الإسلام > الحج والعمرة > الإحصار > قضاء ما أحصر عنه المحصر
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةالعِباداتِ، بدَليلِ أنَّه لو قال: إنْ شَفى اللهُ مَريضي صُمتُ شَهرًا مُتتابِعًا أو مُتفرِّقًا كان على ما شرَطه، وإنَّما لم يَلزَمْه الهَديُ والقَضاءُ؛ لأنَّه إذا شرَط شَرطًا كان إحرامُه الذي فعَله حينَ وُجودِ الشَّرطِ، فصارَ بمَنزلةِ مَنْ أكمَل أفعالَ الحَجِّ.
والأصلُ في ذلك حَديثُ ضُباعةَ بنتِ الزُّبيرِ، فعَن عائشةَ رضي الله عنها قالت: دخَل رَسولُ اللهِ ﷺ على ضُباعةَ بنتِ الزُّبيرِ فقال لها: «لَعلَّكِ أرَدتِ الحَجَّ؟ قالت: واللهِ لا أجِدُني إلا وَجِعةً، فقال لها: حُجِّي واشتَرِطي، قُولي: اللَّهمَّ محِلِّي حيثُ حبَستَني» (١) (٢).
ما يَجبُ على المُحصَرِ بعدَ التَّحلُّلِ:
قَضاءُ ما أُحصِرَ عنه المُحصَرُ:
اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّه يَجبُ على المُحصَرِ قَضاءُ النُّسكِ الذي أُحصِرَ عنه إذا كان واجبًا، ولا يَسقطُ عنه هذا الواجبُ بسَببِ الإحصارِ، وإنَّما أفادَه الإحصارُ بجوازِ الخُروجِ منه.
وأمَّا مَنْ أُحصِر عن نُسكِ التطوُّعِ فقد ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ خِلافًا للحَنفيةِ إلى أنَّه لا يَجبُ عليه القَضاءُ.
(١) رواه البخاري (٤٨٠١)، ومسلم (١٢٠٧).
(٢) «الأم» (٢/ ١٥٨)، و «الحاوي الكبير» (٤/ ٣٦٠)، و «المجموع» (٨/ ٢٣٦، ٢٤٧)، و «شرح صحيح مسلم» (٨/ ١٣٧)، و «مختصر خلافيات البيهقي» (٣/ ٢٥٩)، و «مغني المحتاج» (١/ ٥٣٤)، و «نهاية المحتاج» (٢/ ٤٧٥)، و «المغني» (٤/ ٥١١)، و «شرح الزركشي» (١/ ٤٧٨)، و «الإنصاف» (٤/ ٧٢).
وقال الحَنفيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ: يَجبُ قَضاءُ النَّفلِ الذي أُحصِر عنه المُحرِمُ.
والسَببُ في الخِلافِ هو: هل قَضى رَسولُ اللهِ ﷺ عُمرةَ الحُدَيبيةِ أو لم يَقضِ؟
فقال الجُمهورُ: إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ حينَ رجَع عن البَيتِ في عامِ الحُدَيبيةِ لم يَأمرْ أحَدًا من أصحابِه ولا ممَّن كان معه أنْ يَقضُوا شيئًا، ولا أنْ يَعودوا لِشيءٍ، ولا حُفظ ذلك عنه بوَجهٍ من الوُجوهِ، ولا قال في العامِ المُقبِلِ: إنَّ عُمرَتي هذه قَضاءٌ عن العُمرةِ التي أُحصِرتُ فيها، ولم يُنقَلْ عنه ذلك، وإنَّما سُمِّيت عُمرةَ القَضاءِ وعُمرةَ القَضيَّةِ؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قاضَى قُريشًا وصالَحهم في ذلك العامِ على الرُّجوعِ عن البَيتِ. وقَصدُه من قابِلٍ، فسُمِّيت بذلك عُمرةَ القَضيَّةِ.
وقال الحَنفيةُ: إنَّ اعتِمارَ النَّبيِّ ﷺ في العامِ المُقبِلِ من عامِ الحُدَيبيةِ إنَّما كان قَضاءً لِتلك العُمرةِ، ولذلك قيلَ لها: عُمرةُ القَضاءِ (١) (٢).
(١) «شرح فتح القدير» (٣/ ١٣٨)، و «مواهب الجليل» (٢/ ٢٠٥)، و «شرح الزرقاني» (٢/ ٣٥١)، و «أحكام القران» لابن العربي (١/ ١٧٤)، و «التمهيد» (١٥/ ٢١٢)، و «الحاوي الكبير» (٤/ ٣٥٣)، و «تفسير القرطبي» (٢/ ٣٧٦)، و «المجموع» (٨/ ٢٣١)، و «المغني» (٤/ ٤٩٣)، و «الكافي» (١/ ٤٦٢).
(٢) وقال ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: وأمَّا الإحصارُ فإنَّ كلَّ مَنْ عرَض له ما يَمنَعُه من إتمامِ حَجِّه أو عُمرتِه، قارنًا كان، أو مُتمتِّعًا، من عَدوٍّ، أو مَرضٍ، أو كَسرٍ، أو خَطأِ طَريقٍ، أو خَطأٍ في رُؤيةِ الهِلالِ، أو سِجنٍ، أو أيِّ شيءٍ كان: فهو مُحصَرٌ.
فإنْ كان اشترَط عندَ إحرامِه كما قدَّمنا أنَّ مَحلَّه حيث حبَسه اللهُ ﷿ فليَحلَّ من إحرامِه ولا شيءَ عليه، سَواءٌ شرَع في عَملِ الحَجِّ، أو العُمرةِ، أو لم يَشرعْ بعدُ، قَريبًا كان أو بَعيدًا، مَضى له أكثَرُ فَرضِهما أو أقلُّه، كل ذلك سَواءٌ ولا هَديَ في ذلك ولا غَيرِه، ولا قَضاءَ عليه في شَيءٍ من ذلك، إلا أنْ يَكونَ لم يحُجَّ قطُّ ولا اعتمَر، فعليه أنْ يحُجَّ ويَعتمرَ ولا بدَّ.
فإنْ كان لم يَشترِطْ كما ذكَرنا فإنَّه يَحلُّ أيضًا كما ذكَرنا سَواءً سواءً ولا فَرقَ، وعليه هَديٌ ولا بدَّ، كما قُلنا في هَديِ المُتعةِ سَواءً سَواءً، إلا أنَّه لا يُعوِّضُ من هذا الهَديِ صَومٌ ولا غَيرُه، فمَن لم يَجدْه فهو عليه دَينٌ حتى يَجدَه، ولا قَضاءَ عليه إلا إنْ كان لم يحُجَّ قطُّ ولا اعتمَر، فعليه أنْ يحُجَّ ويَعتمرَ. «المحلى» (٧/ ٢٠٣).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الحج
القول في الجنس الثالث
وَاخْتَلَفُوا إِذَا رَمَاهَا قَبْلَ الزَّوَالِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: مَنْ رَمَاهَا قَبْلَ الزَّوَالِ أَعَادَ رَمْيَهَا بَعْدَ الزَّوَالِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: رَمْيُ الْجِمَارِ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى غُرُوبِهَا.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَرْمِ الْجِمَارَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِهَا أَنَّهُ لَا يَرْمِيهَا بَعْدُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَاجِبِ مِنَ الْكَفَّارَةِ، فَقَالَ مَالِكٌ: إِنَّ مَنْ تَرَكَ الْجِمَارَ كُلَّهَا، أَوْ بَعْضَهَا، أَوْ وَاحِدَةً مِنْهَا - فَعَلَيْهِ دَمٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ تَرَكَ كُلَّهَا كَانَ عَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ تَرَكَ جَمْرَةً وَاحِدَةً فَصَاعِدًا كَانَ عَلَيْهِ لِكُلِّ جَمْرَةٍ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ حِنْطَةً، إِلَى أَنْ يَبْلُغَ دَمًا بِتَرْكِ الْجَمِيعِ، إِلَّا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: عَلَيْهِ فِي الْحَصَاةِ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ، وَفِي حَصَاتَيْنِ مُدَّانِ، وَفِي ثَلَاثٍ دَمٌ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: فِي الرَّابِعَةِ الدَّمُ. وَرَخَّصَتْ طَائِفَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي الْحَصَاةِ الْوَاحِدَةِ، وَلَمْ يَرَوْا فِيهَا شَيْئًا. وَالْحُجَّةُ لَهُمْ حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّتِهِ، فَبَعْضُنَا يَقُولُ: رَمَيْتُ بِسَبْعٍ، وَبَعْضُنَا يَقُولُ: رَمَيْتُ بِسِتٍّ، فَلَمْ يَعِبْ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ» .
ارجع إلى الإحصار للاطلاع على جميع المسائل.