الإسلام > الحج والعمرة > أركان الحج > حكم السعي
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 7 دقيقة قراءةوقال ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: وأجمَعوا على أنَّ السَّعيَ بينَ الصَّفا والمَروةِ يَجوزُ تَقديمُه على طَوافِ الزِّيارةِ بأنْ يُفعَل عُقيبَ طَوافِ القُدومِ، ويُجزِئُ فلا يَحتاجُ إذا طافَ طَوافَ الزِّيارةِ إلى السَّعيِ بينَ الصَّفا والمَروةِ، لا خِلافَ بينَهم فيها (١).
حُكمُ السَّعيِ:
اختلَف الفُقهاءُ في السَّعيِ هل هو رُكنٌ من أركانِ الحَجِّ فلا يُجبَرُ بالدَّمِ ولا بدَّ من الإتيانِ به أو هو واجبٌ من واجباتِ الحَجِّ يُجبَرُ بالدَّمِ إذا ترَكه أو هو سُنةٌ ولا شيءَ على مَنْ ترَكه؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنَّ السَّعيَ رُكنٌ من أركانِ الحَجِّ لا يَصحُّ بدونِه ولا يَنوبُ عنه الدَّمُ، لِما رَوى عُروةُ قال: قلتُ لِعائشةَ زَوجِ النَّبيِّ ﷺ: ما أرى على أحَدٍ لم يَطُفْ بينَ الصَّفا والمَروةِ شيئًا، وما أُبالي ألَّا أطوفَ بينَهما، قالت: بئسَ ما قُلتَ يا ابنَ أُختي، طافَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ وطافَ المُسلمونَ -يَعني بينَ الصَّفا والمَروةِ- فكانَت سُنةً، فلَعمْري ما أتَمَّ اللهُ حجَّ من لم يَطفْ بينَ الصَّفا والمَروةِ» (٢).
وعن حَبيبةَ بنتِ أبي تَجراةَ قالت: دخَلنا على دارِ أبي حُسَينٍ في نِسوةٍ من قُريشٍ والنَّبيُّ ﷺ يَطوفُ بينَ الصَّفا والمَروةِ، قالت: وهو
(١) «الإفصاح» (١/ ٢٨٠).
(٢) رواه البخاري (١٦٩٨)، ومسلم (١٢٧٧).
يَسعى يَدورُ به إزارُه من شِدةِ السَّعيِ وهو يَقولُ لِأصحابِه: «اسعَوْا إنَّ اللَّهَ كتَب عليكُم السَّعيَ» (١)، ولأنَّه نُسكٌ في الحَجِّ والعُمرةِ كان رُكنًا فيهما كالطَّوافِ بالبَيتِ (٢).
وذهَب الحَنفيةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ اختارَها القاضي ورجَّحها ابنُ قُدامةَ إلى أنَّ السَّعيَ بينَ الصَّفا والمَروةِ واجبٌ من واجباتِ الحَجِّ وليس برُكنٍ، ويُجبَرُ بالدَّمِ.
قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وهو أوْلى؛ لأنَّ دَليلَ من أوجَبه دلَّ على مُطلَقِ الوُجوبِ، لا على كَونِه لا يَتِمُّ الحَجُّ إلا به.
وقولُ عائشةَ رضي الله عنها في ذلك مُعارَضٌ بقولِ من خالَفها من الصَّحابةِ.
وحَديثُ بنتِ أبي تَجراةَ قال ابنُ المُنذرِ: يَرويه عبدُ اللهِ بنُ المُؤمِّلِ، وقد تكلَّموا في حَديثِه، ثم هو يَدلُّ على أنَّه مَكتوبٌ وهو الواجبُ (٣).
(١) حَديثٌ صَحيحٌ: رواه الأمام أحمد في «المسند» (٦/ ٤٢١، ٤٣٧)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٤/ ٢٣٢)، والدار قطني (٢/ ٢٥٥)، والحاكم (٤/ ٧٩).
(٢) «المسلك المتقسط» ص (١١٥، ١٢١)، و «شرح الرسالة» و «حاشية العدوي» (١/ ٤٧٠، ٤٧٢)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ٨٠٦)، و «الإشراف» (ص ٢٢٩)، و «المجموع» (٨/ ٦٤، ٧٨)، و «الحاوي الكبير» (٤/ ١٥٦)، و «المغني» (٤/ ٥٧٨/ ٥٧٩)، و «الفروع» (٣/ ٥٠٤)، و «كشاف القناع» (٢/ ٥٠٦)، و «شرح الزرقاني» (٢/ ٤٢٢)، و «الإفصاح» (١/ ٥٣٢)، و «بداية المجتهد» (١/ ٤٦٦)، و «الاستذكار» (٤/ ٢٢٠، ٢٢٢، ٢٣٢)، و «شرح العمدة» (٣/ ٦٢٣)، وما بعدَها.
(٣) «المغني» (٤/ ٥٧٩).
وقال الحَنفيةُ: الرُّكنيَّةُ لا تَثبتُ إلا بدَليلٍ مَقطوعٍ به، ولم يُوجدْ، وحَديثُ: «إنَّ اللَّهَ كتَب عليكم السَّعيَ فاسعَوْا» (١) لا يَنهَضُ دَليلًا على أنَّ السَّعيَ رُكنٌ، ومِثلُه لا يَزيدَ على إفادةِ الوُجوبِ، وقد قُلنا به، أمَّا الرُّكنُ فإنَّما يثبُتُ عندَنا بدَليلٍ مَقطوعٍ به.
وقال الكاسانيُّ رحمة الله عليه: وعن عائشةَ رضي الله عنها أنَّها قالت: «ما أتمَّ اللهُ حجَّ مَنْ لم يَطفْ بينَ الصَّفا والمَروةِ»، وفيه إشارةٌ إلى أنَّه واجبٌ، وليس بفَرضٍ؛ لأنَّها وَصفَت الحَجَّ بدونِه بالنُّقصانِ لا بالفَسادِ، وفَوتُ الواجبِ هو الذي يُوجِبُ النُّقصانَ، فأمَّا فَوتُ الفَرضِ فيُوجِبُ الفَسادَ والبُطلانَ، ولأنَّ الفَرضيَّةَ إنَّما تَثبتُ بدَليلٍ مَقطوعٍ به، ولا يُوجدُ ذلك في مَحِلِّ الاجتِهادِ إذا كان الخِلافُ بينَ أهلِ الدِّيانةِ.
وإذا كان واجبًا؛ فإنْ ترَكه لعُذرٍ فلا شيءَ عليه، وإنْ ترَكه لغيرِ عُذرٍ لزِمه دَمٌ؛ لأنَّ هذا حُكمُ تَركِ الواجبِ في هذا البابِ، بخِلافِ الأركانِ فإنَّها لا تَسقُطُ بالعُذرِ؛ لأنَّ رُكنَ الشَيءِ ذاتُه، فإذا لم يَأتِ به فلم يُوجدِ الشَّيءُ أصلًا؛ كأركانِ الصَّلاةِ، بخِلافِ الواجبِ (٢).
(١) حَديثٌ صَحيحٌ: رواه الطبراني في «الأوسط» (٥٠٣٢).
(٢) «بدائع الصنائع» (٣/ ٧٧)، و «الهداية» (١/ ١٤٢)، و «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٥١٤)، و «فتح القدير» (٢/ ٤٦١، ٤٦٢)، و «المغني» (٤/ ٥٧٨، ٥٧٩)، و «الفروع» (٣/ ٥٠٤).
ارجع إلى أركان الحج للاطلاع على جميع المسائل.