَتحقَّقُ فيه.
فَصلٌ: فأمَّا السَّعيُ راكِبًا، فيُجزِئُه لعُذرٍ ولغيرِ عُذرٍ؛ لأنَّ المَعنى الذي منَع الطَّوافَ راكِبًا غيرُ مَوجودٍ فيه (١).
وقال ابنُ عبدِ البرِّ رحمة الله عليه: أمَّا مَنْ صلَّى وهو صَحيحٌ قادِرٌ على القيامِ جالِسًا فصَلاتُه باطِلةٌ بإجماعٍ من العُلماءِ، إذا كان إمامًا أو مُنفرِدًا، فكيف يُقاسُ على هذا الأصلِ ما فرَّقت السُّنةُ بينَهما بما ذكَرنا من حَديثِ ابنِ عَباسٍ وغيرِه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ طافَ على راحِلتِه ولم يَقلْ: إنَّ طَوافي ذلك لعُذرٍ ولا نقَل ذلك من يُوثَقُ بنَقلِه ومَعلومٌ أنَّ التَّأسِّيَ به مُباحٌ أو واجبٌ، حتى يَتبيَّنَ أنَّه له خُصوصٌ بما لا دَفعَ فيه من الخَبرِ اللَّازِمِ (٢).
(١) «المغني» (٤/ ٥٩٢، ٥٩٤).
(٢) «الاستذكار» (٤/ ٢١٤).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحج
فصل طواف الزيارة
لَا عِلَّةَ بِالسَّمَاءِ، فَوَقَفَ بِشَهَادَتِهِمَا قَوْمٌ قَبْلَ الْإِمَامِ لَمْ يَجُزْ وُقُوفُهُمْ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ أَخَّرَ الْوُقُوفَ بِسَبَبٍ يَجُوزُ الْعَمَلُ عَلَيْهِ فِي الشَّرْعِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَخَّرَ بِالِاشْتِبَاهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَأَمَّا قَدْرُهُ فَنُبَيِّنُ الْقَدْرَ الْمَفْرُوضَ، وَالْوَاجِبَ أَمَّا الْقَدْرُ الْمَفْرُوضُ مِنْ الْوُقُوفِ: فَهُوَ كَيْنُونَتُهُ بِعَرَفَةَ فِي سَاعَةٍ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ فَمَتَى حَصَلَ إتْيَانُهَا فِي سَاعَةٍ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ تَأَدَّى فَرْضُ الْوُقُوفِ سَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا بِهَا، أَوْ جَاهِلًا نَائِمًا، أَوْ يَقْظَانَ مُفِيقًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ، وَقَفَ بِهَا أَوْ مَرَّ، وَهُوَ يَمْشِي أَوْ عَلَى الدَّابَّةِ أَوْ مَحْمُولًا؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْقَدْرِ الْمَفْرُوضِ، وَهُوَ حُصُولُهُ كَائِنًا بِهَا، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَيْنَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» .
ارجع إلى أركان الحج للاطلاع على جميع المسائل.