حكم الوقوف بنمرة أو عرنة لازدحام عرفة

الإسلام > الحج والعمرة > أركان الحج > حكم الوقوف بنمرة أو عرنة لازدحام عرفة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

حكم الوقوف بنمرة أو عرنة لازدحام عرفة - الأقوال والأدلة

وقال ابنُ عبدِ البرِّ رحمة الله عليه: أجمَع المُسلمونَ على أنَّ الوُقوفَ بعَرفةَ لَيلًا يُجزِئُ عن الوُقوفِ بالنَّهارِ، إلا أنَّ فاعِلَ ذلك عندَهم إذا لم يَكنْ مُراهِقًا ولم يَكنْ له عُذرٌ فهو مُسيءٌ، ومن أهلِ العِلمِ من رَأى عليه دَمًا، ومنهم من لم يَرَ شيئًا عليه، وجَماعةُ العُلماءِ يَقولونَ: إنَّ من وقَف بعَرفةَ لَيلًا أو نَهارًا بعدَ زَوالِ الشَّمسِ من يومِ عَرفةَ مُدرِكٌ للحَجِّ إلا مالكَ بنَ أنسٍ، فإنَّه انفرَد بقولِه الذي ذكَرناه عنه، ويَدلَّ على أنَّ مَذهبَه والفَرضَ عندَه الوُقوفُ باللَّيلِ دونَ النَّهارِ، وعندَ سائرِ العُلماءِ: اللَّيلُ والنَّهارُ في ذلك سَواءٌ إذا كان بعدَ الزَّوالِ (١).

حُكمُ الوُقوفِ بنَمِرةَ أو عُرَنةَ لازدِحامِ عَرفةَ:

ما نَراه في هذه الأزمانِ من ازدِحامٍ في المَشاعرِ وامتِلاءِ هذه المَشاعرِ بالحُجاجِ، هل يُعفِي الحاجَّ من الوُقوفِ في المَشعَرِ المُحَدَّدِ؟ فالذي عليه عامَّةُ أهلِ العِلمِ الحَنفيةُ (٢) والشافِعيةُ (٣) والحَنابلةُ (٤) وبعضُ المالِكيةِ (٥)، بل حُكيَ فيه الإجماعُ أنه لا يَجوزُ الوُقوفُ بنَمِرةَ ووادي عُرَنةَ.

قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وليس وادي عُرَنةَ من المَوقفِ ولا يُجزِئُه الوُقوفُ فيه.

(١) «الاستذكار» (٤/ ٢٨٣).
(٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٢٥)، و «شرح فتح القدير» (٢/ ٤٨٤).
(٣) «المجموع» (٨/ ١٠٥، ١٠٦).
(٤) «المغني» (٥/ ١٥).
(٥) «التمهيد» (٢٤/ ٤٢٠، ٤٢١)، و «تفسير القرطبي» (٢/ ٤١٨).

قال ابنُ عبدِ البرِّ: أجمَع العُلماءُ على أنَّ من وقَف به لا يُجزِئُه، وحُكيَ عن مالكٍ أنَّه يُهريقُ دَمًا وحَجُّه تامٌّ.

ولَنا: قولُ النَّبيِّ : «عَرفةُ كلُّها مَوقفٌ، وارتَفِعوا عن بَطنِ عُرَنةَ» (١)؛ ولأنَّه لم يَقِفْ بعَرفةَ، فلم يُجزِئْه (٢).

وقال ابنُ عبدِ البرِّ رحمة الله عليه: واختلَف الفُقهاءُ فيمَن وقَف من عَرفةَ بعُرَنةَ فقال مالكٌ فيما ذكَر ابنُ المُنذرِ عنه: يُهريقُ دَمًا وحَجُّه تامٌّ. وهذه رِوايةٌ رَواها خالِدُ بنُ نِزارٍ عن مالكٍ.

قال أبو إسحاقَ بنُ شَعبانَ: عُرَنةُ مَوضعُ المَمرِّ من عَرفةَ، ثم ذلك الوادي من فِناءِ المَسجدِ إلى مكةَ إلى العَلم المَوضوعِ للحَرمِ، قال: وعَرفةُ كلُّ سَهلٍ وجَبلٍ أقبَل على المَوقفِ فيما بينَ التِّلعةِ إلى أنْ يُفْضوا إلى طَريقِ نُعمانَ وما أقبَل من كبكَبٍ من عَرفةَ.

وذكَر أبو المُصعَبِ أنَّه كمَن لم يَقِفْ، وحَجُّه فائتٌ، وعليه الحَجُّ من قابِلٍ إذا وقَف ببَطنِ عُرَنةَ.

ورُوي عن ابنِ عَباسٍ قال: من أفاضَ من عُرَنةَ فلا حجَّ له.

وقال القاسِمُ وسالِمٌ: من وقَف بعُرَنةَ حتى دفَع فلا حجَّ له.

(١) حَديثٌ صَحيحٌ: رواه أحمد في «المسند» (٤/ ٨٢)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٤/ ٢٥٤).
(٢) «المغني» (٥/ ١٥).

وذكَر ابنُ المُنذرِ هذا القولَ عن الشافِعيِّ قال: وبه أقولُ؛ لأنَّه لا يُجزئُه أنْ يَقفَ بمَكانٍ أمَر رَسولُ اللهِ ألَّا يَقفَ به.

قال أبو عُمرَ: قد ذكَرنا أنَّ الاستِثناءَ لبَطنِ عُرَنةَ من عَرفةَ لم يَجئْ مَجيئًا تَلزمُ حُجَّتُه لا من جِهةِ النَّقلِ ولا من جِهةِ الإجماعِ، والذي ذكَر المُزنيُّ عن الشافِعيِّ قال: ثم يَركبُ فيَروحُ إلى المَوقفِ عندَ الصَّخراتِ ثم يَستقبِلُ القِبلةَ بالدُّعاءِ، قال: وحيثُما وقَف الناسُ من عَرفةَ أجزَأهم؛ لأنَّ النَّبيَّ قال: «هذا مَوقِفٌ، وكلُّ عَرفةَ مَوقفٌ».

قال أبو عُمرَ: ومن حُجَّةِ من ذهَب مَذهبَ أبي المُصعَبِ أنَّ الوُقوفَ بعَرفةَ فَرضٌ مُجتمَعٌ عليه في مَوضعٍ مُعيَّنٍ، فلا يَجوزُ أداؤُه إلا بيَقينٍ، ولا يَقينَ مع الاختِلافِ (١).

وقال الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: واعلَمْ أنَّه ليس من عَرفاتٍ وادي عُرَنةَ ولا نَمِرةُ ولا المَسجدُ المُسمَّى مَسجدَ إبراهيمَ، ويُقالُ له أيضًا: مَسجدُ عُرَنةَ، بل هذه المَواضعُ خارِجةٌ عن عَرفاتٍ على طَرفِها الغَربيِّ مما يلي مُزدَلفةَ ومنًى ومكةَ.

هذا الذي ذكَرتُه من كَونِ وادي عُرَنةَ ليس من عَرفاتٍ لا خِلافَ فيه، نصَّ عليه الشافِعيُّ، واتَّفَق عليه الأصحابُ.

وأما نَمِرةُ فليست أيضًا من عَرفاتٍ، بل بقُربِها، هذا هو الصَّوابُ الذي نصَّ عليه الشافِعيُّ في مُختصَرِ الحَجِّ الأوسَطِ وفي غيرِه، وصرَّح به أبو عَليٍّ

(١) «التمهيد» (٢٤/ ٤٢٠، ٤٢١).

البَندَنيجيُّ والأصحابُ ونقَله الرافِعيُّ عن الأكثَرينَ، قال: وقال صاحِبُ الشامِلِ وطائفةٌ: هي من عَرفاتٍ.

وهذا الذي نقَله غَريبٌ ليسَ بمَعروفٍ، ولا هو في الشامِلِ ولا هو صَحيحٌ، بل إنكارٌ للحِسِّ، ولِما تَطابقَت عليه كُتبُ العُلماءِ.

وأما مَسجدُ إبراهيمَ فقد نصَّ الشافِعيُّ على أنَّه ليس من عَرفاتٍ، وأنَّ من وقَف به لم يَصِح وُقوفُه.

هذا نصُّه، وبه قطَع الماوَرديُّ والمُتولِّي وصاحِبُ البَيانِ وجُمهورُ العِراقيّينَ.

وقال جَماعةٌ من الخُراسانيِّينَ، منهم الشَّيخُ أبو مُحمدٍ الجُوَينيُّ والقاضي حُسينٌ في تَعليقِه، وإمامُ الحَرمَين والرافِعيُّ: مُقدَّمُ هذا المَسجدِ من طَرفِ وادي عُرَنةَ لا في عَرفاتٍ، وآخِرُه في عَرفاتٍ، قالوا فمَن في مُقدَّمِه لم يَصحّ وُقوفُه، ومَن وقَف في آخرِه صحَّ وُقوفُه، قالوا: ويَتميَّزُ ذلك بصَخراتٍ كبارٍ فُرِشت هُناكَ.

قال الشَّيخُ أبو عَمرِو بنُ الصَّلاحِ: وَجهُ الجَمعِ بينَ كَلامِهم ونَصِّ الشافِعيِّ أنْ يَكونَ زِيدَ في المَسجدِ بعدَ الشافِعيِّ هذا القَدرُ الذي ذكَره واللهُ أعلمُ.

قلتُ: قال الأزرَقيُّ في هذا المَسجدِ ذَرعٌ سِعَتُه من مُقدَّمِه إلى مُؤخَّرِه مِئةُ ذِراعٍ وثلاثٌ وسِتونَ ذِراعًا، قال: ومِن جانبِه الأيمَنِ إلى جانبِه الأيسَرِ من عَرفةَ والطَّريقِ مِئَتا ذِراعٍ وثَلاثَ عَشرةَ ذِراعًا، قال: وله مِئةُ شُرفةٍ وثَلاثُ

شُرُفاتٍ، وله عَشَرةُ أبوابٍ، قال: ومِن حَدِّ الحَرمِ إلى مَسجدِ عُرَنةَ ألفُ ذِراعٍ وسِتُّمئةٍ وخَمسُ أذرُعٍ.

قال: ومِن مَسجدِ عَرفاتٍ هذا إلى مَوقفِ النَّبيِّ ميلٌ، واللهُ أعلمُ.

واعلَمْ أنَّ عُرَنةَ ونَمِرةَ بينَ عَرفاتٍ والحَرمِ ليستا من واحدٍ منهما، وأمَّا: جَبلُ الرَّحمةِ ففي وسَطِ عَرفاتٍ.

فإذا علِمتَ عَرفاتٍ بحُدودِها، فقد قال الماوَرديُّ: قال الشافِعيُّ حيثُ وقَف الناسُ من عَرفاتٍ في جَوانبِها ونَواحيها وجِبالِها وسُهلِها وبِطاحِها وأوديَتِها وسُوقِها المَعروفةِ بذي المَجازِ أجزَأه، قال: فأمَّا إنْ وقَف بغيرِ عَرفاتٍ مِنْ وَرائها أو دونِها عامِدًا أو ناسيًا أو جاهِلًا بها فلا يُجزِئُه، وقال مالكٌ: يُجزِئُه وعليه دَمٌ، واللهُ أعلمُ (١).

وقال في مَوضعٍ آخرَ: لو وقَف ببَطنِ عُرَنةَ لم يَصِح وُقوفُه عندَنا، وبه قال جَماهيرُ العُلماءِ، وحَكى ابنُ المُنذرِ وأصحابُنا عن مالكٍ أنَّه يَصحُّ ويَلزمُه دَمٌ.

وقال العبدَريُّ: هذا الذي حَكاه أصحابُنا عن مالكٍ لم أرَه له، بل مَذهبُه في هذه المَسألةِ كمَذهبِ الفُقهاءِ أنَّه لا يُجزِئُه، قال: وقَد نصَّ أصحابُه على أنَّه لا يَجوزُ أنْ يَقفَ بعُرَنةَ (٢).

(١) «المجموع» (٨/ ١٠٥، ١٠٦).
(٢) «المجموع» (٨/ ١١٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الحج
باب من لم يدرك عرفة

باب من لم يدرك عرفة

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: " أَخْبَرَنَا أنسٌ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: " وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ عَرَفَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَلْيَأْتِ الْبَيْتَ وَلْيَطُفْ بِهِ وَلْيَسْعَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ لِيَحْلِقْ أَوْ يُقَصِّرْ إِنْ شَاءَ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَنْحَرْهُ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ وَيَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ فَإِذَا أَدْرَكَ الْحَجَّ قَابِلًا فَلْيَحْجُجْ وَلْيُهْدِ " وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ وَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ " اصْنَعْ مَا يَصْنَعُ الْمُعْتَمِرُ ثُمَ قَدْ حَلَلْتَ فَإِذَا أَدْرَكْتَ الْحَجَّ قَابِلًا فاحجج وأهد ما استيسر من الهدي " وقال عمر رضي الله عنه أيضاًَ لهبار بن الأسود مثل معنى ذلك وزاد " فإن لم تجد هدياً فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أيامٍ فِي الْحَجِّ وسبعةٍ إِذَا رجعت " (قال الشافعي) فبهذا كله نأخذ (قال) وفي حديث عمر دلالة أنه استعمل أبو أيوب عمل المعتمر لا إن إحرامه صار عمرة " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَذَكَرْنَا حُكْمَ فَوَاتِ الْحَجِّ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ وَذَكَرْنَا الْخِلَافَ فِيهِ وَاسْتَوْفَيْنَا الحجاج عليه ولم يُحْتَجْ إِلَى إِعَادَتِهِ وَإِنَّمَا قَدَّمَ الشَّافِعِيُّ تَحْدِيدَ الْمَذْهَبِ وَأَفْرَدَ هَذَا الْبَابَ بِذِكْرِ الْحِجَاجِ وَقَدْ مضيا معاً وبالله التوفيق.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 175 - 179

ارجع إلى أركان الحج للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.8 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله