أحكام الإحصار

الإسلام > الحج والعمرة > الإحصار > أحكام الإحصار

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

أحكام الإحصار - الأقوال والأدلة

أحكامُ الإحصارِ:

تَندرِجُ أحكامُ الإحصارِ في أمرَين: في التَّحلُّلِ، وما يَجبُ على المُحصَرِ بعدَ التَّحلُّلِ.

التَّحلُّلُ:

تَعريفُ التَّحلُّلِ:

التَّحلُّلُ لُغةً: أنْ يَفعلَ الإنسانُ ما يَخرجُ به من الحُرمةِ (١).

واصطِلاحًا: هو فَسخُ الإحرامِ، والخُروجُ منه بالطَّريقِ المَوضوعِ له شَرعًا (٢).

جَوازُ التَّحلُّلِ لِلمُحصَرِ:

إذا تَحقَّق للمُحرِمِ وَصفُ الإحصارِ فإنَّه يَجوزُ له التَّحلُّلُ باتِّفاقِ العُلماءِ، كلٌّ حسبَ الأسبابِ التي يَعدُّها مُوجِبةً لتَحقيقِ الإحصارِ الشَّرعيِّ.

والأصلُ في الإحرامِ وُجوبُ المُضيِّ على المُحرِمِ في النُّسكِ الذي أحرَم به، وألَّا يَخرجَ من إحرامِه إلا بتَمامِ مُوجِبِ هذا الإحرامِ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، لكنْ جازَ التَّحلُّلُ للمُحصَرِ قبلَ إتمامِ مُوجِبِ إحرامِه استِثناءً من هذا الأصلِ، لِما دلَّ عليه الدَّليلُ الشَّرعيُّ.

وهو قولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ووَجهُ

(١) «المصباح المنير» مادة (حلل).
(٢) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٩٥).

الاستِدلالِ بالآيةِ: أنَّ الكَلامَ على تَقديرِ مُضمَرٍ، قال الكاسانيُّ رحمة الله عليه: مَعناه -واللهُ أعلمُ-: فإنْ أُحصِرتُم عن إتمامِ الحَجِّ والعُمرةِ، وأرَدتُم أنْ تَحِلُّوا فاذبَحوا ما تَيسَّر من الهَديِ؛ إذِ الإحصارُ نَفسُه لا يُوجِبُ الهَديَ.

والدَّليلُ على هذا التَّقديرِ أنَّ الإحصارَ نَفسَه لا يُوجِبُ الهَديَ، ألَا تَرى أنَّ له أنْ يَتحلَّلَ ويَبقَى مُحرِمًا كما كان إلى أنْ يَزولَ المانِعُ فيَمضيَ في مُوجِبِ الإحرامِ، وهو كقولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، معناه: فمَن كان منكم مَريضًا أو به أذًى من رَأسِه فحلَق، وإلا فكَونُ الأذَى في رَأسِه لا يُوجِبُ الفِديةَ … ولأنَّ المُحصَرَ مُحتاجٌ إلى التَّحلُّلِ؛ لأنَّه مُنع عن المُضيِّ في مُوجِبِ الإحرامِ على وَجهٍ لا يُمكِنُه الدَّفعُ، فلو لم يَجزْ له التَّحلُّلُ لَبقِي مُحرِمًا لا يَحلُّ له ما حظَره الإحرامُ إلى أنْ يَزولَ المانِعُ، فيَمضيَ في مُوجِبِ الإحرامِ، وفيه من الضَّررِ والحَرجِ ما لا يَخفَى، فمسَّت الحاجةُ إلى التَّحلُّلِ والخُروجِ من الإحرامِ دَفعًا للضَررِ والحَرجِ، وسَواءٌ كان الإحصارُ عن الحَجِّ أو عن العُمرةِ أو عنهما عندَ عامَّةِ العُلماءِ -خِلافًا لِمالكٍ- لِما ذكَرنا واللهُ أعلمُ (١).

وأيضًا من السُّنةِ: فِعلُه ، فقدْ تَحلَّلَ وأمَرَ أصحابَه بالتَّحلُّلِ عامَ الحُدَيبيةِ حينَ صدَّهم المُشركونَ عن الاعتِمارِ بالبَيتِ العَتيقِ، كما سبَقَ في الأحاديثِ الصَّحيحةِ.

(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٩٥، ١٩٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحج
فصل حكم الإحصار

مَوْضِعِهَا، وَلَا إحْصَارَ بَعْدَ مَا قَدِمَ مَكَّةَ أَوْ الْحَرَمَ إنْ كَانَ لَا يُمْنَعُ مِنْ الطَّوَافِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ إنْ مُنِعَ مِنْ الطَّوَافِ، مَاذَا حُكْمُهُ؟ وَذَكَرَ الْجَصَّاصُ أَنَّهُ إنْ قَدَرَ عَلَى الْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ جَمِيعًا أَوْ قَدَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَلَيْسَ بِمُحْصَرٍ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَهُوَ مُحْصَرٌ.

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الرَّجُلُ مُحْصَرًا بَعْدَ مَا دَخَلَ الْحَرَمَ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِمَكَّةَ عَدُوٌّ غَالِبٌ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدُّخُولِ إلَى مَكَّةَ كَمَا حَالَ الْمُشْرِكُونَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ دُخُولِ مَكَّةَ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مُحْصَرٌ.

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ، هَلْ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ إحْصَارٌ؟ فَقَالَ: لَا، فَقُلْتُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُحْصِرَ بِالْحُدَيْبِيَةِ، فَقَالَ: كَانَتْ مَكَّةُ إذْ ذَاكَ حَرْبًا، وَهِيَ الْيَوْمَ دَارُ إسْلَامٍ، وَلَيْسَ فِيهَا إحْصَارٌ، وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرَهُ الْجَصَّاصُ مِنْ التَّفْصِيلِ أَنَّهُ إنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الْوُقُوفِ أَوْ عَلَى الطَّوَافِ لَا يَكُونُ مُحْصَرًا، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَكُونُ مُحْصَرًا، أَمَّا إذَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الْوُقُوفِ فَلِمَا ذَكَرْنَا.

وَأَمَّا إذَا كَانَ يَصِلُ إلَى الطَّوَافِ فَلِأَنَّ التَّحَلُّلَ بِالدَّمِ إنَّمَا رُخِّصَ لِلْمُحْصَرِ لِتَعَذُّرِ الطَّوَافِ قَائِمًا مَقَامَهُ، بَدَلًا عَنْهُ، بِمَنْزِلَةِ فَائِتِ الْحَجِّ أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ بِعَمَلِ الْعُمْرَةِ، وَهُوَ الطَّوَافُ فَإِذَا قَدَرَ عَلَى الطَّوَافِ فَقَدْ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ فَلَا يَجُوزُ التَّحَلُّلُ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الحج
باب الإحصار

باب الإحصار

قال الشافعي رضي الله عنه: " قال الله جل وعز: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ} وَأُحْصِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالْحُدَيْبِيَةِ فَنَحَرَ الْبَدَنَةَ عَنْ سبعةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سبعةٍ (قَالَ) وَإِذَا أَحُصِرَ بِعَدُوٍّ كافرٍ أَوْ مُسْلِمٍ أَوْ سلطانٍ بحبسٍ فِي سجنٍ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا أُحْصِرَ الْمُحْرِمُ بِحَجٍّ أَوْ عمرةٍ وَصُدَّ عَنِ الْبَيْتِ بِعَدُوٍّ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ، فَلَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْ إِحْرَامِهِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ سَنَةَ سِتٍّ فِي ألفٍ وَأَرْبَعِ مائةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَصَدَّتْهُ قُرَيْشٌ عَنِ الْبَيْتِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ) {البقرة: ١٩٦) ، تَقْدِيرُهُ: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ وَحَلَلْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، فَكَانَ التَّحَلُّلُ مُضْمَرًا فِيهِ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ لَا يَجِبُ بِمُجَرَّدِ الْحَصْرِ، وإنما بجب بِالتَّحَلُّلِ فِي الْحَصْرِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، تَحَلَّلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِنْ عُمْرَتِهِ بَعْدَ أَنْ نَحَرَ هَدْيَهُ.

وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أحصرنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَنَحَرْنَا الْبَدَنَةَ عَنْ سبعةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سبعةٍ؛ وَلِأَنَّ الْإِحْصَارَ عُذْرٌ، وَالْخُرُوجَ مِنَ الْعِبَادَةِ بِالْعُذْرِ جَائِزٌ، كَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ، كَذَلِكَ الْحَجُّ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 345 - 346

ارجع إلى الإحصار للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 29 ربيع الأول
هلال جديد اليوم 0.7 / 29.5
الإضاءة 1%
البدر بعد 14 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله