ركن الإحصار

الإسلام > الحج والعمرة > الإحصار > ركن الإحصار

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

ركن الإحصار - الأقوال والأدلة

رُكنُ الإحصارِ:

اختلَف الفُقهاءُ في المَنعِ الذي يَتحقَّقُ به الإحصارُ، هل يَشملُ المَنعَ بالعَدوِّ والمَنعَ بالمَرضِ ونحوَه من العِللِ، أم يَختصُّ بالحَصرِ بالعَدوِّ؟

فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِمن يَتعذَّرُ عليه الوُصولُ إلى البَيتِ بغيرِ حَصرِ العَدوِّ من مَرضٍ أو عَرجٍ أو ذَهابِ نفَقةٍ ونحوِ ذلك أنْ يَتحلَّلَ بذلك.

واستدلَّ الجُمهورُ على ذلك بالكِتابِ والآثارِ والمَعقولِ.

أمَّا الكِتابُ: فقال اللهُ تَعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: فلم أسمَعْ مُخالِفًا ممَّن حفِظتُ عنه ممَّن لَقيتُ من أهلِ العِلمِ بالتَّفسيرِ في أنَّها نزَلت بالحُدَيبيةِ وذلك إحصارُ عَدوٍّ، فكانَ في الحَصرِ إذنُ اللهِ تَعالى لِصاحبِه فيه بما استَيسَر من الهَديِ، ثم بيَّن رَسولُ اللهِ أنَّ الذي يَحلُّ منه المُحرِمُ الإحصارُ بالعَدوِّ، فرَأيتُ أنَّ الآيةَ بأمرِ اللهِ تَعالى بإتمامِ الحَجِّ والعُمرةِ للهِ عامَّةٌ على كلِّ حاجٍّ ومُعتمِرٍ إلا من استَثنى اللهُ ، ثم سنَّ فيه رَسولُ اللهِ من الحَصرِ بالعَدوِّ، وكان المَريضُ عِندي ممَّن عليه عُمومُ الآيةِ (١).

وأمَّا الآثارُ: فقد ثبَت من طُرقٍ عن ابنِ عَباسٍ رضي الله عنهما أنَّه قال: «لا حَصرَ إلا حَصرَ العَدوِّ، فأمَّا مَنْ أصابَه مَرضٌ، أو وَجعٌ أو ضَلالٌ،

(١) «الأم» (٢/ ١٦٣).

فليسَ عليه شيءٌ، إنَّما قال اللهُ تَعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾» (١)، وهو مَرويٌّ عن ابنِ عُمرَ والزُّهريِّ وطاوُوسٍ وزَيدِ بنِ أسلَم بنحوِ ذلك.

ورَوى الإمامُ مالكٌ في «المُوطَّأِ» والشافِعيُّ في «الأُمِّ» عن يَحيى بنِ سَعيدٍ عن سُلَيمانَ بنِ يَسارٍ: «أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ ومَروانَ بنَ الحَكمِ وابنَ الزُّبيرِ أفتَوْا ابنَ حُزابةَ المَخزوميَّ وأنَّه صُرعَ ببعضِ طَريقِ مكةَ وهو مُحرِمٌ أنْ يَتداوَى بما لا بدَّ له منه ويَفتَديَ، فإذا صحَّ اعتمَر فحلَّ من إحرامِه، وكان عليه أنْ يحُجَّ عامًا قابِلًا ويُهديَ» (٢).

أمَّا الدَّليلُ من المَعقولِ: فقال الشِّيرازيُّ رحمة الله عليه: إنْ أحرَم وأحصَره المَرضُ لم يَجزْ له أنْ يَتحلَّلَ؛ لأنَّه لا يَتخلَّصُ بالتَّحلُّلِ من الأذَى الذي هو فيه، فهو كمَن ضلَّ الطَّريقَ (٣).

وذهَب الحَنفيةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ اختارَها شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه إلى أنَّ الإحصارَ يَتحقَّقُ بالعَدوِّ وغيرِه، كالمَرضِ وهَلاكِ النفَقةِ، ومَوتِ مَحرَمِ المَرأةِ، أو زَوجِها في الطَّريقِ؛ لعُمومِ قولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، والإحصارُ هو المَنعُ، والمَنعُ كما يَكونُ

(١) رواه الشافعي في «مسنده» (١/ ٣٦٧)، وصححه النووي في «المجموع» (٨/ ٢٣٤)، والحافظ ابن حجر في «تلخيص الحبير» (٢/ ٢٨٨).
(٢) رواه مالك في «الموطأ» (١/ ٣٦٢)، والشافعي في «مسنده» (١/ ١٢٤)، والبيهقي (٥/ ٢٢٠).
(٣) «المهذب» (١/ ٢٣٥).

من العَدوِّ يَكونُ من المَرضِ وغيرِه، والعِبرةُ بعُمومِ اللَّفظِ لا بخُصوصِ السَببِ؛ إذِ الحُكمُ يَتبعُ اللَّفظَ، لا السَّببَ، في المَمنوعِ بسَببِ المَرضِ.

قال الكاسانيُّ رحمة الله عليه: وعن الكِسائيِّ، وأبي مُعاذٍ أنَّ الإحصارَ من المَرضِ، والحَصرَ من العَدوِّ، فعلى هذا كانت الآيةُ خاصَّةً في المَمنوعِ بسَببِ المَرضِ وأمَّا قوله ﷿: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ فالجَوابُ عن التَّعلُّقِ به من وَجهَين:

أحدُهما: أنَّ الأمنَ كما يَكونُ من العَدوِّ يَكونُ من زَوالِ المَرضِ؛ لأنَّه إذا زالَ مَرضُ الإنسانِ أمِن المَوتَ منه، أو أمِن زيادةَ المَرضِ. وكذا بعضُ الأمراضِ قد تَكونُ أمانًا من بَعضٍ.

والثاني: أنَّ هذا يَدلُّ على أنَّ المُحصَرَ من العَدوِّ مُرادٌ من الآيةِ الشَّريفةِ، وهذا لا يَنفي كَونَ المُحصَرِ من المَرضِ مُرادًا بها، وما رُوي عن ابنِ عَباسٍ، وابنِ عُمرَ رضي الله عنهما أنَّه إنْ ثبَت فلا يَجوزُ أنْ يُنسخَ به مُطلَقُ الكِتابِ.

وقد رُوي أنَّ رَسولَ اللهِ قال: «مَنْ كُسر أو عرِج فقَد حَلَّ وعليه الحَجُّ من قابِلٍ» (١).

وقولُه: «حَلَّ»، أي: جازَ له أنْ يَحلَّ بغيرِ دَمٍ؛ لأنَّه لم يُؤذَنْ له بذلك شَرعًا، وهو كقولِ النَّبيِّ : «إذا أقبَل اللَّيلُ من ههنا وأدبَر النَّهارُ من ههنا فقد أفطَر الصائمُ» (٢)، ومعناه: أي: حلَّ له الإفطارُ، فكذا ههنا معناه: حلَّ له أنْ يَحلَّ، ولأنَّه إنَّما صارَ مُحصَرًا من العَدوِّ، ومِن خِصالِه

(١) حَديثٌ صَحيحٌ: رواه أبو داود (١٨٦٢)، والترمذي (٩٤٠)، وابن ماجه (٣٠٧٧).
(٢) حَديثٌ صَحيحٌ: تقدَّم.

التَّحلُّلُ لمَعنًى هو مَوجودٌ في المَرضِ وغيرِه، وهو الحاجةُ إلى التَّرفيهِ، والتَّيسيرِ لِما يَلحقُه من الضَّررِ والحَرجِ بإبقائه على الإحرامِ مُدةً مَديدةً، والحاجةُ إلى التَّرفيهِ والتَّيسيرِ مُتحقَّقةٌ في المَريضِ ونحوِه، فيَتحقَّقُ الإحصارُ، ويثبُتُ مُوجِبُه، بل أوْلى؛ لأنَّه يَملكُ دَفعَ شرِّ العَدوِّ عن نَفسِه بالقِتالِ، فيَدفعُ الإحصارَ عن نَفسِه، ولا يُمكِنُه دَفعُ المَرضِ عن نَفسِه، فلمَّا جُعل ذلك عُذرًا فلَأنْ يُجعلَ هذا عُذرًا أوْلى، واللهُ أعلمُ (١).

وقال الزَّيلَعيُّ رحمة الله عليه: ولَئن كان (أي: الإحصارُ) مُختَصًّا به (أي: بالعَدوِّ) كما زعَم الشافِعيُّ رحمة الله عليه فيَتناوَلُ المَرضَ دِلالةً؛ لأنَّ التَّحلُّلَ إنَّما شُرع لدَفعِ الحَرجِ الآتي من قِبلِ امتِدادِ الإحرامِ، والحَرجُ بالاصطِبارِ عليه مع المَرضِ أعظمُ، فكان أوْلى التَّحلُّلُ، والدَّليلُ على صِحةِ هذا المَعنى أنَّ المُحصَرَ بعَدوٍّ له أنْ يَرجعَ إلى أهلِه من غيرِ تَحلُّلٍ، ويَصبِرُ، وهو مُحرِمٌ إلى أنْ يَزولَ الخَوفُ، فإذا أدرَك الحَجَّ وإلا تَحلَّل بالعُمرةِ، وإنَّما أُبيحَ له التَّحلُّلُ للضَّرورةِ حتى لا يَمتدَّ إحرامُه فيُشقُّ عليه فصارَ كالمَريضِ (٢).

(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٩١، ١٩٢).
(٢) «تبين الحقائق» (٢/ ٧٨)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ١٨٧)، و «أحكام القرآن» للجصاص (١/ ٣٣٤)، و «المبسوط» (٤/ ١٠٨)، و «الاستذكار» (٤/ ١٧٠)، و «التمهيد» (١٥/ ١٩٤، ٢٠١)، و «بداية المجتهد» (١/ ٤٧٨)، و «تفسير القرطبي» (٢/ ٣٧١، ٣٧٥)، و «المجموع» (٨/ ٢٢٢)، وما بعدَها، و «مغني المحتاج» (١/ ٥٣٢)، و «المغني» (٤/ ٥١٠)، و «الاختيار» (١/ ١٧٧)، و «الإنصاف» (١/ ١٧٧)، و «شرح ابن بطال» (٤/ ٤٥٧)، و «الحاوي الكبير» (٤/ ٣٥٧، ٣٦٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الحج
باب الإحصار

باب الإحصار

قال الشافعي رضي الله عنه: " قال الله جل وعز: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ} وَأُحْصِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالْحُدَيْبِيَةِ فَنَحَرَ الْبَدَنَةَ عَنْ سبعةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سبعةٍ (قَالَ) وَإِذَا أَحُصِرَ بِعَدُوٍّ كافرٍ أَوْ مُسْلِمٍ أَوْ سلطانٍ بحبسٍ فِي سجنٍ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا أُحْصِرَ الْمُحْرِمُ بِحَجٍّ أَوْ عمرةٍ وَصُدَّ عَنِ الْبَيْتِ بِعَدُوٍّ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ، فَلَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْ إِحْرَامِهِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ سَنَةَ سِتٍّ فِي ألفٍ وَأَرْبَعِ مائةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَصَدَّتْهُ قُرَيْشٌ عَنِ الْبَيْتِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ) {البقرة: ١٩٦) ، تَقْدِيرُهُ: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ وَحَلَلْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، فَكَانَ التَّحَلُّلُ مُضْمَرًا فِيهِ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ لَا يَجِبُ بِمُجَرَّدِ الْحَصْرِ، وإنما بجب بِالتَّحَلُّلِ فِي الْحَصْرِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، تَحَلَّلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِنْ عُمْرَتِهِ بَعْدَ أَنْ نَحَرَ هَدْيَهُ.

وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أحصرنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَنَحَرْنَا الْبَدَنَةَ عَنْ سبعةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سبعةٍ؛ وَلِأَنَّ الْإِحْصَارَ عُذْرٌ، وَالْخُرُوجَ مِنَ الْعِبَادَةِ بِالْعُذْرِ جَائِزٌ، كَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ، كَذَلِكَ الْحَجُّ.

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحج
فصل ركن الحج

عَاقِلًا بَالِغًا حُرًّا؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إلَى مَكَّةَ إلَّا بِحَرَجٍ، فَإِذَا تَحَمَّلَ الْحَرَجَ، وَقَعَ مَوْقِعَهُ كَالْفَقِيرِ إذَا حَجَّ، وَالْعَبْدِ إذَا حَضَرَ الْجُمُعَةَ فَأَدَّاهَا؛ وَلِأَنَّهُ إذَا وَصَلَ إلَى مَكَّةَ صَارَ كَأَهْلِ مَكَّةَ فَيَلْزَمُهُ الْحَجُّ بِخِلَافِ الْعَبْدِ، وَالصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ فَإِنَّ الْعَبْدَ، وَالصَّبِيَّ لَيْسَا مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الْحَجِّ، وَالْمَجْنُونُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ أَصْلًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 341 - 344

ارجع إلى الإحصار للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 2 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 3.9 / 29.5
الإضاءة 16%
البدر بعد 11 يوم
سبحان الله